بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 697

..........

اللفظي و كون النسبة بينهما عموم من وجه، كما في «أكرم العلماء» مع الإجماع على خروج النحويّين و «لا تكرم الاصوليّين»، مع أنّ الأوّل ظاهر في وجوب إكرام الاصولي الغير النحوي و الثاني ظاهر في حرمة إكرامه مع كونه نصّا في تحريم إكرام الاصولي النحوي، و هذا تعارض بين ظاهرين فيجب الوقف من جهة الإجمال.

قلت: هذا اشتباه واضح، لمنع ظهور «أكرم العلماء» في وجوب إكرام الاصولي الغير النحوي مع ملاحظة ورود «لا تكرم الاصوليّين» في مقابله، سواء اعتبرناه من باب الظنّ النوعي أو من جهة أصالة عدم التخصيص.

أمّا على الأوّل: فلأنّ الظنّ النوعي المذكور تعليقي مراعى اعتباره بعدم ورود ما يصلح قرينة على إرادة الخلاف.

و أمّا على الثاني: فلأنّ أصالة عدم التخصيص أصل مبناه على الشكّ في التخصيص جار لإحراز عدم المانع بعد إحراز المقتضي للعموم و هو الوضع الحقيقي أو النوعي المجازي كما في العامّ المخصّص عند ظهوره في تمام الباقي، فلا يجري مع وجود ما يصلح للتخصيص لارتفاع الشكّ المأخوذ في موضوعه بسببه، فلا وجه لدعوى ظهور العامّ في خلاف ما يقتضيه ظاهر الخاصّ.

و من هنا يقال: إنّ التعارض بين العامّ و الخاصّ صوريّ بل لا تعارض بينهما في الحقيقة، إذ التعارض تنافي مدلولي الدليلين و هذا فرع على حصول الدلالة فيهما معا و لا دلالة في العامّ مع ورود الخاصّ على خلاف مقتضاه.

و قد يفصّل في وقوع التعارض بين الخاصّ و العامّ المخصّص بين ما لو خصّص بمنفصل فلا تعارض أو بمتّصل كالاستثناء فيتعارضان، كما في «أكرم العلماء إلّا النحويّين» و «لا تكرم الاصوليّين» لكون العامّ مع الاستثناء لاتّصاله به في معنى «أكرم العلماء الغير النحويّين».

و قد عرفت أنّه أعمّ من الاصوليّين من وجه فيتعارضان في الاصولي الغير النحوي.

و السرّ في ذلك: أنّ العامّ بقرينة تخصيصه بالاستثناء المتّصل به ظاهر في تمام الباقي، فالنسبة بينه و بين «لا تكرم الاصوليّين» عموم من وجه، لأنّ إخراج الاصولي الغير النحوي مخالف لظاهر «أكرم العلماء إلّا النحويّين»، بخلاف ما لو خصّص العامّ بمخصّص منفصل.

و لمّ المسألة: أنّ العامّ إذا تعقّبه مخصّصان ثمّ خصّص بأحدهما كائنا ما كان و يبقى مع الآخر لا بدّ و أن يلاحظ هل هو بالنسبة إليه معنون باعتبار كونه عامّا أو معنون باعتبار كونه مخصّصا؟


صفحه 698

..........

و بعبارة اخرى: أنّ الّذي يلاحظ عنوانا للحكم المستفاد من الكلام في نظر العرف عند مقابلته لمخصّص آخر منفصل هل هو العامّ باعتبار معناه الحقيقي المستند إلى وضعه، أو العامّ باعتبار معناه المجازي و هو ما يستفاد من المجموع منه و من المخصّص المفروض تخصيصه به أوّلا أعني ما عدا المخرج من أفراده بذلك التخصيص؟

فعلى الأوّل لا يحصل بينه و بين الخاصّ الآخر تعارض العامّين من وجه.

و على الثاني يحصل ذلك التعارض.

و لا ريب أنّ ما ورد عليه مخصّصان منفصلان من قبيل الأوّل، سواء كان المخصّصان لبّيين أو لفظيّين أو مختلفين، و ما ورد عليه مخصّصان أحدهما متّصل و الآخر منفصل من قبيل الثاني.

و من أمثلة ذلك في الشرعيّات ما وقع في أخبار العارية من طائفتين من الأخبار غير ما دلّ منها على نفي الضمان في العارية عموما من دون استثناء شيء.

إحداهما: ما دلّ على نفي الضمان فيها مع استثناء الدراهم أو الدنانير.

و اخراهما: ما دلّ على نفي الضمان فيها مع استثناء الذهب و الفضّة، حيث يقع التعارض على ما توهّم بين المستثنى الثاني و المستثنى منه الأوّل مع انضمام الاستثناء إليه، لرجوعهما إلى أن يقال: لا ضمان في العارية إلّا الدراهم و الدنانير و الذهب و الفضّة مضمونان.

و لا ريب أنّ غير الدراهم و الدنانير أعمّ من الذهب و الفضّة و من غيرهما، كما أنّ الذهب و الفضّة أعمّ من الدراهم و الدنانير و غيرهما كحليّ النسوان و نحوها، و محلّ التعارض هو غير الدنانير و الدراهم من الذهب و الفضّة، حيث إنّ الأوّل يقتضي نفي ضمانه و الثاني يقتضي ضمانه، و قد سبق توهّم هذا التعارض هنا إلى جماعة من الأصحاب منهم صاحب الكفاية و تبعه السيّد في الرياض، قال في الكفاية- بعد الإشارة إلى اختلاف أخبار المسألة-:

«وقع التعارض بين المستثنى منه في خبر الدراهم و الدنانير- و حاصله لا ضمان في غير الدراهم و الدنانير- و بين المستثنى في خبر الذهب و الفضّة، و النسبة بين الموضوعين عموم من وجه، و يمكن تخصيص كلّ منهما بالآخر.

فإن خصّص الأوّل بالثاني كان الحاصل: لا ضمان في غير الدراهم و الدنانير إلّا أن يكون ذهبا أو فضّة، و إن خصّص الثاني بالأوّل كان الحاصل: كلّ من الذهب و الفضّة مضمونان إلّا أن يكون غير الدراهم و الدنانير فالأمر المشترك بين الحكمين ثابت و هو حصول الضمان


صفحه 699

..........

في الدراهم و الدنانير، فلا بدّ من استثناء هذا الحكم من عموم الأخبار الدالّة على عدم الضمان و يبقى تلك الأخبار في غير ذلك سالما عن المعارض.

فإذن المتّجه الحكم بعدم الضمان في غير الدراهم و الدنانير من الذهب و الفضّة» انتهى.

و هكذا ذكر في الرياض بعين هذه العبارة، خلافا لمن أطلق الحكم بالضمان في الذهب و الفضّة من الأصحاب منهم المحقّق في الشرائع و ثاني الشهيدين في المسالك قائلا فيه:

و «التحقيق في ذلك أن نقول: إنّ هنا نصوصا على ثلاثة أضرب أحدها عامّ في عدم الضمان- إلى أن قال-: و ثانيها بحكمها إلّا أنّه استثنى مطلق الذهب و الفضّة، و ثالثها بحكمها إلّا أنّه استثنى الدنانير أو الدراهم، و حينئذ فلا بدّ من الجمع فإخراج الدراهم و الدنانير لازم لخروجهما على الوجهين الأخيرين، فإذا خرجا من العموم بقي العموم فيما عداهما بحاله و قد عارضه التخصيص بمطلق الجنسين فلا بدّ من الجمع بينهما بحمل العامّ على الخاصّ.

فإن قيل: لمّا كان الدراهم و الدنانير أخصّ من الذهب و الفضّة وجب تخصيصهما بهما عملا بالقاعدة، فلا يبقى المعارضة إلّا بين العامّ الأوّل و الخاصّ الأخير.

قلنا: لا شكّ أنّ كلّا منهما تخصيص لذلك العامّ، لأنّ كلّا منهما مستثنى و ليس هنا إلّا أنّ أحد المخصّصين أعمّ من الآخر مطلقا و ذلك غير مانع، فيخصّص العامّ الأوّل بكلّ منهما أو يقيّد مطلقه، لا أنّ أحدهما يخصّص بالآخر لعدم المنافاة بين إخراج الذهب و الفضّة في لفظ و الدراهم و الدنانير في لفظ حتّى يوجب الجمع بينهما بالتخصيص أو التقييد» انتهى.

أقول: الأقوى هو ما عليه الجماعة و أوضحه في المسالك، فإنّ المستثنيات الثلاث لا تعارض بينها و إن ورد كلّ في الخطاب بغير صورة الاستثناء، فلو قيل في خطاب: «في الدراهم ضمان»، و في آخر: «في الدنانير ضمان» و في ثالث: «في الذهب و الفضّة ضمان» لم يكن بين الأخير و أحد الأوّلين تعارض، و إن كان كلّ من الدراهم و الدنانير بحسب المفهوم أخصّ مطلقا من الذهب و الفضّة لموافقتهما في الحكم، فلا يحمل في مثل ذلك العامّ على الخاصّ، لأنّ حمل العامّ على الخاصّ- على ما حقّق في محلّه- من أحكام العامّ و الخاصّ المتنافي الظاهر، لا العامّ و الخاصّ المتوافقي الظاهر، فمن الجائز ثبوت الضمان في الدراهم و الدنانير باعتبار أنّه ثابت في مطلق الذهب و الفضّة، و إنّما خصّ كلّ منهما بالذكر في الخطاب المختصّ به لجواز كونه محلّ حاجة السائل و موضع ابتلاء المخاطب في ذلك الخطاب، و هذا هو الوجه في اختلاف النصوص في كون المستثنى في بعضها خصوص الدراهم و في بعضها


صفحه 700

..........

خصوص الدنانير و في بعضها مطلق الذهب و الفضّة، فلا تعارض في الأنواع الثلاث من الأخبار بين مستثنياتها و لا بين مستثنى خبر الذهب و الفضّة و العامّ المستثنى منه من خبري الدراهم و الدنانير و إن لوحظ بوصف كونه مخصّصا بالمتّصل، لكون كلّ من الاستثناء و المخصّص المنفصل متساوي النسبة إلى العامّ في كون بناء التخصيص بهما على الكشف عن خروج الفرد المخرج بكلّ منهما عن مراد المتكلّم من العامّ من حين صدوره لاشتراكهما في وصف القرينيّة.

غاية الأمر أنّ أحدهما قرينة متّصلة و الآخر قرينة منفصلة، فهما معا بمنزلة قرينة واحدة على المراد أنّ من العامّ من حين صدوره ما عدا هذا الفرد و ذاك الفرد و إن كان أحد الفردين أخصّ من الآخر مطلقا.

غاية الأمر إفادة التخصيص خروج الفرد الأخصّ عن حكم العامّ باعتبارين.

و لا ريب أنّ نسبة العموم من وجه الّتي هي منشأ التعارض في العامّين من وجه هاهنا إنّما هي بين مفهوم «غير الدراهم و الدنانير» و مفهوم «الذهب و الفضّة» و لكن مفهوم «غير الدراهم و الدنانير» ليس جزءا من العامّ المخرج منه الدراهم و الدنانير و لا قيدا فيه، بل المراد من العامّ بعد تخصيصه بالاستثناء مصداق غير الدراهم و الدنانير، و هذا لا يوجب كون مفهومه جزءا من اللفظ و لا قيدا فيه.

و كأنّ توهّم التعارض و تحقّق نسبة العموم من وجه بين المستثنى و المستثنى منه في الأخبار المذكورة إنّما نشأ عن ملاحظة أنّ نقيض الأخصّ لمّا كان أعمّ من وجه من عين الأعمّ و استثناء الأخصّ يفيد كون المراد من العامّ نقيض الأخصّ، فيقع التعارض حينئذ بين العامّ الوارد عليه ذلك الاستثناء و المستثنى الآخر الّذي هو أعمّ من وجه أيضا من نقيض الأخصّ المراد من العامّ الأوّل.

و يدفعه: أنّ المراد من العامّ بعد استثناء الأخصّ مصداق نقيض الأخصّ لا مفهومه، و هو نفس الأفراد الباقية بعدم استثناء الأخصّ.

و بالجملة: نقيض الأخصّ الّذي هو مفهوم «غير الدراهم و الدنانير» في الأخبار المذكورة و «غير النحويّين» و «غير فسّاق العلماء» في المثالين المتقدّمين ليس مناطا للحكم، لا على أنّه مراد من العامّ و لا على أنّه جزء من اللفظ و لا على أنّه قيد فيه، فبطل توهّم التعارض بين العامّ المخصّص بالمتّصل و المخصّص المنفصل.


صفحه 701

..........

و لا يشكل الحال في المخصّصات المتّصلة الاخر كالصفة و الشرط و الغاية و بدل البعض فيما لو ورد: «أكرم العلماء العدول» أو «أكرم العلماء إن كانوا عدولا» أو «أكرم العلماء إلى أن يفسقوا» أو «أكرم العلماء عدولهم» ثمّ ورد قوله: «لا تكرم الاصوليّين» بتقريب: أنّ «العدول» أو «إلى أن يفسقوا» في هذه الأقسام قيد مأخوذ مع العامّ و هو بمفهومه أعمّ من وجه من «الاصوليّين» كما قد يسبق إلى الوهم أيضا، لأنّ التقييد بأحد الوجوه المذكورة يفيد كون المراد من «العلماء» في الجميع مصاديق العدل و قوله: «لا تكرم الاصوليّين» أيضا يفيد كون المراد به من حين صدوره مصاديق غير الاصوليّين.

غاية الأمر لزوم خروج الاصولي الغير العادل من العلماء بعد ورود التخصيصين عليه بالاعتبارين و هذا ممّا لا ضير فيه.

فتلخّص من جميع ما ذكرناه: أنّ العامّ إذا تعقّبه مخصّصان منفصلان لفظيّان أو لبّيان أو مختلفان و كان بينه و بين كلّ مخصّص عموما و خصوصا مطلقا، فإذا خصّص بمخصّص لبّي كالإجماع أو غيره أو لفظي لم يوجب ذلك انقلاب النسبة المذكورة إلى العموم من وجه، و لا أنّه مستلزم لتعارض ظاهرين كما في العامّين من وجه، لأنّ هذا الخاصّ إمّا أن يلاحظ في مقابلة مدلول المخصّص اللبّي أو في مقابلة مدلول العامّ أو في مقابلة المجموع من مدلولي العامّ و المخصّص اللبّي، و لا يصحّ التعارض في شيء من هذه الصور بينه و بين ما يفرض مقابلا له.

أمّا الصورة الاولى: فلموافقة الخاصّ و المخصّص اللبّي في الحكم و المحمول من حيث الإيجاب و السلب مع تعدّد موضوعيهما و التعارض في مثله غير معقول بل هما بالقياس إلى مادّة الاجتماع و هو العالم النحوي الاصولي في المثال المتقدّم يوجبان تأكّد الحكم و ثبوته له من جهتين، لقضائهما بحرمة إكرامه من جهة انتسابه إلى النحويّة و من جهة انتسابه إلى الاصوليّة.

و أمّا الصورة الثانية: فلأنّ حصول التعارض بين مدلول العامّ و مدلول الخاصّ إنّما يستقيم إذا صلح كلّ منهما قرينة على صرف الآخر عن ظاهره على وجه البدليّة كما في العامّين من وجه، و هذا واضح البطلان لما ستعرف من أنّ أصالة الحقيقة في العامّ لا تقاوم أصالة الحقيقة في الخاصّ، بل سند الخاصّ مع ما فيه من أصالة الحقيقة ينهض قرينة كاشفة عن أنّ المراد من العامّ ما عدا هذا الفرد، فيتعدّد بذلك موضوعا الحكمين و لا يعقل معه التعارض.

و أمّا الصورة الثالثة: فلأنّ انقلاب النسبة الموجبة للتعارض مبنيّة على كون المجموع


صفحه 702

..........

من مدلول العامّ و المخصّص اللبّي عنوانا برأسه ملحوظا لتعليق الحكم به من حيث هو، و هذا هو مبنيّ على كون مرجع التخصيص بذلك المخصّص إلى تخصيص المادّة في العامّ الّتي ورد عليها الهيئة المفيدة للعموم باعتبار وضعها لغة أو عرفا، و هذا غلط لأنّ التخصيص المذكور لا يفيد إلّا خروج الفرد عن مدلول الهيئة و لا يوجب تقييد المادّة، بل قد عرفت أنّ المخصّصين في الكشف عن إرادة المتكلّم في مرتبة واحدة و لا ترتّب بينهما، ضرورة أنّ «أكرم العلماء» قبل الاطّلاع عليهما كان شاملا للاصوليّين بجميع أفراده شموله للنحويّين بجميع أفراده.

بتقريب: أنّ المادّة في «العلماء» اخذت مطلقة و الهيئة اعتبرت في المادّة المطلقة فأفادت العموم في أفراد كلّ من الصنفين فإذا حصل الإجماع على حرمة إكرام النحويين كشف عن خروج أفراد هذا الصنف عن مدلول الهيئة، لا أنّه يوجب تقييدا في المادّة مستلزما لورود الهيئة من أوّل الأمر على المقيّد، و إذا ورد الخاصّ الآخر في قوله: «لا تكرم الاصوليّين» كشف أيضا عن خروج أفراد هذا الصنف أيضا من مدلول الهيئة، فهما معا كاشفان عمّا هو المراد من «العلماء» من حين صدوره من معناه المجازي، لا أنّ الأوّل يوجب تقييدا فورد الثاني على المقيّد، كيف و لو صحّ احتمال التقييد هنا فهو متساوي النسبة إلى كلّ منهما حيث لا ترتّب بينهما، فيوجب كلّ منهما تقييدا بحسبه، و قضيّة الجمع بين التقييدين كون المراد من العامّ «العلماء الغير النحويّين و الاصوليّين» فلم يحصل هناك مفهومان متنافيان، و هكذا يقال أيضا فيما لو خصّ بمتّصل كالاستثناء ثمّ ورد عليه مخصّص منفصل آخر بالبيان المتقدّم و إن كان طريق توهّم التقييد هنا أوضح.

و ثانيهما: أن تكون النسبة بين المتعارضات مختلفة، بأن يكون بين أحدها و آخر عموم مطلق ثمّ بينه و بين الثالث عموم من وجه و هكذا، و يسهّل العلاج هنا بأن تلاحظ المتعارضات فإن كان فيها ما يقدّم على بعض منها إمّا لمزيّة في الدلالة كالنصّ و الظاهر أو الأظهر و الظاهر أو لمرجّح آخر قدّم ما حقّه التقديم، ثمّ يلاحظ مع ثالث فإن كانت النسبة الاولى باقية عمل بحسبها من الجمع أو الترجيح أو الوقف، و إن كانت منقلبة عمل بحسبها أيضا من أحد الوجوه المذكورة، فقد لا تكون منقلبة ك«أكرم العلماء» و «يستحبّ إكرام الاصوليّين» و «لا تكرم الفسّاق» فإذا خصّص الأوّل بالثاني كان النسبة بين العلماء بعد إخراج الاصوليّين منه و بين الفسّاق أيضا عموما من وجه، إذ كما أنّ العالم المطلق أعمّ من وجه من الفاسق


صفحه 703

..........

فكذلك العالم الغير الاصولي أيضا، فيتعارضان في العالم الفاسق الّذي لم يكن اصوليّا فإمّا أن يرجع التخصيص إلى الفسّاق لكونه أكثر أفرادا من العلماء خصوصا بعد إخراج الاصوليّين منه أو إلى العلماء لكونه عامّا مخصّصا.

و قد تكون منقلبة كما لو ورد «أكرم العلماء» و «لا تكرم فسّاقهم» و «يستحبّ إكرام العدول» فإنّه إذا خصّ العلماء بعدولهم يصير أخصّ مطلقا من العدول فيخصّص العدول بغير علمائهم، إذ لو لا الترتيب في العلاج لزم إلغاء النصّ أو الأظهر المنافي للعامّ.

و من أمثلته ما لو ورد: «أكرم العلماء» و «لا تكرم الفسّاق» و «يستحبّ إكرام الشعراء» فإذا فرضنا أنّ الفسّاق أكثر أفرادا من العلماء، خصّ بغير العلماء فيخرج العالم الفاسق عن الحرمة و يبقى الفرد الشاعر من العلماء الفاسق منه مردّدا بين الوجوب و الاستحباب.

ثمّ إذا فرضنا أنّ الفسّاق بعد إخراج العلماء أقلّ فردا من العلماء خصّ الشعراء به فالفاسق الشاعر غير مستحبّ الإكرام، فإذا فرضنا صيرورة الشعراء بعد التخصيص بالفسّاق أقلّ موردا من العلماء خصّ دليل العلماء بدليله فيحكم بأنّ مادّة الاجتماع بين الكلّ أعني العالم الشاعر الفاسق مستحبّ الإكرام.

و على قياس ما ذكرناه صور وجود المرجّح من غير جهة الدلالة لبعضها على بعض، فليتأمّل في المقام فإنّه من مزالّ الأقدام.

المطلب الثاني [تقدّم مرجّحات الدلالة على سائر المرجّحات]

قد ذكرنا مرارا أنّ مرجّح الدلالة مقدّم على سائر المرجّحات كائنة ما كانت و لا يوجد فيها ما يساويه و يكافؤه.

و ليعلم أنّ الترجيح بما يرجع إلى الدلالة يتأتّى في تعارض الظاهرين إذا كان أحدهما أظهر، و لا يتأتّى في النصّ و الظاهر لعدم تعارض بينهما بحسب الواقع بالمعنى المتقدّم مرارا في شرح التعارض و هو تنافي مدلولي الدليلين، إذ لا دلالة للظاهر مع وجود النصّ في مقابله.

و السرّ فيه: أنّ أصالة الحقيقة في الظاهر مع سنده لا يعقل كونها قرينة على التأويل في النصّ الّذي لا يحتمل غير معناه، لعدم تطرّق التأويل إليه بحيث يكون المعنى المؤوّل إليه صحيحا مقبولا عند العرف، فيلزم من إرجاع نحو هذا التأويل إليه طرحه و ترك العمل به رأسا، لأنّه ليس من الأخذ بحقيقة الدليل و لا بمجازه.


صفحه 704

..........

أمّا الأوّل: فواضح.

و أمّا الثاني: فلأنّه ليس من المجاز الّذي ساعد عليه القرينة أو فهم العرف بملاحظة الأقربيّة، فالأمر في الحقيقة دائر بين طرح سند النصّ و دلالة الظاهر، و الأوّل خروج من أدلّة حجّيّة السند بلا جهة وداع فليس بسائغ، فيكون سند النصّ مع أصالة الحقيقة فيه قرينة على أنّ المراد من الظاهر خلاف ظاهره، فلا يبقى في طرفه أصالة حقيقة تصلح لمعارضة مثلها في طرف النصّ.

نعم يصحّ التعارض بين الظاهرين و بين الأظهر و الظاهر، فإنّ أصالة الحقيقة في الأظهر لا تنهض قرينة على خلاف ظاهر الظاهر لكونها معارضة بمثلها في جانب الظاهر، فلا بدّ في تقديم إحداهما على الاخرى من مرجّح و ليس إلّا أظهريّة الأظهر و كونه أقرب بمراد المتكلّم، فلو قال: «رأيت أسدا يرمي» و دار الأمر بين كون المراد بالأسد خلاف ظاهره و هو الرجل الشجاع أو من «يرمي» خلاف ظاهره و هو رمي التراب إلى الهواء و نحوه كان أصالة الحقيقة في الأوّل مشغولة بمعارضتها في الثاني، و لا تصلح الاولى قرينة على طرح الثانية و لا الثانية قرينة على طرح الاولى، غير أنّها في الثاني تقدّم عليها في الأوّل، لكون «الأسد» أقرب بكونه مرادا به معناه المجازي عند العرف، و لأجل ذا صار «يرمي» أظهر منه في الدلالة.

و لعلّ ذلك من جزئيّات قولهم المعروف من: «أنّه إذا تعذّرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى» فإنّ أظهر مجاري هذه القاعدة و إن كان هو اللفظ إذا تعذّر حمله على حقيقته و تردّد بين مجازاته غير أنّها تجري في اللفظ المركّب أيضا، كما لو كان كلام تعذّر حمله على حقيقة معناه بحسب أوضاع مفرداته ك«أسد يرمي» حيث يتعذّر فيه الأخذ بحقيقة كلّ من «الأسد» و «يرمي» فلا بدّ حينئذ من تجوز إمّا في «الأسد» أو في «يرمي» فلا بدّ من الأخذ بما هو الأقرب منهما و هو التجوّز في الأسد، و هذا هو معنى ما يقال من: «أنّه إذا تعارض الأظهر و الظاهر يقدّم الأظهر على الظاهر» و الدليل عليه بناء العرف و طريقة أهل اللسان و هو الحجّة في المقام بدلالة قوله عزّ من قائل:وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلّٰا بِلِسٰانِ قَوْمِهِو المقام من أظهر أفراد مورد الآية.

هذا كلّه كلام في كبرى القياس و لا إشكال فيها بعد إحراز الصغرى و تشخيص الأظهر من الظاهر، و إنّما الإشكال في الصغرى و تشخيص أحد العنوانين من الآخر.