بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 74

..........

و دعوى لزوم الحرج أيضا من الاحتياط في المشكوكات خلاف الإنصاف لقلّة المشكوكات، لأنّ الغالب حصول الظنّ إمّا بالوجوب أو بالعدم، إلّا أن يدّعى قيام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات أيضا، بمعنى أنّ الشارح لا يريد الامتثال العلمي الإجمالي في التكاليف الواقعيّة المشتبهة بين الوقائع.

و حاصله: دعوى انعقاد الإجماع على أنّه لا يجب شرعا الإطاعة العلميّة الإجماليّة في الوقائع المشتبهة مطلقا لا في الكلّ و لا في البعض، و حينئذ تعيّن الانتقال إلى الإطاعة الظنّيّة، غير أنّ هذه الدعوى مشكلة جدّا و إن كان تحقّقه مظنونا لكنّه غير نافع ما لم ينته إلى العلم.

و يدفعه: أنّ ما ذكر إنّما يتمّ إذا ثبت وجوب الاحتياط تعبّدا من غير نظر فيه إلى إفادته الموافقة العلميّة الإجماليّة لجميع المعلومات بالإجمال و عدمها، و أمّا لو وجب لغاية أنّه يفيد الموافقة المذكورة بحيث لو لا إفادته لها لم يكن له مزيّة على ما يقابله من الطريق المحتمل و هو الظنّ المطلق في مفروض المقام، و كان هو و ذلك الطريق على نهج سواء في عدم إفادة الموافقة العلميّة لجميع الأحكام الواقعيّة المعلومة بالإجمال، ثمّ قام دليل شرعي على عدم وجوبه فيما لو خرج عن تحته لم يكن هو في ضمن الباقي مفيدا لحصول الغاية المطلوبة منه، فكشف ذلك عن عدم وجوبه رأسا حذرا عن نقض الغرض، نظير ما لو دلّ دليل على وجوب شيء ذي أفراد لغاية معيّنة لولاها لم يكن واجبا أصلا فقام دليل آخر على نفي الوجوب عمّا لو خرج من أفراده عن تحته لم تكن تلك الغاية مترتّبة عليه في ضمن باقي الأفراد، فإنّ ذلك يقضي بانتفاء الوجوب عنه رأسا.

و إن شئت فقل: إنّ هذا الدليل النافي لوجوب البعض بالقياس إلى ما دلّ على وجوب الكلّ نظير الوارد على دليل آخر الرافع لموضوع هذا الدليل، و معلوم أنّ الاحتياط بعد ما خرج عنه الوقائع الموهومة لم يكن هو في بقيّة الوقائع- و هي مظنونات الوجوب أو هي بضميمة مشكوكاته- موجبا للقطع الإجمالي بموافقة جميع الأحكام المعلومة بالإجمال.

و المفروض أنّ تعيّنه في حكم العقل في مقابلة مطلق الظنّ إنّما كان لأجل امتيازه عن الظنّ في اقتضائه القطع بموافقة جميع الأحكام.

و قضيّة نفي وجوبه عن أكثر مواقعه و هي موهومات الوجوب زوال هذا الامتياز عنه و مشاركته للظنّ في عدم اقتضاء القطع بموافقة الجميع، و ذلك من جهة أنّ القطع بموافقة


صفحه 75

..........

جميع الأحكام المعلومة بالإجمال بطريق الاحتياط لا يتأتّى إلّا بالإتيان بجميع ما يحتمل وجوبه في الشرع مستقلّا، و ترك جميع ما يحتمل حرمته كذلك، و مراعاة جميع ما يحتمل مدخليّته في العبادات بعنوان الجزئيّة أو الشرطيّة، و تكرار الواجبات فيما يتوقّف الاحتياط فيه على التكرار، و الاقتصار على مظنونات الوجوب أو هي مع المشكوكات مع الاعتراف بقلّتها في نفسها لا يقتضي شيئا من ذلك، بل لا يعقل معه التكرار فيما يتوقّف الاحتياط فيه على التكرار، إذ هو إنّما يتأتّى لو بنى على مراعاة جميع ما يحتمل مدخليّته في الواجبات و لو مرجوحا و المفروض إلغاء الاحتمالات الموهومة بأسرها، و هذا في الحقيقة تسمية احتياط لا أنّه احتياط حقيقة، و إنّما هو تطبيق للعمل بالظنّ في الوقائع المظنونة، و اعتبار الاحتياط فيه لا يعقل له معنى إلّا مقارنة العمل بنيّة الاحتياط، على معنى الإتيان بما ظنّ وجوبه أو مدخليّته في العبادة لرجاء كونه كذلك في الواقع، لا لأنّه مظنون كونه كذلك في الواقع.

و من المعلوم أنّ القائل بمرجعيّة الظنّ أيضا لا يقصد إلّا تطبيق العمل عليه بهذا العنوان، فالعمل بهذا الاحتياط ليس إلّا عملا بالظنّ و هو لا يوجب القطع بموافقة جميع التكاليف المعلومة بالإجمال، لجواز فوات جملة كثيرة من واجبات هذا المعلوم بالإجمال بترك الوقائع الموهومة وجوبها.

نعم يحصل العلم بإدراك جملة من واجبات هذا المعلوم بالإجمال في ضمن مراعاة الوقائع المظنونة أو هي مع المشكوكة، و هذا لازم الحصول بكلّ من تقديري تسمية ذلك عملا بالاحتياط المنوي حين العمل و تسميته عملا بالظنّ، فلا بدّ في المقام إمّا من الالتزام بالعسر الموجب لاختلال النظم، بل بالعذر المتحقّق في كثير من الصور تحصيلا للموافقة العلميّة لجميع الواجبات و المحرّمات المعلومة بالإجمال، أو من القول بأنّ الشارع بعد تعذّر الموافقة العلميّة التفصيليّة لا يريد من المكلّفين الامتثال العلمي الإجمالي في التكاليف الواقعيّة المشتبهة بين الوقائع، بل يكتفي منهم بالامتثال الظنّي التفصيلي في خصوص كلّ واقعة ظنّية و إن استلزم ذلك العلم الإجمالي بامتثال جملة غير معيّنة من التكاليف الواقعيّة المشتبهة، و لأجل ذلك ارتفع العلم الإجمالي بوجود التكاليف الواقعيّة فيما بين الوقائع بعد الأخذ بجميع الوقائع المظنونة بالنسبة إلى ما عداها ممّا لم يحصل فيه ظنّ أصلا بفقد أمارة أو كونها مشغولة بالمعارض المساوي، أو حصل فيه الظنّ بخلاف التكليف المحتمل، و الأوّل


صفحه 76

..........

ممّا لا سبيل إليه بالعقل و النقل فتعيّن الثاني، و ليس هذا إلّا معنى كون المرجع في صورة انسداد باب العلم بمعظم الأحكام الشرعيّة هو الظنّ المطلق.

و ممّا يفصح عن صحّة ما قلناه أنّ أصل البراءة أصل قطعيّ قرّره الشارع لنفي التكليف المحتمل عند انتفاء العلم بالمعنى الأعمّ من الشرعي، مستفاد من العقل القاطع و الكتاب و السنّة و الإجماع حتّى من الأخباريّين في الجملة كما في الشبهات الوجوبيّة، فلو كان المرجع في امتثال التكاليف الواقعيّة هو الاحتياط الموجب للامتثال العلمي الإجمالي لقضى بخروج هذا الأصل المحكّم بلا مورد، لأنّ الاحتياط على هذا التقدير علم شرعي سار في جميع الوقائع، و هو معلّق على انتفاء العلم بهذا المعنى أيضا و هو كما ترى.

و إلغاء الاحتياط فيما يؤدّي من الوقائع المشتبهة إلى العسر و الحرج حذرا عنهما كما في الوقائع الموهومة مثلا، أو هي مع المشكوكة و إن استلزم الرخصة في البناء على انتفاء التكليف، إلّا أنّه ليس من باب الاستناد إلى الأصل القطعي، بل هو استناد إلى أصل آخر قطعي و هو قاعدة نفي العسر و الحرج و هو طريق آخر لنفي التكليف، و لا مدخل له في أصل البراءة.

و لو قلنا بأنّ الظنّ ممّا ألغاه الشارع رأسا مع أنّ الفرض فرض انسداد باب العلم في المعظم و عدم وجود طرق اخر اعتبرها الشارع لامتثال أحكامه كما هو المفروض في مقام التكلّم عن حجّية الظنّ، لزم كون معظم الوقائع المشتبهة من مورد الأصل، لانتفاء العلم بالمعنى الأعمّ فيها على هذا التقدير، و يلزم من إعماله فيها حينئذ مخالفة العلم الإجمالي المتعلّق بالتكاليف الواقعيّة و هي غير سائغة في حكم العقل و الشرع لكونها خروجا عن الدين، فلا جرم يجب الالتزام بأنّ الشارع قرّر لامتثال هذه التكاليف طريقا لو اخذ به لم يلزم المخالفة المذكورة و لا خروج الأصل بلا مورد، و ليس هذا الطريق على الفرض إلّا الظنّ المطلق المتعلّق بالواقع أو الطريق الّذي ثبت طريقيّته بالظنّ من الطرق المقرّرة المعهودة كخبر الواحد و الإجماع المنقول و الشهرة و الأولويّة الظنّية، بناء على عدم قيام قاطع بحجّيتها، و على أنّ في امتثال أحكامه الواقعيّة بطريق الظنّ لا فرق بين الظنّ المتعلّق بنفس الواقع أو بما هو طريق إلى الواقع على قول كما تقدّم في محلّه.

و حينئذ يختصّ الأصل المذكور بموارد انتفاء الظنّ الّذي هو علم شرعي على هذا، و لا يلزم معه محذور من مخالفة العلم المخرجة عن الدين و غيرها، لعدم بقاء العلم الإجمالي


صفحه 77

..........

المذكور بالقياس إلى غير المظنونات بعد موافقة المظنونات، كما أنّه على تقدير وجود طرق اخر معتبرة بعنوان القطع كان الأصل مختصّا بالموارد الخالية عنها، و الموارد الّتي وجد فيها شيء منها مع مزاحمة مثله له المانعة من إعماله و إعمال مزاحمه من غير لزوم محذور.

فإن قلت: حصول المورد للأصل المذكور بالقياس إلى أصحاب الأئمّة و الموجودين في زمانهم كما هو المفروض- لوجود الطرق المعتبرة بالنسبة إليهم كرواياتهم المعلومة لديهم و المنصوبين في أطراف البلاد من قبلهم لإرشاد الناس- كاف في اندفاع ما ذكر من المحذور.

قلت: مرجع هذا الكلام إلى دعوى اختصاص هذا الأصل بالمذكورين، و إنّ الشارع لم يقصد بتقريره له ما يعمّهم و الموجودين في أزمنة الغيبة المنسدّ لهم باب العلم الغير المتمكّنين عن غيره من الطرق المعتبرة.

و فيه:- مع أنّه تقييد في مطلقات أدلّة هذا الأصل و تخصيص في عموماتها كما لا يخفى على من يلاحظها، و لا دليل على شيء من الأمرين بل هو باطل بالإجماع على عدم الفرق، كما يعلم ذلك من ملاحظة الكتب الاستدلاليّة في الفقه- أنّه باطل بالأولويّة القطعيّة، ضرورة أنّ الانقطاع عن الأئمّة و عن الطرق الّتي اعتبروها بالخصوص آكد في اقتضاء تأسيس هذا الأصل و تقريره كما يظهر للمنصف.

هذا خلاصة دليل الانسداد القاضي بحجّيّة الظنّ و جواز التعويل عليه في إطاعة اللّه تعالى و امتثال أحكامه، قرّرناه هنا على حسب ما اقتضاه المجال، و تفصيله مع النقوض و الإبرامات المتعلّقة به يطلب من محلّه، لكن لا بأس بالتعرّض لعمدة ما اورد عليه ممّا هو يناسب المقام، المقصود منه دفع شبه الأخباريّة في إنكارهم حجّية الظنون الاجتهاديّة.

[دفع الإيرادات الواردة على دليل الانسداد]

فعمدة ما يناسب المقام ممّا يرد عليه منع الانسداد الّذي هو العمدة من مقدّمات هذا الدليل، و هذا المنع يقرّر من وجهين:

أحدهما: ما ينسب إلى منكري حجّية أخبار الآحاد كالسيّد و الحلّي و أحزابهما من دعوى قطعيّة الأحكام بالكتاب و الإجماع و الأخبار المفيدة للعلم بتواتر أو استفاضة أو غير ذلك من القرائن القطعيّة الداخلة و الخارجة.

و هذه الدعوى بالنسبة إلى الأزمنة المتأخّرة عن زمن هؤلاء إلى زماننا هذا واضح الاندفاع، لقضاء ضرورة الوجدان بخلافها، مع انقطاع هذا القول في هذه الأزمنة و عدم وجود قائل به بعدهم ممّن يعتدّ بقوله. و أمّا بالنسبة إلى زمنهم فهم أعرف بحقيقة ما ادّعوه و ليس


صفحه 78

..........

علينا التجشّم لاستعلام صحّة ذلك أو فساده، مع عدم جدواه في حالنا و لا سبيل لنا أيضا إلى معرفة حالهم و أوضاع زمنهم.

و ثانيهما: ما هو المعروف عن الأخباريّة المعزى إلى أكثرهم من قطعيّة الصدور في كتب الأخبار المتداولة بين أصحابنا أو خصوص الأربعة المعروفة منها، بزعم استفاد ذلك من امور يأتي إليها و إلى ضعفها الإشارة.

و في كلام بعض أصحابنا: أنّ أوّل من فتح هذا الباب الأمين الأسترآبادي فتبعه غيره.

و قد يقال: لعلّ هذه الدعوى إنّما صدرت لدفع ما أورده المجتهدون على إيرادهم عليهم في استعمالهم الظنّ- كما نطق به حدّ الاجتهاد- المذموم في بعض الأخبار، من أنّكم لا تسلمون عن استعمال الظنّ، لأنّ أخبار الآحاد كلّها ظنّيّة السند و الدلالة، فالتزموا بقطعيّة السند بل الدلالة أيضا تفصّيا عن الإشكال.

و كيف كان فهذه الدعوى صدرت أوّلا من أمينهم الأسترآبادي في منع الحاجة في العمل بالأخبار إلى علم الرجال أوردناها هنا لتعلّقها بالمقام أيضا.

فقال: «إنّ أحاديثنا كلّها قطعيّة الصدور عن الأئمّة(عليهم السلام)فلا حاجة إلى ملاحظة أسانيدها.

أمّا الكبرى: فظاهرة، و أمّا الصغرى: فلأنّ أحاديثنا محفوفة بقرائن مفيدة لذلك.

منها: القرائن الحاليّة و المقاليّة في متونها و اعتضاد بعضها ببعض، و كون الراوي ثقة في نفسه أو في الرواية، غير راض بالافتراء، و لا متسامح في أمر الدين فيأخذ الرواية من غير ثقة أو مع فقد قرينة الاعتبار.

و منها: نقل العالم الثقة الورع- في كتابه المؤلّف لهداية الناس و إرشادهم و رجوع الشيعة إليه- أصل رجل أو روايته على ظنّ مع تمكّنه من استعلام حال ذلك الأصل أو تلك الرواية، و أخذ الأحكام بطريق القطع عنهم(عليهم السلام).

و منها: تمسّكه بأحاديث ذلك الأصل أو بتلك الرواية، مع تمكّنه من أن يتمسّك بروايات اخر صحيحة.

و منها: أن يكون راويه أحد من الجماعة الّتي أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم.

و منها: كونه ممّن نصّ في الروايات على توثيقه و أمر بالأخذ منه و من كتابه، أو أنّه المأمون في أمر الدين و الدنيا.


صفحه 79

..........

و منها: وجودها في أحد الكتب الأربعة الكافي و الفقيه و التهذيب و الاستبصار، لشهادة مؤلّفيها بصحّة ما فيها من الأخبار، و انّهم أخذوها من الكتب المعتمدة و الاصول المعتبرة الّتي إليها المرجع و عليها المعوّل»[1].

قال العلّامة البهبهاني في رسالته في الاجتهاد و الأخبار: و ذكر في بيان شهادتهم ما ذكره ابن بابويه في أوّل الفقيه و الكليني في أوّل الكافي.

و أمّا الشيخ فنقل عنه أنّه ذكر في العدّة: أنّ ما عملت به من الأخبار فهو صحيح.

و نقل عن الفاضل التوني أنّه قال: تصفّحت العدّة فما رأيت هذا الكلام فيه.

ثمّ قال أيضا: إنّ الشيخ كغيره كان متمكّنا من إيراد الأخبار الصحيحة، فلا وجه لتلفيقه بين الصحيحة و الضعيفة.

و عن الشيخ الفاضل الكامل الحرّ العاملي في آخر الوسائل أنّه ذكر في ضعف الاستدلال على تقسيم الأحاديث إلى صحيح و موثّق و حسن و ضعيف الّذي تجدّد في زمان العلّامة و شيخه أحمد بن طاوس وجوها تعرّض لذكر عمدتها بعضهم، و لا بأس بإيرادها لتعلّقها بالمقام.

أحدها: أنّ المعلوم بالتواتر و الأخبار المحفوفة بقرائن القطع أنّه كان دأب القدماء في مدّة تزيد على ثلاثمائة سنة ضبط الأحاديث و تدوينها في مجالس الأئمّة(عليهم السلام)و غيرها، و كانت هممهم على تأليف ما يعمل به الطائفة المحقّة و عرضه على الأئمّة(عليهم السلام).

و قد استمرّ ذلك إلى زمن تأليف الكتب الأربعة حتّى بقيت جملة منها بعد ذلك، و هذه الأربعة منقولة من تلك الاصول المعتمدة بشهادة أربابها الثقات، و لغاية بعد تأليفهم من غيرها مع تمكّنهم منها و من تميّز ما هو المعتبر عن غيرها غاية التمكّن، مع علمهم بعدم اعتبار الظنّ في الأحكام الشرعيّة مع التمكّن من العلم و التبيّن، و المعلوم من وثاقتهم و جلالتهم عدم التقصير في ذلك، كيف و أهل التواريخ لا يأخذون القصص من كتاب أو شخص غير معتمد مع التمكّن من الأخذ عن المعتمد فما الظنّ بهؤلاء المشايخ العظام، و على فرض أخذهم من الكتب الغير المعتبرة كيف يدلّسون بل يشهدون بصحّة جميع ما نقلوه و كونه حجّة بينهم و بين ربّهم.

و ثانيها: أنّ مقتضى الحكمة الربّانيّة و شفقة الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)أن لا يضيّع

[1]الفوائد المدنيّة: 178- 177.


صفحه 80

..........

من في أصلاب الرجال من الامّة و يتركوا حيارى يلتجئون إلى التشبّث بظنون واقية، بل مهّد لهم اصول معتبرة يعملون بها في الغيبة كما هو الواقع و المعلوم بالتتبّع في أحوالهم و التأمّل في الأحاديث الكثيرة الدالّة على أنّهم أمروا أصحابهم بكتابة ما يسمعونه منهم و تأليفه و العمل به في الحضور و الغيبة بالنصّ عليها بقولهم: «سيأتي زمان لا يستأنسون فيه إلّا بكتبهم».

و في الأحاديث الكثيرة الدالّة على اعتبار تلك الكتب و الأمر بالعمل بها، و على أنّها عرضت على الأئمّة(عليهم السلام)فمدحوها و مدحوا صاحبها، و قد نصّ المحقّق بأنّ كتاب يونس ابن عبد الرحمن و كتاب الفضل بن شاذان كانا عنده، و ذكر علماء الرجال أنّهما عرضا عليهم(عليهم السلام)، فما الظنّ بأرباب الأربعة؟

و قد صرّح الصدوق في مواضع بأنّ كتاب محمّد بن الحسن الصفّار المشتمل على مسائل و جوابات العسكري(عليه السلام)كان عنده بخطّه الشريف، و كذا كتاب عبد اللّه بن عليّ الحلبي المعروض على الصادق(عليه السلام)، ثمّ رأيناهم يرجّحون كثيرا ما حديثا مرويّا في غير الكتاب المعروض على الحديث الّذي فيه، و هذا لا يتّجه إلّا بأنّهم جازمون بكونه في الاعتبار و صحّة الصدور كالكتاب المعروض، إلى آخر ما ذكره.

و ثالثها: الوجه الأخير من الوجوه المتقدّمة مصرّحا فيه بحصول القطع العادي من شهاداتهم- كالعلم بأنّ الجبل لم ينقلب ذهبا- و قال: إنّه لاتّفاق الشهادات و غير ذلك أولى من نقل ثقة واحد كالمحقّق و الشهيدين لفتوى من فتاوى أبي حنيفة في كتابه، مع أنّا نرى حصول العلم لنا بذلك فكيف لا يحصل بشهادة الجماعة ... إلخ.

و الجواب أمّا عن الأوّل: فبأنّ القرائن الحاليّة تحصل غالبا حال الخطاب، فاطّلاع من ليس حاضرا مجلس الخطاب عليها بحسب العادة بعيد، و على فرض الاطّلاع عليها أو على القرائن المقاليّة فأيّ قرينة منهما توجد في المتن و ترجع إلى إحراز السند و مع ذلك تفيد العلم بالصدور؟ فلا بدّ له من ذكر مثال حتّى يلاحظ فيما هو حقيقة الحال، و إلّا فالغالب في القرائن الموجودة في المتن رجوعها إلى إحراز الدلالة و هي ظنّيّة غالبا، و على فرض كونها علميّة بحسب ذواتها فإفادتها العلم بالدلالة على أنّها حكم اللّه النفس الأمري مبنيّ على إحراز السند بطريق العلم بالصدور، و على فرض رجوعها إلى السند تبقى الدلالة موقوفة على إعمال ظنون اجتهاديّة كثيرة، إذ لا ملازمة بين القطع بالصدور و القطع بل الظنّ


صفحه 81

..........

بالدلالة، و على فرض وجود ما يحرز به الدلالة أيضا من القرائن- حاليّة أو مقاليّة- فهو أيضا في الغالب ظنّي خصوصا إذا كانت مقاليّة، و كون الظنون الراجعة إلى الدلالة في الاعتبار كالعلم على معنى كونها معتبرة من باب الظنّ الخاصّ لعلّه مخصوص بمن له الخطاب أو من حضر مجلس الخطاب.

و مع الغضّ عن ذلك فالقرائن المحرزة للسند المفيدة للعلم بالصدور- على فرض وجودها- إنّما تكون غالبا من الامور الخارجة عن الخبر من غير مدخل لها في المتن، و وجودها بالنسبة إلى أخبارنا الموجودة اليوم في غاية الندرة لو سلّمنا أصل الوجود.

و اعتضاد الأخبار بعضها ببعض، إن اريد به ما يبلغ حدّ التواتر لفظا أو معنى، أو الاستفاضة الملزومة للعلم و لو بمعونة بعض القرائن الداخلة أو الخارجة، فيتّفق ذلك نادرا فيما بين الأخبار الموجودة الآن؛ و لو اريد به ما دون ذلك فإفادته القطع بالصدور بعيد، خصوصا إذا حصل بين خبرين عارضهما ثالث كما هو الغالب.

نعم إنّما يوجب الاعتضاد حينئذ قوّة و ترجيحا لو لم يزاحمه ما يوجب قوّة في المعارض، كما يلاحظ ذلك كثيرا في الخبر الضعيف المنجبر بالعمل، الموجب لطرح معارضاته و لو كانت أخبارا صحيحة.

و كون الراوي ثقة في نفسه أو في الرواية غير مستلزم للعلم بالصدق جزما بل هو أمارة غالبيّة للظنّ به.

بل الراوي الثقة كثيرا ما لا يكون على قطع بالصدور في روايته، لجواز أخذه لها ممّن يثق به تعبّدا أو ظنّا خاصّا أو مطلقا أو من غيره ظنّا مطلقا، و فرض القطع له لا يستلزم حصول القطع لنا كما هو المقصود إذا كانت الشبهة ناشئة عمّا لا ينافي الوثاقة كالسهو و النسيان و الذهول عن القرينة، أو خفائها المحتملة في حقّ كلّ ثقة بلغ في الوثاقة ما بلغ.

و احتمال هذه الامور و إن كان لا يلتفت إليه في الغالب من جهة الأصل المعمول به عند العقلاء، لكنّه حيثما كان قائما مناف للعلم و الأصل لا يجدي في نفيه.

هذا كلّه على تقدير أن يحصل لنا العلم بوثاقته، و إلّا فالغالب ثبوتها بطريق الظنّ الاجتهادي، و ثبوتها في بعض الأحيان بامور تعبّدية من قول العدل و نحوه لا يستلزم كونه بطريق القطع، فكيف يعقل حينئذ حصول القطع لنا بالصدور بمجرّد وثاقة الراوي، مع كون النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات، و الغالب في رواة أخبارنا ثبوت وثاقتها بالظنون المطلقة أو الامور التعبّديّة.