بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 70

..........

لكن يشكل حصول النتيجة المطلوبة بمجرّد ذلك مع قيام الاحتياط الموجب للامتثال العلمي الإجمالي، لأنّ سقوط اعتبار الامتثال العلمي التفصيلي مع قيام الامتثال العلمي الإجمالي أعمّ من اعتبار الامتثال الظنّي التفصيلي.

و من المستحيل الانتقال من الأعمّ إلى أحد الأخصّين على جهة التعيين، بل مقتضى القاعدة بمقتضى العقل المستقلّ و بناء العقلاء تعيّن الامتثال العلمي الإجمالي، لأنّه كالعلمي التفصيلي في اقتضاء عدم سقوط الواقع عن الاعتبار في بعض الصور، بخلاف الظنّ فإنّ أخذه مرجعا و طريقا للامتثال يقتضي رفع اليد عن الواقع في صورة عدم المصادفة، و هذا شيء يحتاج إلى الدليل.

و إن شئت فقل: إنّ التعبّد بالظنّ على الاستقلال يقضي ببدليّة غير الواقع عنه في بعض الأحيان إن اعتبرناه على وجه الموضوعيّة، بخلاف التعبّد بالاحتياط.

و من المعلوم أنّ البدليّة لا بدّ من ثبوتها بالدلالة الشرعيّة، و مجرّد مقدّمة الانسداد مع قبح التكليف بالمتعذّر لا يوجبها، فلا بدّ من إقامة دليل آخر يدلّ بالمطابقة على ثبوت البدليّة، أو من إبطال الاحتياط بالدلالة القطعيّة المستلزم لمرجعيّة الظنّ المستلزمة للبدليّة.

و من هنا تعرّض غير واحد من المحقّقين لإبطال الاحتياط، فمنهم من أبطله بالإجماع، و منهم من أبطله بالعسر و الحرج المنفيّين في الشريعة، و بعض مشايخنا أبطله بكلا الوجهين، فقرّر الأوّل: بالإجماع القطعي على أنّ المرجع في الشريعة على تقدير انسداد باب العلم في معظم الأحكام و عدم ثبوت حجّية أخبار الآحاد رأسا أو باستثناء قليل هو في جنب الباقي كالمعدوم ليس هو الاحتياط في الدين و الالتزام بفعل كلّ ما يحتمل الوجوب و لو موهوما و ترك كلّ ما يحتمل الحرمة كذلك، عادلا عن تقريره: بأنّ أحدا من العلماء لم يلتزم بالاحتياط في كلّ الفقه أو جلّه، حتّى لا يرد عليه ما اورد على هذا التقرير من أنّ عدم التزامهم به إنّما هو لوجود المدارك المعتبرة عندهم للأحكام، فلا يقاس عليهم من لا يجد مدركا في المسألة.

ثمّ قال: و صدق هذه الدعوى ممّا يجده المنصف من نفسه بعد ملاحظة قلّة المعلومات.

أقول: لا أتعقّل معنى هذا الإجماع، فإنّه على التقرير المذكور مع جواز اعتقادهم بوجود المدارك المعتبرة الّذي هو معنى انفتاح باب العلم بالمعنى الأعمّ يشبه بكونه فرض إجماع، و معلوم أنّ فرض الشيء لا يوجب تحقّقه في نفس الأمر، و الحجّة هو الأمر المتحقّق في


صفحه 71

..........

نفس الأمر، كيف و الإجماع عبارة عن اتّفاق الآراء الكاشف عن رأي الحجّة، و حصوله فيما بين العلماء مع اعتقادهم بالانفتاح يتوقّف على ثبوت مقدّمات:

أحدها: التفاتهم إلى أصل انسداد باب العلم بالمعنى الأعمّ بالقياس إلى معظم الأحكام و موضوعاتها الشرعيّة.

و ثانيها: تجويزهم طروّه بزوال ما وجد عندهم من المدارك المعتبرة في بعض أجزاء عصرهم أو في الأعصار المتأخّرة.

و ثالثها: اعتقادهم بكون المرجع حينئذ هو الظنّ المطلق دون غيره حتّى الاحتياط، و لا سبيل إلى إحراز شيء من هذه المقدّمات خصوصا إذا كان اعتقادهم بوجود المدارك المعتبرة ناشئا عن مقدّمة عقليّة كقاعدة اللطف و نحوها.

ثمّ ملاحظة قلّة المعلومات كيف تنفع المنصف في وجدان هذا الإجماع.

إلّا أن يقال: إنّ قلّة المعلومات لمن لاحظها ممّا يحرز موضوع العسر و الحرج المنفيّين المترتّبين على الالتزام بالاحتياط في غير المعلومات، و هذه قاعدة متّفق عليها، فهم مجمعون على نفي مرجعيّة الاحتياط على تقدير تحقّق الانسداد في المعظم.

و فيه- مع أنّ الكلام في حصول هذه الملاحظة بالقياس إليهم و قد عرفت منعه-: أنّ هذا الإجماع على هذا التقدير إنّما انعقد عن مدرك معلوم و هو القاعدة، فيكون كاشفا عن المدرك لا عن رأي الحجّة.

و مآل الاستناد إلى مثل هذا الإجماع إلى التمسّك بالمدرك المعلوم، فلا يكون دليلا على حدة غير القاعدة، هذا.

و لكنّ الإنصاف: أنّ المناقشة في تحقّق هذا الإجماع كأنّها خلاف الإنصاف، كما يظهر بالتتبّع في مطاوي كلماتهم و تضاعيف عباراتهم الصادرة عنهم في الكتب الاصوليّة و الفقهيّة حتّى من السيّد و نظرائه القائل بانفتاح باب العلم، لما فيها من التصريح بمرجعيّة الظنّ على تقدير الانسداد، بل التصريح بالإجماع عليه على هذا التقدير، كما يعلم ذلك من مراجعة مسألة الواجب الموسّع عند قولهم بكون الظنّ بدخول الوقت منجّزا للتكليف، و في باب القبلة و الأوقات، و مكان المصلّي و غير ذلك ممّا يطّلع عليه المتتبّع.

و مع ذلك فالعمدة في المقام التمسّك بقاعدة العسر و الحرج الشديدين البالغين حدّ الإخلال بنظام معاش الناس و معادهم، فإنّها أمر مسلّم لا إشكال فيه، إذ معناه لزوم الإتيان


صفحه 72

..........

بكلّ ما احتمل وجوبه في الشريعة على الاستقلال، و كلّ ما احتمل اعتباره جزءا أم شرطا في العبادة الواجبة، أو المحتمل وجوبها ظنّا أو شكّا أو وهما، مضافا إلى الاحتياط بالترك في محتملات الحرمة بالظنّ أو الشكّ أو الوهم، و المفروض أنّه على تقدير لزومه لا يختصّ بالعالم الواقف على موارد الاحتياط أو المتمكّن من العلم بها، بل يعمّه و العوامّ المقلّدين له الغير المتمكّنين من الاطّلاع بتلك الموارد إلّا من جهة التعليم، فالتعرّض للتعليم و التعلّم لأصل الاحتياط و كيفيّته و موارده الشخصيّة الغير المحصورة، و موارد تعارضه بمثله، و علاج التعارض بترجيح الاحتياط الناشئ عن الاحتمال القويّ أو الأقوى على ما نشأ من الاحتمال الضعيف أو غير الأقوى، يستغرق جميع وقتهم ليلا و نهارا فضلا عن التعرّض له في مقام العمل، خصوصا بالنسبة إلى ما يتوقّف منه على التكرار اللازم لمراعاة تطبيقه على جميع الأقوال الموجودة في جميع المسائل الخلافيّة الغير المحصورة و الاختلافات المتداخلة البالغة فوق حدّ الكثرة.

فلزوم العسر المخلّ بنظام أمر الناس تارة من جهة التعرّض للتعليم و التعلّم، و اخرى من جهة التعرّض للعمل به و تطبيق الفعل البارز في الخارج عليه، و لنقدّم مثالا لكلّ من الجهتين.

فمن أمثلة الجهة الاولى: ما فرضه بعض مشايخنا من أنّ الاحتياط في مسألة التطهير بالماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر ترك التطهّر به، لكن قد يعارض في الموارد الشخصيّة احتياطات اخر بعضها أقوى منه و بعضها أضعف و بعضها مساو له، فإنّه قد يوجد ماء آخر للطهارة، و قد لا يوجد معه إلّا التراب، و قد لا يوجد من مطلق الطهور غيره.

فإنّ الاحتياط في الأوّل هو الطهارة من ماء آخر لو لم يزاحمه الاحتياط من جهة اخرى، كما إذا كان قد أصابه ما لم ينعقد الإجماع على طهارته.

و في الثاني هو الجمع بين الطهارة المائيّة و الترابيّة إن لم يزاحمه ضيق الوقت المجمع عليه.

و في الثالث الطهارة من ذلك المستعمل و الصلاة معها إن لم يزاحمه أمر آخر واجب أو محتمل الوجوب، فكيف يسوغ للمجتهد أن يلقي إلى مقلّده أنّ الاحتياط في ترك الطهارة بالماء المستعمل مع كون الاحتياط في كثير من الموارد استعماله فقط أو الجمع بينه و بين غيره.

و بالجملة فتعليم موارد الاحتياط الشخصيّة و تعلّمها فضلا عن العمل بها أمر يكاد يلحق بالمتعذّر، و يظهر ذلك بالتأمّل في الوقائع الاتّفاقيّة.


صفحه 73

..........

و من أمثلة الجهة الثانية: أنّ الاحتياط في مسألة الجهر ببسم اللّه في الصلاة الإخفاتيّة أو الإخفات به على القولين بوجوبهما الإتيان بها مرّتين، و قد يكون ممّن لا يجد من الساتر الشرعي إلّا ما لا يقدر على تطهيره، فيجتمع عليه مع التكرار الأوّل في كلّ وقت مع ملاحظة الاحتياط بالصلاة عريانا و الصلاة بهذا الساتر أربع صلوات، و قد يكون مع ذلك ممّن عليه فائتة و حاضرة فيتضاعف العدد، و قد يكون ما عليه من الفائتة أزيد من صلاة واحدة، و قد يكون واحدة مردّدة بين الخمس على احتمال وجوب خمس صلوات أو ثلاث فيزيد على العدد ما يزيد بحسب ما عليه من العدد.

و مع هذا كلّه فكيف يقال: إنّ الشارع جعل الاحتياط- مع عدم انضباطه و استلزامه التعسّر المخلّ بالنظم، بل التعذّر في كثير من صوره- مرجعا في امتثال أحكامه لعامّة المكلّفين الّذين منهم النسوان و منهم الشّباب و منهم المرضى و منهم ضعفاء العقول الّذين يضعف عليهم معرفة كيفيّة الاحتياط و موارده الجزئيّة و متعارضاته و علاج التعارض الواقع فيها.

لكن قد يستشكل في إفادة ذلك مع الإجماع المتقدّم عموم حجّية الظنّ في جميع الوقائع المشتبهة من المظنونات و المشكوكات و الموهومات، بأنّ نفي الاحتياط بالإجماع و العسر لا يثبت إلّا أنّه لا يجب مراعاة جميع الاحتمالات مظنونها و مشكوكها و موهومها.

و يندفع العسر بترخيص موافقة الظنون المخالفة للاحتياط كلّا أو بعضا، بمعنى عدم وجوب مراعاة الاحتمالات الموهومة لأنّها الأولى بالإهمال، و إذا ساغ لدفع الحرج ترك الاحتياط في مقدار ما من المحتملات يندفع به العسر، فيبقى الاحتياط على حاله في الزائد على هذا المقدار، لما تقرّر في مسألة الاحتياط من أنّه إذا كان مقتضى الاحتياط هو الإتيان بمحتملات الوجوب و قام الدليل الشرعي على عدم وجوب إتيان بعض المحتملات في الظاهر تعيّن مراعاة الاحتياط في باقي المحتملات و لم تسقط وجوب الاحتياط رأسا.

و ملخّص ذلك: أنّ مقتضى القاعدة العقليّة و النقليّة لزوم الامتثال العلمي التفصيلي للأحكام و التكاليف المعلومة إجمالا، و مع تعذّره يتعيّن الامتثال العلمي الإجمالي و هو الاحتياط المطلق، و مع تعذّره لو دار الأمر بين الامتثال الظنّي في الكلّ و بين الامتثال العلمي الإجمالي في البعض و الظنّي في الباقي كان الثاني هو المتعيّن عقلا و نقلا.

ففيما نحن فيه إذا تعذّر الاحتياط الكلّي و دار الأمر بين إلغائه بالمرّة و الاكتفاء بالإطاعة الظنّية و بين إعماله في المشكوكات و المظنونات و إلغائه في الموهومات كان الثاني هو المتعيّن.


صفحه 74

..........

و دعوى لزوم الحرج أيضا من الاحتياط في المشكوكات خلاف الإنصاف لقلّة المشكوكات، لأنّ الغالب حصول الظنّ إمّا بالوجوب أو بالعدم، إلّا أن يدّعى قيام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات أيضا، بمعنى أنّ الشارح لا يريد الامتثال العلمي الإجمالي في التكاليف الواقعيّة المشتبهة بين الوقائع.

و حاصله: دعوى انعقاد الإجماع على أنّه لا يجب شرعا الإطاعة العلميّة الإجماليّة في الوقائع المشتبهة مطلقا لا في الكلّ و لا في البعض، و حينئذ تعيّن الانتقال إلى الإطاعة الظنّيّة، غير أنّ هذه الدعوى مشكلة جدّا و إن كان تحقّقه مظنونا لكنّه غير نافع ما لم ينته إلى العلم.

و يدفعه: أنّ ما ذكر إنّما يتمّ إذا ثبت وجوب الاحتياط تعبّدا من غير نظر فيه إلى إفادته الموافقة العلميّة الإجماليّة لجميع المعلومات بالإجمال و عدمها، و أمّا لو وجب لغاية أنّه يفيد الموافقة المذكورة بحيث لو لا إفادته لها لم يكن له مزيّة على ما يقابله من الطريق المحتمل و هو الظنّ المطلق في مفروض المقام، و كان هو و ذلك الطريق على نهج سواء في عدم إفادة الموافقة العلميّة لجميع الأحكام الواقعيّة المعلومة بالإجمال، ثمّ قام دليل شرعي على عدم وجوبه فيما لو خرج عن تحته لم يكن هو في ضمن الباقي مفيدا لحصول الغاية المطلوبة منه، فكشف ذلك عن عدم وجوبه رأسا حذرا عن نقض الغرض، نظير ما لو دلّ دليل على وجوب شيء ذي أفراد لغاية معيّنة لولاها لم يكن واجبا أصلا فقام دليل آخر على نفي الوجوب عمّا لو خرج من أفراده عن تحته لم تكن تلك الغاية مترتّبة عليه في ضمن باقي الأفراد، فإنّ ذلك يقضي بانتفاء الوجوب عنه رأسا.

و إن شئت فقل: إنّ هذا الدليل النافي لوجوب البعض بالقياس إلى ما دلّ على وجوب الكلّ نظير الوارد على دليل آخر الرافع لموضوع هذا الدليل، و معلوم أنّ الاحتياط بعد ما خرج عنه الوقائع الموهومة لم يكن هو في بقيّة الوقائع- و هي مظنونات الوجوب أو هي بضميمة مشكوكاته- موجبا للقطع الإجمالي بموافقة جميع الأحكام المعلومة بالإجمال.

و المفروض أنّ تعيّنه في حكم العقل في مقابلة مطلق الظنّ إنّما كان لأجل امتيازه عن الظنّ في اقتضائه القطع بموافقة جميع الأحكام.

و قضيّة نفي وجوبه عن أكثر مواقعه و هي موهومات الوجوب زوال هذا الامتياز عنه و مشاركته للظنّ في عدم اقتضاء القطع بموافقة الجميع، و ذلك من جهة أنّ القطع بموافقة


صفحه 75

..........

جميع الأحكام المعلومة بالإجمال بطريق الاحتياط لا يتأتّى إلّا بالإتيان بجميع ما يحتمل وجوبه في الشرع مستقلّا، و ترك جميع ما يحتمل حرمته كذلك، و مراعاة جميع ما يحتمل مدخليّته في العبادات بعنوان الجزئيّة أو الشرطيّة، و تكرار الواجبات فيما يتوقّف الاحتياط فيه على التكرار، و الاقتصار على مظنونات الوجوب أو هي مع المشكوكات مع الاعتراف بقلّتها في نفسها لا يقتضي شيئا من ذلك، بل لا يعقل معه التكرار فيما يتوقّف الاحتياط فيه على التكرار، إذ هو إنّما يتأتّى لو بنى على مراعاة جميع ما يحتمل مدخليّته في الواجبات و لو مرجوحا و المفروض إلغاء الاحتمالات الموهومة بأسرها، و هذا في الحقيقة تسمية احتياط لا أنّه احتياط حقيقة، و إنّما هو تطبيق للعمل بالظنّ في الوقائع المظنونة، و اعتبار الاحتياط فيه لا يعقل له معنى إلّا مقارنة العمل بنيّة الاحتياط، على معنى الإتيان بما ظنّ وجوبه أو مدخليّته في العبادة لرجاء كونه كذلك في الواقع، لا لأنّه مظنون كونه كذلك في الواقع.

و من المعلوم أنّ القائل بمرجعيّة الظنّ أيضا لا يقصد إلّا تطبيق العمل عليه بهذا العنوان، فالعمل بهذا الاحتياط ليس إلّا عملا بالظنّ و هو لا يوجب القطع بموافقة جميع التكاليف المعلومة بالإجمال، لجواز فوات جملة كثيرة من واجبات هذا المعلوم بالإجمال بترك الوقائع الموهومة وجوبها.

نعم يحصل العلم بإدراك جملة من واجبات هذا المعلوم بالإجمال في ضمن مراعاة الوقائع المظنونة أو هي مع المشكوكة، و هذا لازم الحصول بكلّ من تقديري تسمية ذلك عملا بالاحتياط المنوي حين العمل و تسميته عملا بالظنّ، فلا بدّ في المقام إمّا من الالتزام بالعسر الموجب لاختلال النظم، بل بالعذر المتحقّق في كثير من الصور تحصيلا للموافقة العلميّة لجميع الواجبات و المحرّمات المعلومة بالإجمال، أو من القول بأنّ الشارع بعد تعذّر الموافقة العلميّة التفصيليّة لا يريد من المكلّفين الامتثال العلمي الإجمالي في التكاليف الواقعيّة المشتبهة بين الوقائع، بل يكتفي منهم بالامتثال الظنّي التفصيلي في خصوص كلّ واقعة ظنّية و إن استلزم ذلك العلم الإجمالي بامتثال جملة غير معيّنة من التكاليف الواقعيّة المشتبهة، و لأجل ذلك ارتفع العلم الإجمالي بوجود التكاليف الواقعيّة فيما بين الوقائع بعد الأخذ بجميع الوقائع المظنونة بالنسبة إلى ما عداها ممّا لم يحصل فيه ظنّ أصلا بفقد أمارة أو كونها مشغولة بالمعارض المساوي، أو حصل فيه الظنّ بخلاف التكليف المحتمل، و الأوّل


صفحه 76

..........

ممّا لا سبيل إليه بالعقل و النقل فتعيّن الثاني، و ليس هذا إلّا معنى كون المرجع في صورة انسداد باب العلم بمعظم الأحكام الشرعيّة هو الظنّ المطلق.

و ممّا يفصح عن صحّة ما قلناه أنّ أصل البراءة أصل قطعيّ قرّره الشارع لنفي التكليف المحتمل عند انتفاء العلم بالمعنى الأعمّ من الشرعي، مستفاد من العقل القاطع و الكتاب و السنّة و الإجماع حتّى من الأخباريّين في الجملة كما في الشبهات الوجوبيّة، فلو كان المرجع في امتثال التكاليف الواقعيّة هو الاحتياط الموجب للامتثال العلمي الإجمالي لقضى بخروج هذا الأصل المحكّم بلا مورد، لأنّ الاحتياط على هذا التقدير علم شرعي سار في جميع الوقائع، و هو معلّق على انتفاء العلم بهذا المعنى أيضا و هو كما ترى.

و إلغاء الاحتياط فيما يؤدّي من الوقائع المشتبهة إلى العسر و الحرج حذرا عنهما كما في الوقائع الموهومة مثلا، أو هي مع المشكوكة و إن استلزم الرخصة في البناء على انتفاء التكليف، إلّا أنّه ليس من باب الاستناد إلى الأصل القطعي، بل هو استناد إلى أصل آخر قطعي و هو قاعدة نفي العسر و الحرج و هو طريق آخر لنفي التكليف، و لا مدخل له في أصل البراءة.

و لو قلنا بأنّ الظنّ ممّا ألغاه الشارع رأسا مع أنّ الفرض فرض انسداد باب العلم في المعظم و عدم وجود طرق اخر اعتبرها الشارع لامتثال أحكامه كما هو المفروض في مقام التكلّم عن حجّية الظنّ، لزم كون معظم الوقائع المشتبهة من مورد الأصل، لانتفاء العلم بالمعنى الأعمّ فيها على هذا التقدير، و يلزم من إعماله فيها حينئذ مخالفة العلم الإجمالي المتعلّق بالتكاليف الواقعيّة و هي غير سائغة في حكم العقل و الشرع لكونها خروجا عن الدين، فلا جرم يجب الالتزام بأنّ الشارع قرّر لامتثال هذه التكاليف طريقا لو اخذ به لم يلزم المخالفة المذكورة و لا خروج الأصل بلا مورد، و ليس هذا الطريق على الفرض إلّا الظنّ المطلق المتعلّق بالواقع أو الطريق الّذي ثبت طريقيّته بالظنّ من الطرق المقرّرة المعهودة كخبر الواحد و الإجماع المنقول و الشهرة و الأولويّة الظنّية، بناء على عدم قيام قاطع بحجّيتها، و على أنّ في امتثال أحكامه الواقعيّة بطريق الظنّ لا فرق بين الظنّ المتعلّق بنفس الواقع أو بما هو طريق إلى الواقع على قول كما تقدّم في محلّه.

و حينئذ يختصّ الأصل المذكور بموارد انتفاء الظنّ الّذي هو علم شرعي على هذا، و لا يلزم معه محذور من مخالفة العلم المخرجة عن الدين و غيرها، لعدم بقاء العلم الإجمالي


صفحه 77

..........

المذكور بالقياس إلى غير المظنونات بعد موافقة المظنونات، كما أنّه على تقدير وجود طرق اخر معتبرة بعنوان القطع كان الأصل مختصّا بالموارد الخالية عنها، و الموارد الّتي وجد فيها شيء منها مع مزاحمة مثله له المانعة من إعماله و إعمال مزاحمه من غير لزوم محذور.

فإن قلت: حصول المورد للأصل المذكور بالقياس إلى أصحاب الأئمّة و الموجودين في زمانهم كما هو المفروض- لوجود الطرق المعتبرة بالنسبة إليهم كرواياتهم المعلومة لديهم و المنصوبين في أطراف البلاد من قبلهم لإرشاد الناس- كاف في اندفاع ما ذكر من المحذور.

قلت: مرجع هذا الكلام إلى دعوى اختصاص هذا الأصل بالمذكورين، و إنّ الشارع لم يقصد بتقريره له ما يعمّهم و الموجودين في أزمنة الغيبة المنسدّ لهم باب العلم الغير المتمكّنين عن غيره من الطرق المعتبرة.

و فيه:- مع أنّه تقييد في مطلقات أدلّة هذا الأصل و تخصيص في عموماتها كما لا يخفى على من يلاحظها، و لا دليل على شيء من الأمرين بل هو باطل بالإجماع على عدم الفرق، كما يعلم ذلك من ملاحظة الكتب الاستدلاليّة في الفقه- أنّه باطل بالأولويّة القطعيّة، ضرورة أنّ الانقطاع عن الأئمّة و عن الطرق الّتي اعتبروها بالخصوص آكد في اقتضاء تأسيس هذا الأصل و تقريره كما يظهر للمنصف.

هذا خلاصة دليل الانسداد القاضي بحجّيّة الظنّ و جواز التعويل عليه في إطاعة اللّه تعالى و امتثال أحكامه، قرّرناه هنا على حسب ما اقتضاه المجال، و تفصيله مع النقوض و الإبرامات المتعلّقة به يطلب من محلّه، لكن لا بأس بالتعرّض لعمدة ما اورد عليه ممّا هو يناسب المقام، المقصود منه دفع شبه الأخباريّة في إنكارهم حجّية الظنون الاجتهاديّة.

[دفع الإيرادات الواردة على دليل الانسداد]

فعمدة ما يناسب المقام ممّا يرد عليه منع الانسداد الّذي هو العمدة من مقدّمات هذا الدليل، و هذا المنع يقرّر من وجهين:

أحدهما: ما ينسب إلى منكري حجّية أخبار الآحاد كالسيّد و الحلّي و أحزابهما من دعوى قطعيّة الأحكام بالكتاب و الإجماع و الأخبار المفيدة للعلم بتواتر أو استفاضة أو غير ذلك من القرائن القطعيّة الداخلة و الخارجة.

و هذه الدعوى بالنسبة إلى الأزمنة المتأخّرة عن زمن هؤلاء إلى زماننا هذا واضح الاندفاع، لقضاء ضرورة الوجدان بخلافها، مع انقطاع هذا القول في هذه الأزمنة و عدم وجود قائل به بعدهم ممّن يعتدّ بقوله. و أمّا بالنسبة إلى زمنهم فهم أعرف بحقيقة ما ادّعوه و ليس