بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 686

..........

لا نفس الكتاب، و إطلاقه على نفس الكتاب مسامحة باعتبار أنّ الموافقة له نسبة بينه و بين الخبر فيصحّ إطلاق المرجّح عليه توسّعا من باب المجاز، فلا يشكل الحال في هذا الإطلاق حينئذ من جهة أنّ المرجّح يعتبر فيه عدم بلوغه حدّ الحجّية و الكتاب حجّة مستقلّة.

و أمّا الإشكال من جهة عدم جريان ضابط الترجيح المضموني هنا لأنّ كون مضمون الخبر الموافق صدقا ليس بأولى من كون مضمون الخبر المخالف صدقا، و مجرّد موافقة الأوّل و مخالفة الثاني للكتاب لا يقضي بصدق الأوّل و كذب الثاني بعد ملاحظة جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، و مرجعه إلى منع دلالة الموافقة عليه بحيث أوجب ظنّ الصدور و الوثوق به لعدم الملازمة، إلّا أن يجعل مبنى الترجيح به على التعبّد الصرف و هو بعيد.

فيمكن الذبّ عنه: بأنّ معنى موافقة الكتاب عند التحقيق موافقة ظاهره الّذي يحرز بأصالة الحقيقة، و هي لكونها معتبرة من باب الظنّ النوعي توجب رجحان صدق مضمون الخبر الموافق، فيكشف ظنّا عن خلل في الخبر المخالف إمّا في صدوره أو دلالته أو جهة صدوره، و لا حاكم عليها في جانب أدلّة حجّية سند الخبر المخالف لاشتغاله بمعارضة مثله الّذي لا يمكن الجمع بينه و بينه في العمل فلا بدّ من أخذ و طرح، و تعيينه موكول إلى موافقة الكتاب الّذي مرجعها إلى أصالة الحقيقة السليمة عمّا يوجب الخروج عنها.

المرحلة الثانية: في الترجيح بموافقة الأصل، و المراد به البراءة الأصليّة لا مطلق الاصول العمليّة حتّى الاستصحاب و الاشتغال، و لا القواعد الشرعيّة كأصالة الطهارة و أصالة الصحّة، و لا ما يعمّ الجميع بدليل التعبير عنه في الكتب الاصوليّة بحكم العقل و عن الخبرين بالمقرّر و الناقل.

و اختلفوا هنا في تقديم الناقل و هو الخبر المخالف للأصل على المقرّر و هو الخبر الموافق للأصل أو العكس على قولين، فعن أكثر الاصوليّين و منهم العلّامة تقديم الناقل، و عن بعضهم و الشيخ تقديم المقرّر.

و المنقول من حجّة الأوّلين: أولويّة التأسيس من التأكيد، فإنّ الناقل يستفاد منه ما لا يستفاد إلّا منه فيكون تأسيسا، و المقرّر لا يفيد إلّا ما أفاده الأصل فيكون تأكيدا.

و أيضا العمل بالناقل يقتضي تقليل النسخ لأنّه يزيل حكم العقل فقط، بخلاف المقرّر فإنّه يوجب تكثير النسخ لأنّه يزيل حكم الناقل بعد ما أزال الناقل حكم العقل فيتعدّد النسخ، و الأوّل أولى.


صفحه 687

..........

و مستند الآخرين: أنّ فائدة التأسيس أقوى من فائدة التأكيد، و حمل كلام الشارع على ما هو أكثر فائدة أولى، و هذا يحصل بترجيح المقرّر، لأنّ ترجيح الناقل يستدعي تقديم المقرّر في الصدور فيكون تأكيدا و هو إخراج لكلامه عن الفائدة أو حمل له على أقلّ فائدة، و ترجيح المقرّر يقتضي تقديم الناقل عليه في الصدور فيكون فائدته رفع حكم العقل و إذا تأخّر عنه المقرّر يكون فائدته رفع حكمه، فأفاد كلّ منهما فائدة فتكثّرت الفائدة فكان أولى.

و في الجميع ما لا يخفى من الضعف، فإنّ المفروض أنّ الخبرين من جهة الحجّية و شمول أدلّتها لهما متساويان و لا مزيّة لأحدهما على الآخر أصلا، فجعل الناقل ناسخا ليس بأولى من العكس، مع أنّ جعل رفع حكم العقل من النسخ المأخوذ فيه رفع الحكم الشرعي كما ترى، كما أنّ أولويّة التأسيس من التأكيد- بعد تسليمها- لا تصلح دليلا على تعيين المرجع سندا، فإنّها قاعدة لو سلّمناها كانت جارية في كلام متكلّم اشتبه مقصوده و دار بين كونه تأسيسا أو تأكيدا، فيقال حينئذ: إنّ التأسيس أولى، إذ الظاهر في كلّ كلام بملاحظة الغلبة نوعا أو صنفا الإفادة دون الإعادة، فهذا من مرجّحات الدلالة و لا مجرى له فيما نحن فيه.

و بالجملة الاستناد إلى أمثال هذه الاعتبارات في نظائر المقام في غاية الإشكال بل لا وجه له، فالأولى الرجوع إلى سائر القواعد الكلّية العامّة، و ينبغي أوّلا النظر في أنّ حمل أحد الخبرين على كونه ناسخا و الآخر منسوخا هل هو جائز أو لا؟ و على الأوّل فهل يصلح طريقا للجمع بينهما أو لا؟

فنقول: إن كان الخبران عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)جاز كون أحدهما ناسخا و الآخر منسوخا، فإن علم تاريخهما من حيث التقدّم و التأخّر كان المتأخّر ناسخا و المتقدّم منسوخا، فيؤخذ بالمتأخّر سواء كان موافقا للأصل أو مخالفا له.

و بعبارة اخرى: يقدّم المتأخّر ناقلا كان أو مقرّرا.

و إن جهل التاريخ جرى احتمال الناسخيّة و المنسوخيّة في كلّ منهما على نهج سواء، فيكونان كالعامّين من وجه إذا احتمل في كلّ منهما كونه مخصّصا للآخر، فلا بدّ من التوقّف و الرجوع إلى الأصل، و مجرّد موافقة الأصل و مخالفته لا تصلح معيّنة، فيكون الأصل حينئذ مرجعا.

و إن كان عن الأئمّة(عليهم السلام)فإن جوّزنا النسخ في أخبارهم جرى فيه التفصيل المتقدّم،


صفحه 688

..........

و إلّا فإن اعتبرنا الأصل من باب الظنّ النوعي و من حيث كشفه الظنّي عن الحكم الواقعي تعيّن العمل به و بالخبر الموافق معا، لكونهما معا بمنزلة دليل واحد يترجّح على معارضه لاعتضاد بعضه ببعض، فيكون الأصل حينئذ معاضدا و ليس بمرجّح لكونه حجّة مستقلّة، و ليس كالكتاب ليكون موافقته مرجّحة لما عرفت من رجوع موافقة الكتاب إلى موافقة أصالة الحقيقة الجارية فيه فهي الموجبة لظنّ صدق مضمون الخبر الموافق، و المقام ليس من هذا الباب كما هو واضح.

و إن اعتبرناه من باب الحكم الظاهري القطعي المجعول لما لم يعلم حكمه الواقعي بالخصوص كان مرجعا، لأنّ الخبرين باعتبار ورودهما لبيان الواقع مع تكافؤهما يتساقطان فلا يبقى لمقام العمل إلّا الرجوع إلى الأصل.

و السرّ فيه: أنّ وضع الأصل بحسب الشرع للرجوع إليه عند عدم العلم بحكم الواقعة بالخصوص من وجوب أو حرمة، و تعارض الخبرين مع التكافؤ يوجب اشتباه الحكم، ضرورة أنّ الخبر المخالف للأصل باشتغاله بمعارضة مثله لا يفيد العلم بالوجوب أو الحرمة، كما أنّ الخبر الموافق له لا يوجب العلم بالإباحة باشتغاله بمعارضة مثله، فصارت الواقعة ممّا لم يعلم وجوبها أو حرمتها بالخصوص، و هذا موضوع الأصل المقرّر في الشريعة.

و بالجملة الخبران المتعارضان لا يجديان إلّا تحقّق موضوع الأصل فوجب الرجوع إليه، و لا نعني من مرجعيّة الأصل إلّا هذا، و مؤدّاه الحكم الظاهري و هو يغاير مؤدّى الخبر الموافق الّذي هو حكم واقعي، فإنّ الفرق بين الحكم الظاهري و الواقعي مع اتّحادهما في المحمول بالنظر إلى ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ من حيث كونه الإباحة فيها معا إنّما يظهر في الموضوع لتغاير موضوعيهما، باعتبار أنّ موضوع الحكم الظاهري إنّما هو الواقعة من حيث إنّها لم يعلم حكمها بالخصوص و موضوع الحكم الواقعي هي الواقعة بعنوانها الخاصّ الملحوظ بما هو هو.

و من هنا ظهر عدم إمكان كون الأصل حينئذ معاضدا، لأنّ المعاضدة إنّما تحصل بين شيئين إذا اتّحد موضوعاهما، و قد عرفت أنّ الأصل و الخبر الموافق متغايران في الموضوع، كيف و لو صلح الأصل معاضدا لموافقة تصلح معارضا لمخالفه. و لقد تبيّن فساده في صدر الباب، حيث ذكرنا أنّ الأصل لا يعارض الدليل من جهة تعدّد موضوعيهما، و كما أنّه بالنسبة إلى المخالف مغاير بحسب الموضوع فكذلك بالنسبة إلى الموافق مغاير و معه لا يعقل


صفحه 689

..........

كونه معاضدا كما لا يعقل كونه معارضا، و قضيّة ذلك كونه مرجعا لأنّ هذا وضعه عند الجهل المتحقّق في المقام بملاحظة تعارض الخبرين.

فإن قلت: كيف يرجع إلى الأصل مع أنّه يوجب طرح العلم الإجمالي، فإنّا نعلم إجمالا بورود حكم للواقعة بالخصوص و هو دائر بين مضموني الخبرين.

قلت: قد تقرّر في محلّه أنّ العلم الإجمالي فيما بين ما يوافق الأصل و ما يخالفه من الحكمين بل فيما بين الحكمين المخالفين له لا يمنع العمل به لتحقّق موضوعه و هو الجهل و عدم العلم بحكم الواقعة بالخصوص و إن نشأ من تعارض الخبرين، و لذا جعل مجرى الأصل- حسبما تحقّق في محلّه- أعمّ ممّا نشأ الاشتباه من فقد النصّ أو إجمال النصّ أو تعارض النصّين.

و بالجملة العلم الإجمالي بورود حكم للواقعة بالخصوص مردّد [ا] بين الإباحة و الوجوب أو الحرمة لا ينافي الرجوع إلى الأصل بل يحقّق موضوعه هذا.

و لكن لمّا كان الرجوع إلى الأصل فرعا على تساقط المتعارضين فهو ممّا ينافيه إطلاق الأخبار الدالّة على التخيير في عنوان «التعادل» الّذي هو تكافؤ الخبرين من جميع الجهات، فإذا دار الأمر بين طرحهما بناء على التساقط أو الأخذ بأحدهما تخييرا تعيّن الثاني عملا بإطلاق هذه الأخبار، فتكون هذه الأخبار واردة على أدلّة الأصل، و بعد البناء على التخيير لا يتفاوت الحال فيه بين الأخذ بما وافق الأصل و الأخذ بما خالفه.

فتقرّر من جميع ما بيّنّاه أنّ الأصل في عنوان هذه المسألة لا يصلح مرجّحا و لا معاضدا و لا مرجعا.

و قد يجعل من هذا الباب قاعدة أولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة فيما تعارض خبران دلّ أحدهما على الحرمة و الآخر على الوجوب، فيقال بتقديم دليل الحرمة على دليل الوجوب، لأنّ في العمل به دفعا للمفسدة و هو أولى من جلب المنفعة.

و الكلام هنا تارة: في ثبوت هذه القاعدة بنفسها و كونها بحيث يصلح للاعتماد عليها و لو في غير مقام ترجيح أحد المتعارضين، كما في مسألة دوران شيء بين كونه واجبا أو حراما، على معنى كونها من أدلّة الشرع الموصلة إلى الحكم الظاهري أو لا؟

و اخرى: في أنّها هل تصلح مرجّحة لأحد المتعارضين أو لا؟


صفحه 690

..........

أمّا الجهة الاولى فالكلام فيها على حسبما تقدّم في بحث أصل البراءة حيث زيّفنا أصل هذه القاعدة.

و أمّا الجهة الثانية فتحقيق القول فيها كما تقدّم في موافقة الأصل، فهذه القاعدة بعد تسليمها لا تصلح مرجّحة و لا معاضدة و لا مرجعا.

أمّا الأوّل: فلاستقلالها بالحجّية مع كون مؤدّاها الحكم الظاهري.

و أمّا الثاني: فلتغاير موضوعي الحكم الظاهري و الحكم الواقعي.

و أمّا الثالث: فلإطلاق أخبار التخيير فيما تكافأ المتعارضان من جميع الوجوه.

الموضع الثاني في المرجّحات الخارجيّة التي لم تكن بنفسها حجّة

و هي امور عمدتها الأمارات، و هي كلّ أمارة مستقلّة غير معتبرة وافقت مضمون أحد الخبرين، و معنى عدم اعتبارها عدم قيام دليل على اعتبارها بالخصوص لا لوجود الدليل على عدم اعتبارها كالشهرة و الاستقراء و نحوهما، و لا إشكال بل قيل لا خلاف بين العلماء قديما و حديثا في الترجيح بها و تقديم ما يوافقها.

و الدليل عليه: أنّها توجب كون ما يوافقها أقوى من معارضه و أقرب إلى الواقع، لوضوح أنّ الأمارة لا تصير أمارة إلّا إذا أفادت الظنّ الفعلي بالحكم الواقعي، فتوجب الظنّ بصدق مضمون الخبر الموافق لها إمّا بصدور ذلك الخبر أو بصدور مرادفه على جهة بيان الواقع، فلازمه الظنّ بوجود خلل في إحدى جهات الخبر المخالف، فيكون الخبر الموافق راجحا و المخالف مرجوحا، فيدخلان في الكلّية المستفادة من الأخبار الواردة و الإشارات و الإشعارات الموجودة فيها و لا سيّما المقبولة من الترجيح بكلّ ما يوجب أقربيّة أحد المتعارضين إلى الواقع، بل يندرج في عموم التعليل المصرّح فيه بنفي الريب لعدم جريان الاحتمال الموجود في المرجوح في الراجح أو لبعد ذلك الاحتمال فيه.

و يمكن الاستدلال أيضا بالإجماع الّذي ادّعاه جماعة على وجوب العمل بأقوى الدليلين، بناء على كون المراد بالأقوى هنا أعمّ من كونه أقوى في نفسه أو باعتبار موافقة مضمونه لأمارة خارجيّة، بتقريب: أنّ الأمارة توجب ظنّ خلل موجود في المرجوح مفقود في الراجح فتكون أقوى الدليلين.

و إنّما قيّدنا الأمارة الغير المعتبر بما لا يقم دليل على اعتباره احترازا عن القياس و نحوه


صفحه 691

..........

ممّا قام الدليل على منع العمل به، لأنّ المعروف من مذهب الأصحاب المنسوب إلى ظاهر المعظم عدم جواز الترجيح به، و لكن عن المحقّق في المعارج حكاية قول بالترجيح به أيضا حيث قال: «ذهب ذاهب إلى أنّ الخبرين إذا تعارضا و كان القياس موافقا لما تضمّنه أحدهما كان ذلك وجها يقتضي ترجيح ذلك الخبر.

و يمكن أن يحتجّ لذلك: بأنّ الحقّ في أحد الخبرين فلا يمكن العمل بهما و لا طرحهما فتعيّن العمل بأحدهما، و إذا كان التقدير تقدير التعارض فلا بدّ في العمل بأحدهما من مرجّح و القياس يصلح أن يكون مرجّحا لحصول الظنّ به، فتعيّن العمل بما طابقه.

لا يقال: أجمعنا على أنّ القياس مطروح في الشريعة.

لأنّا نقول: بمعنى أنّه ليس بدليل لا بمعنى أنّه لا يكون مرجّحا لأحد الخبرين، و هذا لأنّ فائدة كونه مرجّحا كونه رافعا للعمل بالخبر المرجوح فيعود الراجح كالخبر السليم عن المعارض فيكون العمل به لا بذلك القياس، و فيه نظر» انتهى.

و في كلام شيخنا الاستاذ(قدّس سرّه): «و مال إلى ذلك بعض سادة مشايخنا المعاصرين».

أقول: و يرد عليه: أنّ رفع العمل بالخبر المرجوح معناه طرحه، و معنى كون القياس رافعا له أنّه يوجب الظنّ الإجمالي بوجود خلل في إحدى جهاته الّذي عليه يعوّل في طرحه.

و لا ريب أنّ التعويل على هذا الظنّ عمل بالقياس فيندرج في عموم المنع من العمل بالقياس، مع أنّ المنساق من الأخبار الواردة في منع العمل بالقياس كون إعماله و الاعتناء به في الشريعة مبغوضا للشارع سواء قصد به تأسيس حكم شرعي أو ترجيح دليله، و لذا استقرّت طريقة الأصحاب و استمرّت سيرتهم في هجره و تركه و عدم استعماله مطلقا حتّى في مقام ترجيح الدليل.

قيل: و لو لا ذلك لوجب تدوين شروط القياس في الاصول ليرجّح به في الفروع.

فإن قلت: يرد عليك مثله في الترجيح بالشهرة و غيرها من الأمارات الغير المعتبرة، لأنّ مرجع الترجيح بها إلى التعويل على الظنّ الحاصل منها في طرح الخبر المرجوح و هذا عمل بالظنّ الّذي لم يعتبره الشارع بالخصوص.

قلت: يكفي في جواز التعويل على هذا الظنّ أخبار التراجيح، بناء على ما استفيد منها من عموم الترجيح بكلّ ما أوجب رجحان أحد المتعارضين على صاحبه و كونه أقوى منه و أقرب إلى الواقع، و هذا العموم و إن كان يجري في القياس و نحوه ممّا منع عنه الشرع


صفحه 692

..........

بالخصوص إلّا أنّه خرجنا عنه بعموم أدلّة المنع من العمل به ترجيحا له على العموم المذكور لجهات عديدة و إن كان بينهما عموم من وجه.

ثمّ إنّه إذا وقع التعارض بين شيء من المرجّحات الخارجيّة كالشهرة و بعض من مرجّحات الدلالة كالنصوصيّة أو الأظهريّة فيما ورد خبران أحدهما نصّ أو أظهر و الآخر ظاهر موافق للشهرة كالعامّ و الخاصّ مثلا إذا كان العامّ موافقا للشهرة فلا ينبغي التأمّل في تقدّم مرجّح الدلالة على المرجّح الخارجي مطلقا، بل قد ذكرنا مرارا أنّ مرجّحات الدلالة لا يعارضها سائر المرجّحات حتّى لو كانت داخليّة راجعة إلى السند أو المضمون فكيف بالمرجّحات الخارجيّة، فيقدّم الخاصّ في المثال المذكور على العامّ و إن كانت الشهرة في جانبه و لا يلتفت إليها و لا تصلح مرجّحة للعامّ، لأنّ معنى كونها مرجّحة له حينئذ أنّها تكشف كشفا ظنّيا عن وجود خلل في إحدى جهات الخاصّ فتوجب قدحا في صدوره فيستحقّ به طرح سنده أو قدحا في دلالته فيستحقّ به للتأويل أو قدحا في جهة صدوره فيستحقّ به الحمل على التقيّة، و الكلّ باطل لأنّ أقصى ما يفيده الشهرة إنّما هو الظنّ بالخلل في إحدى تلك الجهات و هو لكونه من الظنون الغير المعتبرة لعدم قيام دليل على اعتبارها بالخصوص لا يقاوم أدلّة حجّية سند الخاصّ و لا أصالة الحقيقة و لا أصالة عدم التقيّة فيه.

أمّا الأوّل: فلأنّ مقتضى أدلّة حجّية السند وجوب الأخذ بسندي المتعارضين مهما أمكن الجمع بينهما بحسب الدلالة جمعا مقبولا لدى العرف و هو هنا ممكن بإرجاع التأويل إلى العامّ.

و أمّا الثاني و الثالث: فلأنّ كلّا من الأصلين إنّما يعتبر في مجاريه من باب الظنّ النوعي فلا يعدل عنه إلّا بالظنّ الخاصّ المعتبر و المفروض ليس منه، و لا ينتقض ذلك بأصالة الحقيقة في العامّ الّذي يجب طرحها على تقدير تقديم الخاصّ عليه، لأنّ الخاصّ بعد حفظ سنده و فرض صدوره بنصوصيّته قرينة على إرادة خلاف ظاهر العامّ.

و بالجملة كما أنّ الشهرة لا يوجب قدحا في شيء من جهات الخاصّ إذا لم يقابله عامّ فكذلك لا يوجب قدحا في شيء من جهاته إذا قابله العامّ، فلا يوجب قوّة في العامّ و لا ضعفا في الخاصّ حتّى يصير العامّ بسببه أقوى الدليلين و يتعيّن معه طرح الخاصّ، لأنّ ذلك حيث لم يمكن الجمع السندي بين المتعارضين لا فيما أمكن الجمع و كان إشكال التعارض من جهة شبهة الدلالة مع وجود مرجّح الدلالة في جانب أحد المتعارضين من النصوصيّة أو الأظهريّة.


صفحه 693

..........

و أمّا إذا وقع التعارض بين المرجّحات الخارجيّة و غيرها ممّا يرجع إلى الصدور أو جهة الصدور أو المضمون فيما لو تعارض خبران أحدهما موافق للشهرة مع كون الآخر بحيث يكون راويه أعدل أو موافقا للكتاب أو مخالفا للعامّة فالظاهر ترجيح المرجّح الخارجي على غيره و إن كان داخليّا، و يكفي في دليله مرجّحيته في غير صورة التعارض، فإنّه إنّما صار مرجّحا لكون بناء الترجيح و الرجوع إلى المرجّحات في علاج التعارض على الظنون الاجتهاديّة و من باب الأخذ بما هو أقرب إلى الواقع و ما هو راجح في النظر بالقياس إلى نفس الأمر حسبما استفدناه من إجماع العلماء و إشارت الأخبار و إشعاراتها و التعليلات الواقعة فيها، كتعليل الأخذ بالمجمع عليه بكونه ممّا لا ريب فيه، و تعليل الأخذ بما خالف العامّة بكون الرشد أو الحقّ في خلافهم.

و المفروض أنّ الأمارة الّتي هي المرجّح الخارجي لا يعتبر أمارة إلّا حيث أفادت الظنّ الفعلي، و هذا يوجب كون مضمون ما وافقه أقرب إلى الواقع إمّا بصدور ذلك الخبر عن المعصوم، أو بصدور مرادفه فيكشف عن خلل في إحدى جهات الخبر المخالف له و لو كان راويه أعدل، فكان مضمونه أبعد عن الواقع لأنّه يجري فيه من الاحتمال ما لا يجري في مضمون الخبر الموافق.

نعم إن قلنا بالترتيب بين المرجّحات الخارجيّة و المرجّحات الداخليّة- بمعنى أنّه لا يرجع إلى المرجّحات الخارجيّة إلّا مع انسداد باب المرجّحات الداخليّة لكونها من قبيل الظنّ المطلق الّذي لا يرجع إليه إلّا مع انسداد باب الظنّ الخاصّ- فالمتّجه تقديم المرجّحات الداخليّة حينئذ، لأنّها ما دامت موجودة كائنة ما كانت لا يعارضها المرجّحات الخارجيّة، لكون حجّيتها معلّقة على انسداد باب المرجّحات الداخليّة إلّا أنّ المفروض خلافه.

خاتمة في بيان مطلبين

المطلب الأوّل فيما إذا وقع التعارض بين أكثر من دليلين،

فإنّ موضوع الكلام في المباحث المتقدّمة إنّما هو التعارض الواقع بين دليلين لا أزيد، و ليس المراد بالأكثريّة في عنوان هذا المطلب الأكثريّة بحسب الطريق- كما لو وقع التعارض بين خبر و خبرين أو ثلاثة أخبار مثلا على