..........
ممّا قام الدليل على منع العمل به، لأنّ المعروف من مذهب الأصحاب المنسوب إلى ظاهر المعظم عدم جواز الترجيح به، و لكن عن المحقّق في المعارج حكاية قول بالترجيح به أيضا حيث قال: «ذهب ذاهب إلى أنّ الخبرين إذا تعارضا و كان القياس موافقا لما تضمّنه أحدهما كان ذلك وجها يقتضي ترجيح ذلك الخبر.
و يمكن أن يحتجّ لذلك: بأنّ الحقّ في أحد الخبرين فلا يمكن العمل بهما و لا طرحهما فتعيّن العمل بأحدهما، و إذا كان التقدير تقدير التعارض فلا بدّ في العمل بأحدهما من مرجّح و القياس يصلح أن يكون مرجّحا لحصول الظنّ به، فتعيّن العمل بما طابقه.
لا يقال: أجمعنا على أنّ القياس مطروح في الشريعة.
لأنّا نقول: بمعنى أنّه ليس بدليل لا بمعنى أنّه لا يكون مرجّحا لأحد الخبرين، و هذا لأنّ فائدة كونه مرجّحا كونه رافعا للعمل بالخبر المرجوح فيعود الراجح كالخبر السليم عن المعارض فيكون العمل به لا بذلك القياس، و فيه نظر» انتهى.
و في كلام شيخنا الاستاذ(قدّس سرّه): «و مال إلى ذلك بعض سادة مشايخنا المعاصرين».
أقول: و يرد عليه: أنّ رفع العمل بالخبر المرجوح معناه طرحه، و معنى كون القياس رافعا له أنّه يوجب الظنّ الإجمالي بوجود خلل في إحدى جهاته الّذي عليه يعوّل في طرحه.
و لا ريب أنّ التعويل على هذا الظنّ عمل بالقياس فيندرج في عموم المنع من العمل بالقياس، مع أنّ المنساق من الأخبار الواردة في منع العمل بالقياس كون إعماله و الاعتناء به في الشريعة مبغوضا للشارع سواء قصد به تأسيس حكم شرعي أو ترجيح دليله، و لذا استقرّت طريقة الأصحاب و استمرّت سيرتهم في هجره و تركه و عدم استعماله مطلقا حتّى في مقام ترجيح الدليل.
قيل: و لو لا ذلك لوجب تدوين شروط القياس في الاصول ليرجّح به في الفروع.
فإن قلت: يرد عليك مثله في الترجيح بالشهرة و غيرها من الأمارات الغير المعتبرة، لأنّ مرجع الترجيح بها إلى التعويل على الظنّ الحاصل منها في طرح الخبر المرجوح و هذا عمل بالظنّ الّذي لم يعتبره الشارع بالخصوص.
قلت: يكفي في جواز التعويل على هذا الظنّ أخبار التراجيح، بناء على ما استفيد منها من عموم الترجيح بكلّ ما أوجب رجحان أحد المتعارضين على صاحبه و كونه أقوى منه و أقرب إلى الواقع، و هذا العموم و إن كان يجري في القياس و نحوه ممّا منع عنه الشرع
..........
بالخصوص إلّا أنّه خرجنا عنه بعموم أدلّة المنع من العمل به ترجيحا له على العموم المذكور لجهات عديدة و إن كان بينهما عموم من وجه.
ثمّ إنّه إذا وقع التعارض بين شيء من المرجّحات الخارجيّة كالشهرة و بعض من مرجّحات الدلالة كالنصوصيّة أو الأظهريّة فيما ورد خبران أحدهما نصّ أو أظهر و الآخر ظاهر موافق للشهرة كالعامّ و الخاصّ مثلا إذا كان العامّ موافقا للشهرة فلا ينبغي التأمّل في تقدّم مرجّح الدلالة على المرجّح الخارجي مطلقا، بل قد ذكرنا مرارا أنّ مرجّحات الدلالة لا يعارضها سائر المرجّحات حتّى لو كانت داخليّة راجعة إلى السند أو المضمون فكيف بالمرجّحات الخارجيّة، فيقدّم الخاصّ في المثال المذكور على العامّ و إن كانت الشهرة في جانبه و لا يلتفت إليها و لا تصلح مرجّحة للعامّ، لأنّ معنى كونها مرجّحة له حينئذ أنّها تكشف كشفا ظنّيا عن وجود خلل في إحدى جهات الخاصّ فتوجب قدحا في صدوره فيستحقّ به طرح سنده أو قدحا في دلالته فيستحقّ به للتأويل أو قدحا في جهة صدوره فيستحقّ به الحمل على التقيّة، و الكلّ باطل لأنّ أقصى ما يفيده الشهرة إنّما هو الظنّ بالخلل في إحدى تلك الجهات و هو لكونه من الظنون الغير المعتبرة لعدم قيام دليل على اعتبارها بالخصوص لا يقاوم أدلّة حجّية سند الخاصّ و لا أصالة الحقيقة و لا أصالة عدم التقيّة فيه.
أمّا الأوّل: فلأنّ مقتضى أدلّة حجّية السند وجوب الأخذ بسندي المتعارضين مهما أمكن الجمع بينهما بحسب الدلالة جمعا مقبولا لدى العرف و هو هنا ممكن بإرجاع التأويل إلى العامّ.
و أمّا الثاني و الثالث: فلأنّ كلّا من الأصلين إنّما يعتبر في مجاريه من باب الظنّ النوعي فلا يعدل عنه إلّا بالظنّ الخاصّ المعتبر و المفروض ليس منه، و لا ينتقض ذلك بأصالة الحقيقة في العامّ الّذي يجب طرحها على تقدير تقديم الخاصّ عليه، لأنّ الخاصّ بعد حفظ سنده و فرض صدوره بنصوصيّته قرينة على إرادة خلاف ظاهر العامّ.
و بالجملة كما أنّ الشهرة لا يوجب قدحا في شيء من جهات الخاصّ إذا لم يقابله عامّ فكذلك لا يوجب قدحا في شيء من جهاته إذا قابله العامّ، فلا يوجب قوّة في العامّ و لا ضعفا في الخاصّ حتّى يصير العامّ بسببه أقوى الدليلين و يتعيّن معه طرح الخاصّ، لأنّ ذلك حيث لم يمكن الجمع السندي بين المتعارضين لا فيما أمكن الجمع و كان إشكال التعارض من جهة شبهة الدلالة مع وجود مرجّح الدلالة في جانب أحد المتعارضين من النصوصيّة أو الأظهريّة.
..........
و أمّا إذا وقع التعارض بين المرجّحات الخارجيّة و غيرها ممّا يرجع إلى الصدور أو جهة الصدور أو المضمون فيما لو تعارض خبران أحدهما موافق للشهرة مع كون الآخر بحيث يكون راويه أعدل أو موافقا للكتاب أو مخالفا للعامّة فالظاهر ترجيح المرجّح الخارجي على غيره و إن كان داخليّا، و يكفي في دليله مرجّحيته في غير صورة التعارض، فإنّه إنّما صار مرجّحا لكون بناء الترجيح و الرجوع إلى المرجّحات في علاج التعارض على الظنون الاجتهاديّة و من باب الأخذ بما هو أقرب إلى الواقع و ما هو راجح في النظر بالقياس إلى نفس الأمر حسبما استفدناه من إجماع العلماء و إشارت الأخبار و إشعاراتها و التعليلات الواقعة فيها، كتعليل الأخذ بالمجمع عليه بكونه ممّا لا ريب فيه، و تعليل الأخذ بما خالف العامّة بكون الرشد أو الحقّ في خلافهم.
و المفروض أنّ الأمارة الّتي هي المرجّح الخارجي لا يعتبر أمارة إلّا حيث أفادت الظنّ الفعلي، و هذا يوجب كون مضمون ما وافقه أقرب إلى الواقع إمّا بصدور ذلك الخبر عن المعصوم، أو بصدور مرادفه فيكشف عن خلل في إحدى جهات الخبر المخالف له و لو كان راويه أعدل، فكان مضمونه أبعد عن الواقع لأنّه يجري فيه من الاحتمال ما لا يجري في مضمون الخبر الموافق.
نعم إن قلنا بالترتيب بين المرجّحات الخارجيّة و المرجّحات الداخليّة- بمعنى أنّه لا يرجع إلى المرجّحات الخارجيّة إلّا مع انسداد باب المرجّحات الداخليّة لكونها من قبيل الظنّ المطلق الّذي لا يرجع إليه إلّا مع انسداد باب الظنّ الخاصّ- فالمتّجه تقديم المرجّحات الداخليّة حينئذ، لأنّها ما دامت موجودة كائنة ما كانت لا يعارضها المرجّحات الخارجيّة، لكون حجّيتها معلّقة على انسداد باب المرجّحات الداخليّة إلّا أنّ المفروض خلافه.
خاتمة في بيان مطلبين
المطلب الأوّل فيما إذا وقع التعارض بين أكثر من دليلين،
فإنّ موضوع الكلام في المباحث المتقدّمة إنّما هو التعارض الواقع بين دليلين لا أزيد، و ليس المراد بالأكثريّة في عنوان هذا المطلب الأكثريّة بحسب الطريق- كما لو وقع التعارض بين خبر و خبرين أو ثلاثة أخبار مثلا على
..........
مضمون واحد، فإنّ ذلك لا يخرج عن حدّ التعارض بين دليلين، بتقريب: أنّ العبرة في التعارض تنافي المدلولين، و المدلول في المفروض لا يزيد على اثنين و إن كان الدالّ على أحدهما في أحد الجانبين أكثر منه في الجانب الآخر- بل المراد بالأكثريّة ما هو بحسب المدلول و المضمون بحيث رجع التعارض إلى تنافي مداليل ثلاث أو أزيد كوجوب شيء و حرمته و كراهته و استحبابه.
و بالجملة محلّ البحث هنا ما لو وقع التعارض بين ثلاثة أو أربعة أخبار مختلفة المضامين، و هذا على قسمين:
أحدهما: أن يكون النسبة بين المتعارضات واحدة من تبائن أو عموم من وجه أو عموم مطلق.
و من أمثلة الأوّل: ما لو قال في خبر: «يجب إكرام العلماء» و في آخر: «يحرم إكرام العلماء» و في ثالث: «يكره إكرام العلماء» و في رابع: «يستحبّ إكرام العلماء».
و من أمثلة الثاني: ما لو ورد في خبر: «يجب إكرام العلماء» و في آخر: «يحرم إكرام الفسّاق» و في ثالث: «يكره إكرام الشعراء» فإنّ بين كلّ مع الآخر عموما من وجه فيجتمع الكلّ في العالم الفاسق الشاعر.
و من أمثلة الثالث: ما لو ورد في خبر: «يجب إكرام العلماء» و في آخر: «يكره إكرام الحكماء» و في ثالث: «يحرم إكرام فسّاقهم» فإنّ الثاني أخصّ من الأوّل و الثالث أخصّ منهما إن جعل الضمير للاصوليّين[1]و إن جعل للعلماء يكون أخصّ من العلماء و الثاني أخصّ منهما.
و هذا القسم ممّا لا كلام فيه و لا إشكال في حكمه بعد ما علم حكم التعارض و علاجه في الخبرين من الترجيح أو التخيير في المتباينين، و العمل بكلّ منهما في مادّة افتراقهما و التوقّف في مادّة اجتماعهما للإجمال في العامّين من وجه، و إرجاع العامّ إلى الخاصّ بالتخصيص في العامّ و الخاصّ فيخصّص كلّ عامّ بالخاصّ المقابل له و لو كان العامّ واحدا و قابله خاصّان خصّص بهما معا إن لم يستلزم محذورا، كما لو ورد «أكرم العلماء» و ورد «يستحبّ إكرام الاصوليّين» و «يكره إكرام النحويّين» فيحمل العامّ على إرادة إكرام غير الاصوليّين و النحويّين من العلماء، بخلاف ما لو استلزم محذورا كما لو قال: «أكرم العلماء»
[1]كذا في الأصل، و الصواب: «للحكماء» بدل «للاصوليّين».
..........
و ورد أيضا: «يستحبّ إكرام عدول العلماء» و «يكره إكرام فسّاق العلماء» فإنّه يلزم من تخصيص العامّ بهما معا بقاؤه بلا مورد، و بأحدهما دون آخر الترجيح بلا مرجّح لتساوي نسبتهما إليه في ورودهما عليه، فحكم ذلك كالمتبائنين لأنّ مجموع الخاصّين مباين للعامّ فيندرجان فيما لا يمكن الجمع بينهما، و لا يبعد ترجيح العمل بالخاصّين تقليلا لطرح السند، و الأولى التوقّف في مثل ذلك لعدم معلوميّة شمول أخبار التخيير له.
و إذا وجد عامّ و خصّص بالإجماع أو دليل العقل ببعض الأفراد ثمّ ورد خاصّ آخر في دليل لفظي بينه و بين العامّ مع قطع النظر عن التخصيص المذكور عموم و خصوص مطلق، كقوله: «أكرم العلماء» و قام الإجماع على عدم وجوب إكرام النحويّين أو فسّاق العلماء مع ورود «لا تكرم الاصوليّين» مثلا فقد يتوهّم أنّه إذا لوحظ العامّ مخصّصا بالإجماع انقلبت نسبة العموم و الخصوص المطلق بينه و بين الخاصّ الآخر بنسبة العموم من وجه، لرجوع الفرض إلى مقابلة قوله: «لا تكرم الاصوليّين» لقوله: «أكرم العلماء الغير النحويّين أو العلماء العدول» لوضوح أنّ العالم الغير النحوي أعمّ من الاصولي و غير الاصولي، و الاصولي أعمّ من النحوي و غير النحوي، كما أنّ العالم العادل أعمّ من الاصولي و غيره، و الاصولي أعمّ من العادل و غيره، فكلّ أعمّ من الآخر من وجه و أخصّ منه من وجه آخر، فيتعارضان في العالم الاصولي الغير النحوي، أو الاصولي العادل الّذي هو مادّة اجتماعهما، فقوله: «أكرم العلماء» يقتضي وجوب إكرامه لكونه غير نحوي أو عادلا، و قوله: «لا تكرم الاصوليّين» يقتضي حرمة إكرامه لكونه اصوليّا.
و من أمثلته في الشرعيّات العمومات المانعة من العمل بما وراء العلم المخصّصة بالبيّنة و اليد بالإجماع على جواز العمل بهما مع قوله: «اعمل بخبر الواحد» المستنبط من الآيات و غيرها كآية النبأ و نحوها، فإنّ غير البيّنة ممّا وراء العلم يعمّ خبر الواحد و غيره، كما أنّ خبر الواحد يعمّ البيّنة و غيرها، فيتعارضان في غير البيّنة من خبر الواحد لقضاء العمومات بمنع العمل به، و الآيات بجواز العمل به فلا بدّ من التوقّف من جهة الإجمال المسقط للاعتبار.
و فيه من المغالطة الواضحة ما لا يخفى، فإنّ الخاصّين من حيث ورودهما على العامّ و نهوضهما لتخصيصه- كما هو قضيّة العموم و الخصوص- متساوي النسبة إليه، و بناء التخصيص- كما حقّق في محلّه- على الكشف عن حقيقة مراد المتكلّم من العامّ من حين صدوره، و لا يعقل ترتّب بينهما من حيث التقديم و التأخير في إرادة المتكلّم، فهما معا في
..........
نحو المثالين الأوّلين كاشفان عن أنّ المراد من «العلماء» من حين صدوره ما عدا النحوي و الاصولي أو ما عدا الفسّاق و الاصوليّين، و في نحو المثال الأخير كاشفا عن أنّ المراد من قوله:لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌو غيره من عمومات المنع من حين صدوره ما عدا البيّنة و اليد و خبر الواحد من غير ترتّب في إرادة المتكلّم و إن كان بينهما ترتّب من حيث صدورهما أو من حيث الاطّلاع و العثور عليهما.
و بالجملة فهما معا لكونهما مخصّصين منفصلين يقومان مقام قرينة واحدة دالّة على أنّ المراد من «العلماء» من حين صدوره إنّما هو معنى مجازي له و هو ما عدا النحويّين و الاصوليّين و ما عدا العدول و الاصوليّين من الأفراد من غير ترتّب في الإرادة.
و الحاصل: الإجماع الّذي خصّص به «العلماء» مثلا إنّما أفاد خروج النحويّين عن حقيقة مراد المتكلّم فيه، لا أنّه أعطاه بتخصيصه عنوانا آخر غير ما هو ملحوظ أوّلا و هو «العلماء الغير النحويّين» أو «العلماء العدول»، ضرورة أنّ الغير النحويّين أو العدول مفهوم ينتزع من العلماء بعد تخصيصه بالإجماع باعتبار خروج النحويّين أو الفسّاق عن مراد المتكلّم منه من حين صدوره، لا أنّه قيد مع «العلماء» و جزء مع العامّ، فنسبة العموم من وجه إنّما هي بين هذا المفهوم المنتزع و «الاصوليّين»، لا بين «العلماء» و «الاصوليّين» و لا بين ما هو المراد من العلماء و الاصوليّين، فإنّ المراد من «العلماء» بعد تخصيصه بالإجماع إنّما هو مصاديق غير النحويّين و غير الفسّاق لا مفهوم غير النحويّين و غير الفسّاق، و إذا لوحظ مع قوله: «لا تكرم الاصوليّين» [يكشف] عن كون المراد به أيضا مصاديق غير الاصوليّين لا مفهومه.
و لا ريب أنّ المصاديق الّتي يصدق عليها غير النحويّين و غير الفسّاق و غير الاصوليّين في عرض واحد، و نسبتها إلى العلماء نسبة واحدة و هي كونها بعض الأفراد أو ما عدا العموم و اريد منه مجازا، فما ورد عليه مخصّصان منفصلان اريد منه من حين صدوره مصاديق ما عدا الأفراد المندرجة في المخصّصين المخالفة في الحكم إرادة واحدة في مرتبة واحدة، سواء كانا لبّيين أو لفظيّين أو مختلفين من غير أن يعقل تعارض في المختلفين بين المخصّص اللفظي و العامّ المخصّص باللبّي و من غير انقلاب العموم و الخصوص المطلق بينهما إلى العموم من وجه.
فإن قلت: كيف تنكر التعارض بين العامّ المخصّص بالإجماع و الخاصّ في المخصّص
..........
اللفظي و كون النسبة بينهما عموم من وجه، كما في «أكرم العلماء» مع الإجماع على خروج النحويّين و «لا تكرم الاصوليّين»، مع أنّ الأوّل ظاهر في وجوب إكرام الاصولي الغير النحوي و الثاني ظاهر في حرمة إكرامه مع كونه نصّا في تحريم إكرام الاصولي النحوي، و هذا تعارض بين ظاهرين فيجب الوقف من جهة الإجمال.
قلت: هذا اشتباه واضح، لمنع ظهور «أكرم العلماء» في وجوب إكرام الاصولي الغير النحوي مع ملاحظة ورود «لا تكرم الاصوليّين» في مقابله، سواء اعتبرناه من باب الظنّ النوعي أو من جهة أصالة عدم التخصيص.
أمّا على الأوّل: فلأنّ الظنّ النوعي المذكور تعليقي مراعى اعتباره بعدم ورود ما يصلح قرينة على إرادة الخلاف.
و أمّا على الثاني: فلأنّ أصالة عدم التخصيص أصل مبناه على الشكّ في التخصيص جار لإحراز عدم المانع بعد إحراز المقتضي للعموم و هو الوضع الحقيقي أو النوعي المجازي كما في العامّ المخصّص عند ظهوره في تمام الباقي، فلا يجري مع وجود ما يصلح للتخصيص لارتفاع الشكّ المأخوذ في موضوعه بسببه، فلا وجه لدعوى ظهور العامّ في خلاف ما يقتضيه ظاهر الخاصّ.
و من هنا يقال: إنّ التعارض بين العامّ و الخاصّ صوريّ بل لا تعارض بينهما في الحقيقة، إذ التعارض تنافي مدلولي الدليلين و هذا فرع على حصول الدلالة فيهما معا و لا دلالة في العامّ مع ورود الخاصّ على خلاف مقتضاه.
و قد يفصّل في وقوع التعارض بين الخاصّ و العامّ المخصّص بين ما لو خصّص بمنفصل فلا تعارض أو بمتّصل كالاستثناء فيتعارضان، كما في «أكرم العلماء إلّا النحويّين» و «لا تكرم الاصوليّين» لكون العامّ مع الاستثناء لاتّصاله به في معنى «أكرم العلماء الغير النحويّين».
و قد عرفت أنّه أعمّ من الاصوليّين من وجه فيتعارضان في الاصولي الغير النحوي.
و السرّ في ذلك: أنّ العامّ بقرينة تخصيصه بالاستثناء المتّصل به ظاهر في تمام الباقي، فالنسبة بينه و بين «لا تكرم الاصوليّين» عموم من وجه، لأنّ إخراج الاصولي الغير النحوي مخالف لظاهر «أكرم العلماء إلّا النحويّين»، بخلاف ما لو خصّص العامّ بمخصّص منفصل.
و لمّ المسألة: أنّ العامّ إذا تعقّبه مخصّصان ثمّ خصّص بأحدهما كائنا ما كان و يبقى مع الآخر لا بدّ و أن يلاحظ هل هو بالنسبة إليه معنون باعتبار كونه عامّا أو معنون باعتبار كونه مخصّصا؟
..........
و بعبارة اخرى: أنّ الّذي يلاحظ عنوانا للحكم المستفاد من الكلام في نظر العرف عند مقابلته لمخصّص آخر منفصل هل هو العامّ باعتبار معناه الحقيقي المستند إلى وضعه، أو العامّ باعتبار معناه المجازي و هو ما يستفاد من المجموع منه و من المخصّص المفروض تخصيصه به أوّلا أعني ما عدا المخرج من أفراده بذلك التخصيص؟
فعلى الأوّل لا يحصل بينه و بين الخاصّ الآخر تعارض العامّين من وجه.
و على الثاني يحصل ذلك التعارض.
و لا ريب أنّ ما ورد عليه مخصّصان منفصلان من قبيل الأوّل، سواء كان المخصّصان لبّيين أو لفظيّين أو مختلفين، و ما ورد عليه مخصّصان أحدهما متّصل و الآخر منفصل من قبيل الثاني.
و من أمثلة ذلك في الشرعيّات ما وقع في أخبار العارية من طائفتين من الأخبار غير ما دلّ منها على نفي الضمان في العارية عموما من دون استثناء شيء.
إحداهما: ما دلّ على نفي الضمان فيها مع استثناء الدراهم أو الدنانير.
و اخراهما: ما دلّ على نفي الضمان فيها مع استثناء الذهب و الفضّة، حيث يقع التعارض على ما توهّم بين المستثنى الثاني و المستثنى منه الأوّل مع انضمام الاستثناء إليه، لرجوعهما إلى أن يقال: لا ضمان في العارية إلّا الدراهم و الدنانير و الذهب و الفضّة مضمونان.
و لا ريب أنّ غير الدراهم و الدنانير أعمّ من الذهب و الفضّة و من غيرهما، كما أنّ الذهب و الفضّة أعمّ من الدراهم و الدنانير و غيرهما كحليّ النسوان و نحوها، و محلّ التعارض هو غير الدنانير و الدراهم من الذهب و الفضّة، حيث إنّ الأوّل يقتضي نفي ضمانه و الثاني يقتضي ضمانه، و قد سبق توهّم هذا التعارض هنا إلى جماعة من الأصحاب منهم صاحب الكفاية و تبعه السيّد في الرياض، قال في الكفاية- بعد الإشارة إلى اختلاف أخبار المسألة-:
«وقع التعارض بين المستثنى منه في خبر الدراهم و الدنانير- و حاصله لا ضمان في غير الدراهم و الدنانير- و بين المستثنى في خبر الذهب و الفضّة، و النسبة بين الموضوعين عموم من وجه، و يمكن تخصيص كلّ منهما بالآخر.
فإن خصّص الأوّل بالثاني كان الحاصل: لا ضمان في غير الدراهم و الدنانير إلّا أن يكون ذهبا أو فضّة، و إن خصّص الثاني بالأوّل كان الحاصل: كلّ من الذهب و الفضّة مضمونان إلّا أن يكون غير الدراهم و الدنانير فالأمر المشترك بين الحكمين ثابت و هو حصول الضمان