بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 662

..........

بمرسلة داود بن الحصين و رواية الحسين بن خالد، يزيّفه: ظهور ورود الخبرين في مقام آخر غير مقام التعارض، لكون المراد بالموافقة للعامّة الموجبة لعدم كونه منهم(عليهم السلام)و المخالفة لهم الموجبة لكونه منهم(عليهم السلام)أي من شيعتهم إنّما هو الموافقة و المخالفة لهم في أصل المذهب.

و لا ريب أنّ الموافقة لهم في المذهب الّتي مرجعه إلى إنكار أمر الإمامة غير الأخذ بالخبر الموافق لمذهبهم، فيبقى الأخيران و لا يبعد القول بصحّة كليهما لوجود شاهد في الأخبار على كليهما و إن كان شاهد أوّلهما أكثر.

و يمكن القول بانحصار الصحيح في الوجه الأخير كما أشرنا إليه، لأنّ سابقه خلاف المشهور بين العلماء و المعهود من طريقتهم من الحمل على التقيّة، مع أنّ تنزيل الترجيح بالمخالفة على هذا المعنى يؤول إلى إرجاع مرجّح جهة الصدور إلى مرجّح المضمون الكاشف ظنّا إجماليّا عن وقوع خلل في الخبر الخالي عن ذلك المرجّح الّذي مضمونه أبعد عن الواقع إمّا في صدوره أو دلالته أو جهة صدوره، إذ مخالفة الخبر إذا كشفت عن كونه أقرب إلى الواقع الملازم لكون الخبر الموافق أبعد عن الواقع يظنّ معه إجمالا بوقوع خلل فيه إمّا في صدوره أو دلالته أو جهة صدوره كالشهرة بالقياس إلى الخبر الشاذّ حسبما بيّنّاه سابقا، إذ الأقربيّة إلى الواقع و الأبعديّة عنه صفتان للمضمون، و هذا خلاف المعهود من طريقة الأصحاب و المنساق من أخبار الباب، فلا بدّ من إرجاع هذا الوجه إلى الوجه الأخير، على معنى كون أقربيّة الخبر المخالف بسبب المخالفة إلى الواقع إنّما هي باعتبار أضعفيّة احتمال التقيّة فيه بالقياس إلى احتمالها في الخبر الموافق، و لا ينافيه التعليلات الموجودة في الأخبار المعلّلة، لأنّها أيضا منزّلة على صورة الورود تقيّة، إذ مصلحة التقيّة مع غيرها من سائر المصالح الباعثة على بيان خلاف الواقع متشاركتان في أصل الخبر لغير جهة بيان الواقع، فمعنى كون الرشد أو الحقّ في خلافهم في تعليل الترجيح بمخالفة العامّة أنّ الخبر الموافق لصدوره على جهة التقيّة أو لاحتمال صدوره كذلك غير مطابق للرشد و الحقّ أو أبعد عنهما، فليتدبّر.

و بتذكّر بعض ما بيّنّاه في تضاعيف البحث يندفع ما ذكره المحقّق اعتراضا على الشيخ حيث إنّه قال في العدّة: «إذا كان رواة الخبرين متساويين في العدد عمل بأبعدهما من قول العامّة و ترك العمل بما يوافقه».

قال المحقّق في المعارج- على ما حكي بعد حكاية هذه العبارة-: «و الظاهر أنّ احتجاجه


صفحه 663

..........

في ذلك برواية رويت عن الصادق(عليه السلام)، و هو إثبات مسألة علميّة بخبر الواحد.

و لا يخفى عليك ما فيه، مع أنّه قد طعن فيه فضلاء من الشيعة كالمفيد و غيره، فإن احتجّ بأنّ الأبعد لا يحتمل إلّا الفتوى و الموافق للعامّة يحتمل التقيّة فوجب الرجوع إلى ما لا يحتمل.

قلنا: لا نسلّم أنّه لا يحتمل إلّا الفتوى، لأنّه كما جاز الفتوى لمصلحة يراها الإمام(عليه السلام)كذلك يجوز الفتوى بما يحتمل التأويل لمصلحة يعلمها الإمام(عليه السلام)و إن كنّا لا نعلم ذلك.

فإن قال: أنّ ذلك يسدّ باب العمل بالحديث.

قلنا: إنّما نصير إلى ذلك على تقدير التعارض و حصول مانع يمنع من العمل لا مطلقا، فلا يلزم سدّ باب العمل» انتهى.

ملخّص ما ذكره في الاعتراض على تنزيل الخبر الموافق للعامّة على التقيّة معارضة احتمال التقيّة فيه باحتمال التأويل في الخبر الأبعد من قول العامّة بأن ينزّل على خلاف ظاهر يرى الإمام(عليه السلام)إرادته لمصلحة علمها، فهو كما يحتمل الإفتاء بظاهره المخالف للعامّة يحتمل الإفتاء بخلاف ظاهره الموافق للعامّة.

و يدفعه: أنّ احتمال التقيّة في أحد المتعارضين لا يلتفت إليه إلّا إذا تساويا من جميع الجهات الراجعة إلى الصدور و المتن و الدلالة، فإمّا أن لا يجري احتمال التأويل في الأبعد أو يجري نحوه في الموافق أيضا فيتعارضان، فيبقى احتمال التقيّة في الموافق سليما.

هذا مضافا إلى ما يقال: من أنّه لو فرض اختصاص الخبر المخالف باحتمال التأويل و عدم تطرّقه في الخبر الموافق كان اللازم ارتكاب التأويل في الخبر المخالف، لأنّ النصّ و الظاهر لا يرجع فيهما إلى المرجّحات الاخر، فما ذكره من المعارضة خارج عن معقد كلام الشيخ.

ثمّ اعلم أنّ المشهور بين العلماء قولا و عملا أنّ حمل الخبر على التقيّة لا يكون إلّا مع الموافقة لمذهب العامّة و لو لبعضهم، فالموافقة لهم شرط لحمله عليها، خلافا لصاحب الحدائق في المقدّمة الثانية من مقدّمات الحدائق فأنكر اشتراط الموافقة في الحمل على التقيّة، فزعم أنّ التقيّة كما تحصل ببيان ما يوافق العامّة كذلك تحصل بمجرّد إلقاء الخلاف بين الشيعة كيلا يعرفوا فيؤخذ برقابهم، و استند في ذلك إلى روايات وردت في وجه اختلاف أخبارهم(عليهم السلام)المشتملة على قولهم: «نحن نلقي الخلاف بينكم» و في بعضها


صفحه 664

..........

التعليل: «بأنّه أبقى لنا و لكم».

و بالجملة فالموافقة لهم غير لازمة في التقيّة، فلا وجه للاقتصار في الحمل عليها على صورة الموافقة.

و فيه- مع أنّه ينافي ما تقدّم سابقا من قوله(عليه السلام): «ما سمعته منّي يشبه قول الناس ففيه التقيّة، و ما سمعته منّي لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه»-: أنّ التقيّة مع عدم موافقته العامّة ممّا لا يكاد يتعقّل، إذ الخبر الّذي يحمل على التقيّة إمّا سليم عن المعارض أو له معارض، و على الثاني إمّا أن لا يكون بينهما ترجيح، بأن يكونا متساويين من جميع الوجوه، أو يكون بينهما ترجيح، و على الثاني إمّا أن يكون الترجيح من غير جهة التقيّة أو من جهة التقيّة.

و أيّا ما فالحمل على التقيّة بدون موافقة العامّة غير صحيح، أمّا في الأوّل: فلأنّ حمل الخبر السليم عن المعارض على التقيّة لا بدّ له من أمارة و لا تكون إلّا الموافقة، و لم نقف على من حمله على التقيّة بدونها، حتّى أنّ المعترض أيضا لا يحمل عليها كيف و هو غير ممكن.

و أمّا في الثاني: فلأنّ حمل أحدهما على التقيّة مع فرض التساوي غير ممكن لقيام احتمالها في كليهما على نهج سواء، فلا بدّ لتخصيص أحدهما بذلك الحمل من مخصّص و لا مخصّص إلّا الموافقة.

و أمّا في الثالث: و هو أن يكون بينهما ترجيح من غير جهة التقيّة كأن يكون أحد الخبرين مشهورا مثلا، فهم في مثل ذلك لا يحملونه و لا صاحبه- و هو الخبر الشاذّ- على التقيّة، بل يأخذون بموجب الشهرة، و إن كان و لا بدّ من الحمل عليها حينئذ فهو من دون أمارة تعيّن محلّها غير ممكن، و الشهرة لا تصلح أمارة عليه فلا بدّ من اعتبار الموافقة.

و أمّا في الرابع: و هو أن يكون ترجيح بينهما من جهة التقيّة، و هو أن يرجّح أحدهما بحمل صاحبه على التقيّة، و هذا أيضا ممّا لا يمكن إلّا إذا كان المحمول عليها موافقا للعامّة، و إلّا فلو كانا مخالفين لهم فهو أمارة عدم التقيّة، و معه كيف يحمل أحدهما عليها، و لو كانا موافقين لهم فهو أمارة التقيّة فيهما و معه كيف يحمل أحدهما عليها دون صاحبه؟

و بالجملة الخلاف الّذي زعمه بينه و بين المشهور لا بدّ له من محلّ، و لا يصلح شيء من الأقسام الأربعة محلّا له و لا نعقل ممّا سواها ما يصلح محلّا له، هذا مع أنّ التقيّة قوليّة كانت أو فعليّة حكم اخذ في موضوعه الموافقة، أمّا على الأوّل: فلأنّها عبارة عن إظهار الموافقة للعامّة.


صفحه 665

..........

و أمّا على الثانية: فلأنّها عبارة عن العمل بما يوافقهم أو تطبيق العمل على مذهبهم.

و من البيّن استحالة تحقّق الحكم منفكّا عن موضوعه.

فتحقيق المقام: أنّ مصالح صدور الخبر على خلاف الواقع كما أشرنا إليه سابقا كثيرة، منها: إلقاء الخلاف بين الشيعة، و منها: التقيّة قوليّة أو فعليّة.

فالتقيّة مصلحة مقابلة لمصلحة إلقاء الخلاف بين الشيعة، و عدم[1]الموافقة للعامّة لا تعتبر في الاولى مع اعتبارها في الثانية، فالإيراد على المشهور بمنع اعتبارها في الثانية تعليلا بأنّها غير معتبرة في الاولى مع كونها في الطرف المقابل من الثانية كما ترى، إلّا أن يعتذر بجعله التقيّة للأعمّ و عليه مبنى عدم اعتبار الموافقة فيها و حينئذ فلا مشاحّة، إلّا أنّ النزاع معه حينئذ لفظيّ ببعض معانيه لرجوعه إلى تسمية إلقاء الخلاف بين الشيعة تقيّة.

و بالجملة الخلاف الّذي أحدثه إن كان معنويّا فممّا لا محصّل له، و إن كان لفظيّا فممّا لا جدوى فيه.

و لعلّ منشأه أنّه لمّا وجد أصحابنا المتأخّرين من العلّامة و من بعده أنّهم أحدثوا في تنويعهم الأخبار على أربعة أنواع وضعوا فيها اصطلاحا الصحيح و الموثّق و الحسن و الضعيف، و تخيّل من ذلك أنّ الباعث عليه اختلاف الأخبار المرويّة عن أهل بيت العصمة(عليهم السلام)غاية الاختلاف و كثرة تبائنها و تعارضها بمظنّة أنّ هذا الاختلاف إنّما نشأ من اختلاط الأخبار الكاذبة بالأخبار الصادقة، و دسّ الأحاديث الموضوعة في الأحاديث المأثورة الصادرة منهم(عليهم السلام)، فأخذوا بذلك التنويع و وضعوا ذلك الاصطلاح، ليتميّز به الأخبار الصادقة عن الكاذبة و الأحاديث المدسوسة عن الأحاديث المأثورة، فأخذ(رحمه اللّه)بدفع هذا التوهّم و منع وجود الأخبار الكاذبة في الأخبار الموجودة بأيدينا المودعة في الكتب الأربعة بدعوى أنّها قطعيّة الصدور، لأنّ قدماء أصحابنا المحدّثين كالكليني و الصدوق و الشيخ و غيرهم من أرباب التصانيف(رضوان اللّه عليهم)و(قدّس اللّه أرواحهم)تعبوا خواطرهم في تصحيح تلك الأحاديث فنقّحوها و نقّبوها و أخرجوا منها الأخبار الكاذبة بقدر جهدهم و على حسب وسعهم، فهذه الأخبار الّتي بأيدينا اليوم وصلت منهم إلينا مصفّاة منقّاة خالية عن الكاذبة و الموضوعة بالمرّة، فلا يمكن حينئذ توهّم اختلاطها بها لتمسّ الحاجة إلى التميّز و التشخيص.

ثمّ إن قلت: فما وجه هذا الاختلاف الموجود فيها، و من أيّ شيء حصل ذلك مع

[1]كذا في الأصل، و الصواب، و «الموافقة للعامّة» إلخ.


صفحه 666

..........

فرض صدور الكلّ عن الأئمّة(عليهم السلام)؟

قلنا: منشأ الاختلاف في الأخبار غير منحصر في اختلاط الأخبار الكاذبة و دسّ الأحاديث الموضوعة، بل قد يحصل تقيّة كما يدلّ عليه قولهم: «نحن نلقي الخلاف بينكم».

فإن قلت: إنّ التقيّة يشترط فيها الموافقة للعامّة، فلو فرض كون المتعارضين مخالفين لهم فلا يتطرّق إليهما احتمال التقيّة، فكيف ينزّل الاختلاف في الأخبار على التقيّة مع عدم احتمالها.

قلت: نمنع اشتراط التقيّة بالموافقة، لأنّها كما قد تحصل ببيان ما يوافق العامّة فقد تحصل بإلقاء الخلاف من دون أن يكون هناك موافقة، و استشهد لذلك بجملة من الروايات الّتي ذكرها في المقدّمة الثانية[1]من مقدّمات الحدائق[2]، فمبنى مخالفته المشهور كما يظهر من كلامه على ذلك ظاهر.

و يرد عليه: أنّ ما ذكره في وجه اختلاف الأخبار و إن كان في الجملة حسنا متينا قابلا لأن يذكر في الكتب العلميّة يصدر من أهل العلم، غير أنّه إنّما يسلّم في الجملة لا مطلقا، بمعنى أنّ كلّ اختلاف في الأحاديث ليس ناشئا عن الأئمّة واقعا منهم(عليهم السلام)لمراعاة مصلحة إلقاء الخلاف بينهم و إن كان قد يكون لذلك، بل الغالب من أسباب حصول الاختلاف بعد تسليم قطعيّة صدور الجميع أو الظنّ بها إنّما هو كثرة إرادة خلاف ظواهر تلك الأخبار لقرائن حاليّة و مقاميّة زالت بانقضاء زمان التخاطب، أو بقرائن لفظيّة متّصلة اختفت علينا لكثرة ما تطرّق إلى الأحاديث من التقطيع أو النقل بالمعنى أو غير ذلك، أو بقرائن لفظيّة منفصلة ذهبت عنّا بانطماس كتب الأحاديث و اندراسها، أو بغير قرائن لمصلحة التقيّة بناء على ما تقدّم من أنّ التقيّة قد تكون بالتأويل، أو لمصلحة اخرى غير التقيّة علمها الإمام(عليه السلام)، و من ذلك ما روي: «أنّه لمّا سأله(عليه السلام)بعض أهل العراق و قال: كم آية تقرأ في صلاة الزوال؟

فقال(عليه السلام): ثمانون، و لمّا بعد السائل فقال(عليه السلام): هذا يظنّ أنّه من أهل الإدراك، فقيل له:

ما أردت بذلك، و ما هذه الآيات؟ فقال: أردت منها ما يقرأ في نافلة الزوال، فإنّ الحمد و التوحيد لا يزيد على عشرة آيات، و نافلة الزوال ثمان ركعات» و نحوه غيره ممّا يظفر عليه المتتبّع.

و يؤيّد ما ذكرنا- من كون الغالب من أسباب اختلاف الأحاديث إنّما هو إرادة خلاف

[1]و الصواب: المقدّمة الاولى.

[2]الحدائق 1: 8.


صفحه 667

..........

ظواهرها الغير الظاهرة لنا- ما روي مستفيضا من «عدم جواز ردّ الخبر و إن كان ممّا ينكر ظاهره، حتّى إذا قال للنهار أنّه ليل و لليل أنّه نهار، معلّلا بأنّه يمكن أن يكون له محمل لم يتفطّن له السامع فينكره فيكفر من حيث لا يشعر»، و الظاهر أنّ عليه مبنى طريقة الشيخ في التهذيبين من إخراجه الأخبار المتباينة إلى محامل بعيدة لمجرّد المحافظة عليها عن الردّ و الطرح.

ثمّ إنّ التقيّة في الخبر قد يكون لموافقته فتوى العامّة و هو الغالب المصرّح به في كثير من الأخبار، و قد يكون لموافقته أخبارهم الّتي رووها، و قد يكون لموافقة عمل عوامهم، و قد يكون لموافقة عمل سلاطينهم، و قد يكون لموافقة عمل قضاتهم كما نبّه عليه في المقبولة حيث أمر بالأخذ بما وافق ما هو أميل حكّامهم، و قد يكون لموافقة قواعد [هم] و طرقهم في الاصول و الفروع كالقياس و الاستحسان و غيره.

تذنيب [مقتضى الأصل في التعارض بين مرجّح الصدور و مرجّح جهة الصدور]

قد عرفت سابقا أنّه إذا وقع التعارض بين مرجّح الصدور و مرجّح جهة الصدور فيما إذا ورد خبران أحدهما موافق للعامّة مع كون راويه أعدل و الآخر مخالف للعامّة يرجّح مرجّح الصدور فيؤخذ بخبر الأعدل و إن كان موافقا و يطرح خبر العادل و إن كان مخالفا، و ليعلم أنّ الخبر الموافق لاحتماله التقيّة ممّا لم يجز الأخذ به على أنّ مؤدّاه الحكم الواقعي إلّا بعد نفي الاحتمال المذكور بأصالة عدم التقيّة، فلا بدّ عند الترجيح بمرجّح الصدور من إعمال ذلك الأصل أيضا.

و قد يتوهّم أنّ تقديم خبر الأعدل هنا يحصل بملاحظة الأعدليّة مع انضمام أصالة عدم التقيّة، فيستشكل بأنّه ينافي عموم ما دلّ على حجّية خبر العدل فإنّه يشمل الخبر المخالف كما يشمل الموافق أيضا.

و قضيّة صدورهما معا مع كون صدور المخالف قرينة على صدور خبر الأعدل على جهة التقيّة، و معه لا مجرى لأصالة عدم التقيّة، لأنّ الأصل لا يعارض الدليل و هو العموم المذكور، و يلزم منه تقديم مرجّح جهة الصدور على مرجّح الصدور عند التعارض عملا بعموم دليل الحجّية الّذي لا يعارض أصالة عدم التقيّة في جانب مرجّح الصدور، نظير ما هو الحال في تعارض مرجّح الصدور و مرجّح الدلالة فيما ورد خبران أحدهما أظهر


صفحه 668

..........

و الآخر ظاهر مع كون راويه أعدل، حيث لا يؤخذ فيه بمقتضى مرجّح الصدور مع انضمام أصالة الحقيقة في جانب الظاهر، لأنّه يستلزم طرح خبر العادل الّذي هو الأظهر، و هو ينافي عموم أدلّة حجّية خبر العدل، فإنّه يقتضي صدورهما معا، و ينهض صدور الأظهر قرينة على كون المراد بالظاهر خلاف ظاهره طرحا لأصالة الحقيقة، و هي لا تعارض عموم أدلّة الحجّية، و لأجل ذا يقدّم مرجّح الدلالة على مرجّح الصدور.

و فيه من المغالطة ما لا يخفى، أمّا أوّلا: فلأنّ الطرح اللازم من الترجيح لا ينافي أدلّة الحجّية إمّا لعدم كونه من جهة فقد المقتضي و هو الحجّية الذاتيّة، بل لوجود المانع، أو لأنّ أدلّة الحجّية إنّما اقتضت وجوب العمل بخبر العدل ما لم يمنعه المانع، و التعارض مانع.

و أمّا ثانيا: فلأنّ مستند ترجيح الخبر الموافق المستلزم لطرح الخبر المخالف ليس هو الأصل المذكور حتّى يقال: إنّه لا يصلح معارضا لعموم أدلّة الحجّية، بل النصّ الدالّ بإطلاقه على وجوب الترجيح بالأعدليّة و غيرها من مرجّحات الصدور و هو مقبولة عمر بن حنظلة، و لا ريب أنّه يصلح مخرجا من عموم الحجّية، و الأصل المذكور إنّما يتمسّك به لرفع المانع من العمل بالخبر الموافق بعد تقديمه على المخالف و هو احتمال التقيّة لا لأجل طرح المخالف.

و أمّا ثالثا: فلأنّ حمل الخبر على التقيّة في معنى الطرح فيشكل التعلّق في الحكم بصدورهما معا بأدلّة الحجّية، لأنّ معنى حجّيّة خبر الواحد وجوب تصديق راويه، و معنى تصديقه ترتيب آثار الصدق على خبره، و معنى ذلك الأخذ بمضمونه و التعبّد بمدلوله على حسب الدلالات المعتبرة على أنّه حكم اللّه الواقعي، و هذا كما ترى ممّا لا يتأتّى في الخبر المحمول على التقيّة، لوضوح أنّ معناه عدم الأخذ بمضمونه و التعبّد بما هو مقتضاه و هذا في معنى الطرح، فلم يترتّب على الأخذ بموجب أدلّة الحجّية ما هو الغرض المطلوب منها و هو التصديق بالمعنى المذكور.

لا يقال: إنّ معنى تصديق الراوي عدم تكذيبه، أي عدم الحكم بكونه كاذبا في إخباره عن المعصوم، و هذا كما ترى يتأتّى في الخبر المحمول على التقيّة أيضا، لأنّا نصدّقه و لا نكذّبه، و لكن يحمل خبره على التقيّة لأجل القرينة.

لعدم كون معنى التصديق المدلول عليه بأدلّة الحجّية ما يرجع إلى المخبر، بل المراد به ما يرجع إلى الخبر، أعني ترتيب آثار الصدق عليه بالأخذ بمضمونه و التعبّد بمقتضاه، فالخبر المحمول على التقيّة لا يتناوله أدلّة الحجّية، كما أنّ الخبر الضعيف الصادر من الفاسق


صفحه 669

..........

لا يتناوله أدلّة الحجّية، فإنّ معنى طرح الخبر الضعيف حسبما تداوله العلماء ليس هو تكذيب الراوي و الحكم عليه بكونه كاذبا، لأنّ ما أوجب الضعف فيه إنّما هو فسق الراوي و هو لا يصلح أمارة على الكذب لأنّه أعمّ.

غاية الأمر أنّه خال عن أمارة الصدق و هو العدالة، فمعنى عدم حجّيته عدم جواز تصديقه بترتيب آثار الصدق عليه و الأخذ بمضمونه، و عليه فالخبر الموافق الّذي راويه أعدل إذا اريد حمله على التقيّة لا يترتّب عليه فائدة الحجّية فلا يتناوله أدلّتها، و على تقدير تناولها له كان حمله على التقيّة طرحا له و أخذا بما يقابله من الخبر المخالف.

فدار الأمر بين طرح الخبر الموافق بحمله على التقيّة تقديما لمرجّح جهة الصدور و طرح الخبر المخالف بالحكم عليه بعدم الصدور رأسا تقديما لمرجّح الصدور و هو الأعدليّة، و لا مزيّة للأوّل على الثاني، بل المزيّة إنّما هي في جانب الثاني من جهة أصالة عدم التقيّة المعتضدة بظاهر الروايات القاضية بتقديم مرجّحات الصدور على مرجّحات جهة الصدور.

و لا يقاس هذا الأصل بأصالة الحقيقة الغير الصالحة لترجيح مرجّح الصدور على مرجّح الدلالة من النصوصيّة و الأظهريّة ليلزم منه طرح النصّ أو الأظهر المنافي لأدلّة الحجّية، فإنّ غاية ما يلزم من طرح أصالة الحقيقة في جانب الظاهر بعد الحكم بصدوره مع النصّ و الأظهر إنّما هو التأويل فيه بحمله على معنى مجازي له يساعد عليه القرينة و هو نصوصيّة النصّ و أظهريّة الأظهر، و لا ريب أنّ المعنى المجازي مع مساعدة القرينة عليه مدلول الدليل و مقتضاه، و العمل بالدليل بالمعنى المتقدّم أعمّ من الأخذ بمدلوله الحقيقي و الأخذ بمدلوله المجازي، فلا طرح هنا أصلا بخلاف طرح أصالة عدم التقيّة، فالفرق بينهما واضح.

المقام الثاني فيما يتعلّق بتعارض مرجّح جهة الصدور لمرجّح الدلالة

و تعارض مرجّح الصدور لمرجّح الدلالة، و حيث إنّ جهة البحث فيهما واحدة جمعناهما في باب واحد.

و اعلم أنّ مرجّح الدلالة عبارة عن كلّ مزيّة أوجبت كون دلالة أحد الخبرين أقوى- من جهة النصوصيّة أو الأظهريّة- من دلالة الخبر الآخر.

و قد أشرنا مرارا إلى أنّ مرجّحات الدلالة مقدّمة على سائر المرجّحات، سواء كانت راجعة إلى الصدور أو جهة الصدور، فالخبر الأقوى دلالة مقدّم على الأضعف دلالة و لو