..........
لا يتناوله أدلّة الحجّية، فإنّ معنى طرح الخبر الضعيف حسبما تداوله العلماء ليس هو تكذيب الراوي و الحكم عليه بكونه كاذبا، لأنّ ما أوجب الضعف فيه إنّما هو فسق الراوي و هو لا يصلح أمارة على الكذب لأنّه أعمّ.
غاية الأمر أنّه خال عن أمارة الصدق و هو العدالة، فمعنى عدم حجّيته عدم جواز تصديقه بترتيب آثار الصدق عليه و الأخذ بمضمونه، و عليه فالخبر الموافق الّذي راويه أعدل إذا اريد حمله على التقيّة لا يترتّب عليه فائدة الحجّية فلا يتناوله أدلّتها، و على تقدير تناولها له كان حمله على التقيّة طرحا له و أخذا بما يقابله من الخبر المخالف.
فدار الأمر بين طرح الخبر الموافق بحمله على التقيّة تقديما لمرجّح جهة الصدور و طرح الخبر المخالف بالحكم عليه بعدم الصدور رأسا تقديما لمرجّح الصدور و هو الأعدليّة، و لا مزيّة للأوّل على الثاني، بل المزيّة إنّما هي في جانب الثاني من جهة أصالة عدم التقيّة المعتضدة بظاهر الروايات القاضية بتقديم مرجّحات الصدور على مرجّحات جهة الصدور.
و لا يقاس هذا الأصل بأصالة الحقيقة الغير الصالحة لترجيح مرجّح الصدور على مرجّح الدلالة من النصوصيّة و الأظهريّة ليلزم منه طرح النصّ أو الأظهر المنافي لأدلّة الحجّية، فإنّ غاية ما يلزم من طرح أصالة الحقيقة في جانب الظاهر بعد الحكم بصدوره مع النصّ و الأظهر إنّما هو التأويل فيه بحمله على معنى مجازي له يساعد عليه القرينة و هو نصوصيّة النصّ و أظهريّة الأظهر، و لا ريب أنّ المعنى المجازي مع مساعدة القرينة عليه مدلول الدليل و مقتضاه، و العمل بالدليل بالمعنى المتقدّم أعمّ من الأخذ بمدلوله الحقيقي و الأخذ بمدلوله المجازي، فلا طرح هنا أصلا بخلاف طرح أصالة عدم التقيّة، فالفرق بينهما واضح.
المقام الثاني فيما يتعلّق بتعارض مرجّح جهة الصدور لمرجّح الدلالة
و تعارض مرجّح الصدور لمرجّح الدلالة، و حيث إنّ جهة البحث فيهما واحدة جمعناهما في باب واحد.
و اعلم أنّ مرجّح الدلالة عبارة عن كلّ مزيّة أوجبت كون دلالة أحد الخبرين أقوى- من جهة النصوصيّة أو الأظهريّة- من دلالة الخبر الآخر.
و قد أشرنا مرارا إلى أنّ مرجّحات الدلالة مقدّمة على سائر المرجّحات، سواء كانت راجعة إلى الصدور أو جهة الصدور، فالخبر الأقوى دلالة مقدّم على الأضعف دلالة و لو
..........
كان أصحّ سندا أو موافقا للكتاب أو مشهورا أو مخالفا للعامّة ما لم يعلم بصدور الأقوى على وجه التقيّة، كما نبّه عليه قوله(عليه السلام)- في خبر أبي حيّون-: «أنّ في أخبارنا محكما كمحكم القرآن، و متشابها كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، و لا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا» و قوله(عليه السلام)- في خبر داود بن فرقد-: «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، أنّ الكلمة لتصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء و لا يكذب».
و ممّا يقرّب ذلك أنّ صفات الراوي لا تزيد على التواتر و موافقة الكتاب لا يجعل الخبر أعلى من الكتاب، و قد حقّق في محلّه جواز تخصيص الكتاب و السنّة المتواترة بأخبار الآحاد، فحيثما رجع التعارض إلى تعارض الأظهر و الظاهر يقدّم فيه الأظهر و لا يلتفت إلى سائر المرجّحات.
و السرّ فيه: أنّ الترجيح بقوّة الدلالة من الجمع المقبول العرفي الّذي هو أولى من الطرح، و بذلك يخرج عن مورد أخبار التراجيح المسوقة لبيان حكم ما لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه قريب يقبله العرف، و هذا هو معقد إجماع الغوالي اللئالي أو القدر المتيقّن من معقده.
و من مشايخنا من قال- بعد ما صرّح بذلك-: «و ما ذكرناه كأنّه ممّا لا خلاف فيه» حاكيا لاستظهاره عن بعض مشايخه المعاصرين له.
و لكن ربّما يظهر من المحكيّ من عبارة الشيخ عن الاستبصار و العدّة خلاف ذلك، حيث إنّه في الأوّل بعد ما ذكر حكم الخبر الخالي عن المعارض قال: «و إن كان هناك ما يعارضه فينبغي أن ننظر في المتعارضين فيعمل على أعدل الرواة في الطريق، و إن كانا سواء في العدالة عمل على أكثر الرواة عددا، و إن كانا متساويين في العدالة و العدد و كانا عاريين عن القرائن الّتي ذكرناها ينظر فإن كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالآخر على بعض الوجوه و ضرب من التأويل كان العمل به أولى من العمل بالآخر الّذي يحتاج مع العمل به إلى طرح الخبر الآخر، لأنّه يكون العامل به عاملا بالخبرين معا، و إن كان الخبران يمكن العمل بكلّ منهما و حمل الآخر على بعض الوجوه من التأويل و كان لأحد التأويلين خبر يعضده أو يشهد به على بعض الوجوه صريحا أو تلويحا لفظا أو منطوقا أو دليلا للخطاب و كان الآخر عاريا عن ذلك كان العمل به أولى من العمل بما لا يشهد له شيء من الأخبار، و إذا لم يشهد لأحد التأويلين شاهد آخر و كانا متحاذيين كان مخيّرا
..........
في العمل بأيّهما» انتهى[1].
و في الثاني قال: «و أمّا الأخبار إذا تعارضت و تقابلت فإنّه يحتاج في العمل ببعضها إلى ترجيح، و الترجيح يكون بأشياء:
منها: أن يكون أحد الخبرين موافقا للكتاب أو السنّة المقطوع بها و الآخر مخالفا، فإنّه يجب العمل بما وافقهما و ترك ما يخالفهما، و كذلك إن وافق أحدهما إجماع الفرقة المحقّة و الآخر يخالفه وجب العمل بما يوافقه و ترك ما يخالفه، فإن لم يكن مع أحد الخبرين شيء من ذلك و كانت فتيا الطائفة مختلفة نظر في حال رواتهما، فإن كان رواته عدلا وجب العمل به و ترك غير العدل، و سنبيّن القول في العدالة المرعيّة في هذا الباب، فإن كان رواتهما جميعا عدلين نظر في أكثرهما رواتا و عمل به و ترك العمل بقليل الرواة، فإن كان رواتهما متساويين في العدد و العدالة عمل بأبعدهما من قول العامّة و ترك العمل بما يوافقهم، و إن كان الخبران موافقين للعامّة أو مخالفين لهم نظر في حالهما، فإن كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالآخر على وجه من الوجوه و ضرب من التأويل و إذا عمل بالخبر الآخر لا يمكن العمل بهذا الخبر وجب العمل بالخبر الّذي يمكن مع العمل به العمل بالخبر الآخر، لأنّ الخبرين جميعا منقولان مجمع على نقلهما و ليس هنا قرينة يدلّ على صحّة أحدهما و لا ما يرجّح أحدهما على الآخر، فينبغي أن يعمل بهما إذا أمكن، و لا يعمل بالخبر الّذي إذا عمل به وجب اطراح العمل بالآخر، و إن لم يمكن العمل بهما جميعا لتضادّهما و تنافيهما أو أمكن حمل كلّ واحد منهما على ما يوافق الآخر على وجه كان الإنسان مخيّرا في العمل بأيّهما شاء» انتهى[2].
و ظاهره(رحمه اللّه)في العبارتين أنّ الترجيح يلاحظ بين النصّ و الظاهر فضلا عن الأظهر و الظاهر، فظاهر كلامه يشمل العامّ و الخاصّ مع أنّ وجوب الأخذ بالخاصّ و إرجاع العامّ إليه إجماعيّ، حتّى أنّه نقل عنه في موضع من العدّة ما يناقض ما ذكره هنا، حيث صرّح في باب بناء العامّ على الخاصّ بأنّ الرجوع إلى الترجيح و التخيير إنّما هو في تعارضين العامّين دون العامّ و الخاصّ، بل لم يجعلهما من المتعارضين أصلا.
و استدلّ على العمل بالخاصّ بما حاصله: أنّ العمل بالخاصّ ليس طرحا للعامّ بل
[1]الاستبصار 1: 4.
[2]عدّة الاصول 1: 147.
..........
حمل له على ما يمكن أن يريده الحكيم، و إنّ العمل بالترجيح و التخيير فرع التعارض الّذي لا يجري فيه الجمع.
و عزى ما في العدّة أيضا إلى ظاهر كلام بعض المحدّثين حيث أنكر حمل الخبر الظاهر في الوجوب أو التحريم على الاستحباب و الكراهة لمعارضة خبر الرخصة، بزعم أنّه طريق جمع لا إشارة إليه في أخبار الباب.
و ربّما نسب نحوه إلى بعض الأعلام حيث إنّه في باب بناء العامّ على الخاصّ بعد ما حكم بوجوب البناء قال: «و قد يستشكل بأنّ الأخبار قد وردت في تقديم ما هو مخالف للعامّة أو موافق للكتاب، و فيه: أنّ البحث منعقد لملاحظة العامّ و الخاصّ من حيث العموم و الخصوص لا بالنظر إلى المرجّحات الخارجيّة، إذ قد يصير التجوّز في الخاصّ أولى من التخصيص في العامّ من جهة مرجّح خارجي و هو خارج عن المتنازع» انتهى.
و في النسبة نظر، لجواز أن يكون مراده من المرجّحات الخارجيّة الموجبة للتجوّز في الخاصّ ما يرجع إلى الدلالة لا ما يرجع إلى الصدور أو جهة الصدور أو المضمون، و مرجعه إلى القرينة الموجبة للتجوّز في الخاصّ، و إن كان يأباه ما ذكره في تقرير الإشكال، لأنّ المخالفة و الموافقة يوجب الطرح لا التجوّز كما هو واضح.
و كيف كان فما يظهر من الشيخ و من وافقه ضعيف. لأنّه خلاف المشهور و ما عليه الجمهور، و خلاف الإجماع المنقول على نحو هذا الجمع، و خلاف مقتضى الروايتين المتقدّمتين، و خلاف مقتضى أخبار التراجيح، و خلاف طريقة العرف و أهل اللسان حيث إنّهم يجعلون نصوصيّة النصّ و أظهريّة الأظهر قرينة على إرادة خلاف الظاهر من الظاهر من تخصيص أو تقييد أو تجوّز آخر.
فإن قلت: إنّ هذا إنّما يسلّم في النصّ أو الأظهر و الظاهر المقطوعي الصدور إذا ورد في كلام متكلّم واحد، و محلّ البحث في المتعارضين ما لم يقطع بصدورها.
قلت: أدلّة حجّية خبر العدل صيّرتهما كمقطوعي الصدور، لأنّ مقتضاها وجوب الحكم بصدورهما معا، و وجوب تصديق مخبريهما تصديقا خبريّا، على معنى الحكم بصدق خبريهما و الأخذ بمدلول كلّ منهما على أنّه حكم اللّه الواقعي، و حينئذ فصدور النصّ أو الأظهر قرينة على التجوّز في الظاهر و إرادة خلاف ظاهره كما في مقطوعي الصدور.
لا يقال: هذا طرح لأصالة الحقيقة في جانب الظاهر و هو خروج عن مقتضى أدلّة
..........
حجّية أصالة الحقيقة، كما أنّ طرح النصّ خروج عن مقتضى أدلّة حجّية السند، فالأمر دائر بين طرح سند و طرح دلالة و مرجعه إلى طرح أصالة الحقيقة، و الثاني ليس بأولى من الأوّل، فلا بدّ لترجيح الثاني على الأوّل من مرجّح و ليس إلّا مرجّح الصدور أو مرجّح جهة الصدور مثلا.
لمنع التعارض الّذي اشير إليه بدعوى الدوران، فإنّ أصالة الحقيقة أصل تعليقي معلّق جريانه على فقد القرينة على خلاف الحقيقة.
و قد عرفت أنّ صدور النصّ أو الأظهر قرينة على التجوّز في الظاهر، فأدلّة حجّية السند حاكمة على أدلّة حجّية أصالة الحقيقة.
و قضيّة ذلك تعيّن طرح دلالة الظاهر، لعدم جريان أصالة الحقيقة بل لا دلالة مع عدم جريانها فلا طرح، بخلاف ما لو قدّم شيء من المرجّحات الاخر على مرجّح الدلالة فيلزم بذلك من الطرح ما ينافي أدلّة حجّية السند، فليتدبّر.
فمرجع الكلام في هذا المقام إلى أنّ قاعدة وجوب الترجيح و الرجوع إلى المرجّحات على تقدير وجودها لا يجري فيما أمكن الجمع بين المتعارضين بالتأويل و التصرّف في أحدهما المعيّن و إخراجه إلى ما لا ينافيه صاحبه الّذي هو بنفس وجوده شاهد به و قرينة عليه كالنصّ و الظاهر الّذي منه الخاصّ و العامّ و الأظهر و الظاهر مطلقا، بل يجب فيه الجمع على الوجه المذكور، لأنّ حفظ السند فيه مقدّم على حفظ الدلالة، لقيام قرينة داخليّة على إخراج أحدهما المعيّن و هو الظاهر إلى خلاف ظاهره، فيجري فيه أدلّة الصدور في جانب النصّ أو الأظهر و لا معارض لها في جانب أدلّة أصالة الحقيقة في جانب الظاهر، لأنّها في حدّ أنفسها مقيّدة بعدم القرينة على خلاف الحقيقة، و النصّ أو الأظهر بنفس صدوره قرينة.
و كما لا يجري في هذا القسم قاعدة الترجيح على تقدير وجود المرجّحات الراجعة إلى الصدور أو جهة الصدور أو المضمون، فكذلك لا تجري فيه قاعدة التخيير المعلّقة على فقد المرجّحات و التساوي من جهتها، لاختصاصها كقاعدة الترجيح بما لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه يقبله العرف، فإنّه أولى من الطرح جزما.
و بالجملة فلا إشكال و لا ينبغي التأمّل في عدم جريان القاعدتين في هذا القسم، كما أنّه لا إشكال و لا ينبغي التأمّل في جريانهما فيما لو كان طريق الجمع بين المتعارضين بالتأويل و التصرّف فيهما معا و صرف كلّ منهما عن ظاهره إلى خلافه بتخصيص و نحوه
..........
بحيث يحتاج إلى شاهدين و قرينتين مستقلّتين مفقودتين، كالمتبائنين اللذين منه ما ورد في خبر من قوله(عليه السلام): «ثمن العذرة سحت» و ما ورد في آخر من قوله(عليه السلام): «لا بأس ببيع العذرة»، لصدق التعارض عرفا و شمول أخبار الترجيح و التخيير، لوضوح أنّه يشملهما قول الراوي: «يرد عنكم خبران مختلفان» مع عدم إمكان الجمع بينهما بوجه عرفي و إن احتمل عقلا، و لا معارض لها من جانب أدلّة الصدور لفرض كونها مقيّدة بالإمكان المنتفي هاهنا.
نعم ربّما يشكل الحال فيما لو كان طريق الجمع بالتأويل و التصرّف في أحدهما لا بعينه و إخراجه إلى ما يوافق صاحبه المحتاج تعيينه إلى شاهد خارجي يصلح قرينة عليه مع فرض انتفائه كما في العامّين من وجه، كقوله: «اغسل ثوبك عن أبوال ما لا يؤكل لحمه» مع قوله(عليه السلام): «لا بأس بخرء الطير» بل مطلق الظاهرين كقوله: «اغتسل للجمعة» مع قوله:
«ينبغي غسل الجمعة» بناء على تساوي ظهور الأوّل باعتبار الصيغة في الوجوب لظهور الثاني باعتبار المادّة في الاستحباب من دون مزيّة لأحدهما على الآخر كما يظهر من بعض الأصحاب، فإنّ إجراء قاعدة الترجيح أو التخيير فيه المستلزم لطرح أحدهما لا يخلو عن إشكال: من عموم الأخبار الآمرة بالترجيح مع وجود المرجّحات و التخيير مع فقدها، لوضوح أنّه يصدق التعارض بينهما عرفا و يندرجان في خبرين مختلفين بالقياس إلى مادّة الاجتماع فيشملهما قول الراوي «يرد عنكم خبران مختلفان».
و من عموم أدلّة السند لهما معا القاضي بوجوب الحكم بصدورهما و التعبّد و الأخذ بهما فلا داعي إلى العدول و الخروج عنها.
غاية الأمر وجوب التوقّف في مدلوليهما بالقياس إلى محلّ التعارض لمكان الإجمال الناشئ من معارضة أصالة الحقيقة في أحدهما لمثلها في الآخر للعلم الإجمالي بعد الأخذ بالسندين بإرادة خلاف ظاهر أحدهما من غير تعيين، فلا محيص من طرح ظاهر أحدهما لا بعينه و أصالة الحقيقة فيه.
و لا يبعد منع جريان الترجيح و التخيير هنا و القول بوجوب الأخذ بالسندين نظرا إلى وجود المقتضي و فقد المانع، فإنّ المقتضي على ما عرفت عموم ما دلّ على حجّية خبر الواحد المتناول لكلّ من الظاهرين المتعارضين، فإنّه يقتضي وجوب تصديق المخبرين و الحكم بصدور الخبرين، و لا مانع منه في جانب الأخبار الآمرة بالترجيح و التخيير و لا في جانب أدلّة حجّيّة الظواهر و أصالة الحقيقة.
..........
أمّا الأوّل: فلأنّ إشكال التعارض ينشأ من شبهة الدلالة فلا يرجع فيها إلى المرجّحات الواردة في أخبار الترجيح الراجعة تارة إلى الصدور و اخرى إلى جهته و ثالثة إلى المضمون.
و توضيحه: أنّ التعارض ممّا يوجب التحيّر في العمل بالمتعارضين، و هو قد يحصل بالنسبة إلى الصدور أو جهته مثلا، فلا يدرى أنّ أيّا من الخبرين صدر أو أيّا منهما لم يصدر، أو أنّ أيّا منهما صدر على وجه بيان الواقع و أيّا منهما صدر على وجه التقيّة، و قد يحصل بالنسبة إلى الدلالة بعد إحراز السند بعنوان القطع أو الظنّ أو التعبّد فلا يدرى أنّ أيّا منهما اريد ظاهره و أيّا منهما اريد خلاف ظاهره، فإن كان الخبر من قبيل القسم الأوّل لا بدّ فيه من الرجوع إلى قواعد الترجيح و إعمال المرجّحات الواردة في الأخبار المستلزم لطرح أحد السندين، و مع فقدها فالتخيير المستلزم للطرح أيضا، و لذا ورد في سؤالات هذه الأخبار قوله: «بأيّهما آخذ؟»- أو «بأيّهما نأخذ؟» نظرا إلى أنّ كلمة «أيّ» سؤال عن التعيين، فتكون قاضية بأنّ تعيّن طرح أحد السندين كان مفروغا عنه عند السائل و سؤاله إنّما كان عن تعيينه، و صدر الجواب عن الأئمّة عليهم [السلام] على حسب ما زعموه بذكر المرجّحات الّتي وجودها و فقدها معيار الأخذ و الطرح بقولهم: «خذ بكذا، و اترك كذا، و تخيّر إذن».
و إن كان من قبيل القسم الثاني فلا بدّ من الرجوع إلى القرائن الخارجيّة المعتبرة في إحراز الدلالة و تشخيص المراد، و على تقدير عدم وجودها لا مناص من الوقف اجتهادا و الأخذ بالاصول على حسب ما يناسب المقام عملا.
و الظاهر أنّه في تعارض العامّين من وجه بل و مطلق الظاهرين من قبيل القسم الثاني كما في مقطوعي الصدور، إذ الكلام بعد تنزيلهما منزلة مقطوعي الصدور و فرض صدورهما- أخذا بموجب أدلّة حجّية السند- فالتحيّر حينئذ من جهة الدلالة، للعلم الإجمالي بإرادة خلاف ظاهر أحدهما و هو غير معيّن، فلا منافاة في أدلّة الترجيح و التخيير للأخذ بالسندين هنا حتّى تكون مانعة عن الأخذ، مع أنّ السند الّذي يطرح على ما هو اللازم من الترجيح أو التخيير إن اعتبر بالقياس إلى تمام مدلول أحد العامّين فهو ممّا لا داعي إليه، لإمكان العمل بهما معا في مادّتي افتراقهما، و إن اعتبره بالقياس إلى بعض مدلوله و هو مورد الاجتماع فهو غير معقول لأنّ السند لا يتبعّض، و الأصل فيه أنّ العامّ الصادر عن المتكلّم إنّما يصدر صدورا واحدا يتساوى نسبته إلى جميع الأفراد، فلا يعقل الأخذ به بالنسبة إلى بعض الأفراد و طرحه بالنسبة إلى البعض الآخر.
..........
نعم إنّما يتبعّض الدلالة بحسب إرادة المتكلّم بإرادة بعض الأفراد دون بعض، و هذا هو الّذي يوجب الإجمال عند فقد القرينة على التعيين، غير أنّه من لوازم الأخذ بالسندين لا من آثار طرح أحدهما بالقياس إلى بعض مدلول العامّ.
و بالجملة التفكيك بين أفراد العامّ في الصدور و بالنسبة إلى السند بأن يؤخذ به بالنسبة إلى مورد الافتراق و يطرح بالنسبة إلى مورد الاجتماع غير معقول، هذا على القول بكون العمل بالأخبار من باب الطريقيّة و ظنّ الصدق و رجحان الصدور.
و أمّا على القول به من باب التعبّد الصرف فقد يظنّ جواز التفكيك و إمكان التبعيض، لجواز أن يتعبّدنا اللّه سبحانه بأخذ السند في بعض المدلول دونه في البعض الآخر، غير أنّه سهو لأنّ التعبّد بالخبر عبارة عن التعبّد بمدلوله من دون نظر فيه إلى الواقع و لا إلى أنّه صدر أو لا؟ فالتفكيك هنا في الحقيقة راجع إلى المدلول و لا كلام فيه لا إلى السند و الصدور.
و أمّا الثاني: فلأنّ الأخذ بالسندين لا يستتبع خروجا عن مقتضى أدلّة حجّية الظاهر، بأن يلزم معه طرح ظاهر لا يلزم طرحه على تقدير طرح أحد السندين، إذ على التقديرين لا بدّ من الأخذ بظاهر واحد، و هو ظاهر أحد المتعارضين معيّنا على تقدير طرح أحد السندين، أو مردّدا فيه بين هذا و ذاك على تقدير الأخذ بالسندين، فلم يتفاوت الحال بينهما بالقياس إلى أدلّة حجّية الظاهر لتكون تلك الأدلّة مانعة عن الأخذ بالسندين.
فإن قلت: إنّ المقتضي للأخذ بهما معا غير موجود لما تقدّم الإشارة إليه في مسألة تعارض الصدور مع جهة الصدور من الإيراد على من قدّم مرجّح جهة الصدور على مرجّح الصدور استنادا إلى أدلّة التعبّد بالسند و الحكم بالصدور، من أنّ هذا تعبّد بالسند لأجل إبطال العمل بالرواية بسبب حملها على التقيّة و هذا غير مفيد و لم يظهر من أدلّة السند شمولها لنحو هذا التعبّد به بل هو في معنى الطرح له، لأنّ أدلّة التعبّد به إنّما أوجبته ليظهر فائدته في العمل بالدلالة و الأخذ بالمدلول، بل لا معنى لوجوب تصديق الراوي العدل في روايته إلّا وجوب الأخذ بمضمون خبره و مدلول روايته، و هذا بعينه يرد عليك هنا لأنّك تعبّدت بالسندين لأجل إبطال العمل بالدلالة و إهمال المدلول فيهما معا، فلم يظهر من أدلّة السند شمولها لمثل ذلك، لوضوح أنّ الأخذ بالسندين إن كان للعمل بهما في غير محلّ التعارض- كمادّتي افتراقهما إن كانا عامّين من وجه، و القدر المشترك بين مضمونيهما و هو مطلق الرجحان إن كانا نظير «اغتسل» و «ينبغي»- فهو ليس من المتنازع فيه، لأنّ القائل