..........
و منها: وجودها في أحد الكتب الأربعة الكافي و الفقيه و التهذيب و الاستبصار، لشهادة مؤلّفيها بصحّة ما فيها من الأخبار، و انّهم أخذوها من الكتب المعتمدة و الاصول المعتبرة الّتي إليها المرجع و عليها المعوّل»[1].
قال العلّامة البهبهاني في رسالته في الاجتهاد و الأخبار: و ذكر في بيان شهادتهم ما ذكره ابن بابويه في أوّل الفقيه و الكليني في أوّل الكافي.
و أمّا الشيخ فنقل عنه أنّه ذكر في العدّة: أنّ ما عملت به من الأخبار فهو صحيح.
و نقل عن الفاضل التوني أنّه قال: تصفّحت العدّة فما رأيت هذا الكلام فيه.
ثمّ قال أيضا: إنّ الشيخ كغيره كان متمكّنا من إيراد الأخبار الصحيحة، فلا وجه لتلفيقه بين الصحيحة و الضعيفة.
و عن الشيخ الفاضل الكامل الحرّ العاملي في آخر الوسائل أنّه ذكر في ضعف الاستدلال على تقسيم الأحاديث إلى صحيح و موثّق و حسن و ضعيف الّذي تجدّد في زمان العلّامة و شيخه أحمد بن طاوس وجوها تعرّض لذكر عمدتها بعضهم، و لا بأس بإيرادها لتعلّقها بالمقام.
أحدها: أنّ المعلوم بالتواتر و الأخبار المحفوفة بقرائن القطع أنّه كان دأب القدماء في مدّة تزيد على ثلاثمائة سنة ضبط الأحاديث و تدوينها في مجالس الأئمّة(عليهم السلام)و غيرها، و كانت هممهم على تأليف ما يعمل به الطائفة المحقّة و عرضه على الأئمّة(عليهم السلام).
و قد استمرّ ذلك إلى زمن تأليف الكتب الأربعة حتّى بقيت جملة منها بعد ذلك، و هذه الأربعة منقولة من تلك الاصول المعتمدة بشهادة أربابها الثقات، و لغاية بعد تأليفهم من غيرها مع تمكّنهم منها و من تميّز ما هو المعتبر عن غيرها غاية التمكّن، مع علمهم بعدم اعتبار الظنّ في الأحكام الشرعيّة مع التمكّن من العلم و التبيّن، و المعلوم من وثاقتهم و جلالتهم عدم التقصير في ذلك، كيف و أهل التواريخ لا يأخذون القصص من كتاب أو شخص غير معتمد مع التمكّن من الأخذ عن المعتمد فما الظنّ بهؤلاء المشايخ العظام، و على فرض أخذهم من الكتب الغير المعتبرة كيف يدلّسون بل يشهدون بصحّة جميع ما نقلوه و كونه حجّة بينهم و بين ربّهم.
و ثانيها: أنّ مقتضى الحكمة الربّانيّة و شفقة الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)أن لا يضيّع
[1]الفوائد المدنيّة: 178- 177.
..........
من في أصلاب الرجال من الامّة و يتركوا حيارى يلتجئون إلى التشبّث بظنون واقية، بل مهّد لهم اصول معتبرة يعملون بها في الغيبة كما هو الواقع و المعلوم بالتتبّع في أحوالهم و التأمّل في الأحاديث الكثيرة الدالّة على أنّهم أمروا أصحابهم بكتابة ما يسمعونه منهم و تأليفه و العمل به في الحضور و الغيبة بالنصّ عليها بقولهم: «سيأتي زمان لا يستأنسون فيه إلّا بكتبهم».
و في الأحاديث الكثيرة الدالّة على اعتبار تلك الكتب و الأمر بالعمل بها، و على أنّها عرضت على الأئمّة(عليهم السلام)فمدحوها و مدحوا صاحبها، و قد نصّ المحقّق بأنّ كتاب يونس ابن عبد الرحمن و كتاب الفضل بن شاذان كانا عنده، و ذكر علماء الرجال أنّهما عرضا عليهم(عليهم السلام)، فما الظنّ بأرباب الأربعة؟
و قد صرّح الصدوق في مواضع بأنّ كتاب محمّد بن الحسن الصفّار المشتمل على مسائل و جوابات العسكري(عليه السلام)كان عنده بخطّه الشريف، و كذا كتاب عبد اللّه بن عليّ الحلبي المعروض على الصادق(عليه السلام)، ثمّ رأيناهم يرجّحون كثيرا ما حديثا مرويّا في غير الكتاب المعروض على الحديث الّذي فيه، و هذا لا يتّجه إلّا بأنّهم جازمون بكونه في الاعتبار و صحّة الصدور كالكتاب المعروض، إلى آخر ما ذكره.
و ثالثها: الوجه الأخير من الوجوه المتقدّمة مصرّحا فيه بحصول القطع العادي من شهاداتهم- كالعلم بأنّ الجبل لم ينقلب ذهبا- و قال: إنّه لاتّفاق الشهادات و غير ذلك أولى من نقل ثقة واحد كالمحقّق و الشهيدين لفتوى من فتاوى أبي حنيفة في كتابه، مع أنّا نرى حصول العلم لنا بذلك فكيف لا يحصل بشهادة الجماعة ... إلخ.
و الجواب أمّا عن الأوّل: فبأنّ القرائن الحاليّة تحصل غالبا حال الخطاب، فاطّلاع من ليس حاضرا مجلس الخطاب عليها بحسب العادة بعيد، و على فرض الاطّلاع عليها أو على القرائن المقاليّة فأيّ قرينة منهما توجد في المتن و ترجع إلى إحراز السند و مع ذلك تفيد العلم بالصدور؟ فلا بدّ له من ذكر مثال حتّى يلاحظ فيما هو حقيقة الحال، و إلّا فالغالب في القرائن الموجودة في المتن رجوعها إلى إحراز الدلالة و هي ظنّيّة غالبا، و على فرض كونها علميّة بحسب ذواتها فإفادتها العلم بالدلالة على أنّها حكم اللّه النفس الأمري مبنيّ على إحراز السند بطريق العلم بالصدور، و على فرض رجوعها إلى السند تبقى الدلالة موقوفة على إعمال ظنون اجتهاديّة كثيرة، إذ لا ملازمة بين القطع بالصدور و القطع بل الظنّ
..........
بالدلالة، و على فرض وجود ما يحرز به الدلالة أيضا من القرائن- حاليّة أو مقاليّة- فهو أيضا في الغالب ظنّي خصوصا إذا كانت مقاليّة، و كون الظنون الراجعة إلى الدلالة في الاعتبار كالعلم على معنى كونها معتبرة من باب الظنّ الخاصّ لعلّه مخصوص بمن له الخطاب أو من حضر مجلس الخطاب.
و مع الغضّ عن ذلك فالقرائن المحرزة للسند المفيدة للعلم بالصدور- على فرض وجودها- إنّما تكون غالبا من الامور الخارجة عن الخبر من غير مدخل لها في المتن، و وجودها بالنسبة إلى أخبارنا الموجودة اليوم في غاية الندرة لو سلّمنا أصل الوجود.
و اعتضاد الأخبار بعضها ببعض، إن اريد به ما يبلغ حدّ التواتر لفظا أو معنى، أو الاستفاضة الملزومة للعلم و لو بمعونة بعض القرائن الداخلة أو الخارجة، فيتّفق ذلك نادرا فيما بين الأخبار الموجودة الآن؛ و لو اريد به ما دون ذلك فإفادته القطع بالصدور بعيد، خصوصا إذا حصل بين خبرين عارضهما ثالث كما هو الغالب.
نعم إنّما يوجب الاعتضاد حينئذ قوّة و ترجيحا لو لم يزاحمه ما يوجب قوّة في المعارض، كما يلاحظ ذلك كثيرا في الخبر الضعيف المنجبر بالعمل، الموجب لطرح معارضاته و لو كانت أخبارا صحيحة.
و كون الراوي ثقة في نفسه أو في الرواية غير مستلزم للعلم بالصدق جزما بل هو أمارة غالبيّة للظنّ به.
بل الراوي الثقة كثيرا ما لا يكون على قطع بالصدور في روايته، لجواز أخذه لها ممّن يثق به تعبّدا أو ظنّا خاصّا أو مطلقا أو من غيره ظنّا مطلقا، و فرض القطع له لا يستلزم حصول القطع لنا كما هو المقصود إذا كانت الشبهة ناشئة عمّا لا ينافي الوثاقة كالسهو و النسيان و الذهول عن القرينة، أو خفائها المحتملة في حقّ كلّ ثقة بلغ في الوثاقة ما بلغ.
و احتمال هذه الامور و إن كان لا يلتفت إليه في الغالب من جهة الأصل المعمول به عند العقلاء، لكنّه حيثما كان قائما مناف للعلم و الأصل لا يجدي في نفيه.
هذا كلّه على تقدير أن يحصل لنا العلم بوثاقته، و إلّا فالغالب ثبوتها بطريق الظنّ الاجتهادي، و ثبوتها في بعض الأحيان بامور تعبّدية من قول العدل و نحوه لا يستلزم كونه بطريق القطع، فكيف يعقل حينئذ حصول القطع لنا بالصدور بمجرّد وثاقة الراوي، مع كون النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات، و الغالب في رواة أخبارنا ثبوت وثاقتها بالظنون المطلقة أو الامور التعبّديّة.
..........
و بالجملة كون وثاقة الراوي على تقدير العلم بها لو اتّفق نادرا بمجرّده من أسباب العلم بالصدور غير مسلّم، بل لا نظنّ عاقلا يتفوّه به.
نعم لو كان الغرض من الوجه الأوّل أخذ المجموع من القرائن الحاليّة أو المقاليّة و اعتضاد البعض ببعض و وثاقة الراوي من الأسباب المفيدة للعلم بالصدور فهو ليس بذلك البعيد، غير أنّه فرض نادر يتّفق في أخبارنا قليلا، و لا ينكره أهل القول بانسداد باب العلم في معظم الأحكام.
و أمّا عن الوجه الثاني: فبأكثر ما عرفت في جواب الوجه الأوّل، و كون العالم الثقة مؤلّفا كتابه لرجوع الشيعة و لهداية الناس لا يستلزم علمه بصدور جميع ما فيه من الروايات، لجواز اعتقاده فيه بكون ما فيه قطعيّ العمل، و معلوم أنّ العمل أعمّ من العلم بالصدور، و لعلّه أخذ روايات كتابه ممّن يرى الأخذ منه تعبّدا أو ظنّا خاصّا، أو مطلقا و هو يرى الظنّ المطلق حجّة مطلقا أو إذا تعلّق بالصدور.
و على [فرض] كونه قاطعا بالصدور فهو لا يستلزم قطع غيره به ممّن يرجع إلى كتابه و يأخذ برواياته، لجواز تطرّق الدسّ أو الغلط أو السهو أو النسيان أو غيره إلى ما في كتابه ممّن سبقه أو عاصره أو لحقه، من المعاندين أو الناسخين أو العاملين أو القاصرين من الأطفال و غيرهم، مع أنّ القدر المعلوم في الغالب من المؤلّفين إذا لم يكونوا هم المشافهون- كما هو الغالب في الكتب الموجودة الآن- هو الاعتقاد بالصحّة، و هو أعمّ من العلم بالصدور، و لا سيّما الصحّة باصطلاح القدماء من المحدّثين، و لا بعد في كونه أصل رجل أو روايته عن ظنّ إذا كان ممّن يرى جواز العمل بالظنّ مطلقا أو في المقام خاصّة، و مع قيام هذا الاحتمال كيف يحصل العلم لغيره بالصدور بتأليفه؟
و أمّا عن الوجه الثالث: فيظهر أيضا بملاحظة ما ذكر، فإنّ التمسّك بأحاديث الأصل من مؤلّفه أو غيره ممّن اعتمد عليه كثيرا ما يكون لاعتقاد الصحّة أو من جهة التعبّد لدليل دلّ عليه و هو أعمّ من العلم بالصدور، و قد عرفت أنّ علمه بالصدور لا يجدينا في العلم بالصدور، فكيف مع اعتقاده بالصحّة أو تعيّن العمل به تعبّدا و لو من جهة الاجتزاء بالظنّ المطلق بالصدور، كما هو احتمال قائم في كلّ مقام.
و أمّا عن الوجه الرابع، فأوّلا: بأنّ الإجماع المذكور على تقدير العلم به لا يراد منه الإجماع المصطلح الكاشف عن قول الحجّة جزما، فهو لمن حصّله و علم به لا يفيد العلم
..........
بالمجمع عليه لعدم وجود المعصوم في المجمعين، فيجوز على كلّ واحد منهم الخطأ، أو كون اتّفاقهم عن ظنّ أو أمر تعبّدي.
و ثانيا: بأنّه بالنسبة إلى ما عدا قائله- الّذي هو الكشّي- منقول، فأقصى ما يفيده حينئذ هو الظنّ.
و ثالثا: بأنّه منقول على لفظ غير واضح المعنى، لما فيه من وجوه الاحتمال الّتي صار إلى كلّ واحد منها قائل، و هي وجوه أربع:
أحدها: أنّ المراد به كون من قيل هذا في حقّه صحيح الحديث لا غير، بحيث إذا كان في سند فوثّق من عداه أو صحّح السند- و لو بغير التوثيق- بالنسبة إلى غيره، عدّ السند صحيحا و لا يتوقّف من جهته.
و ثانيها: أنّ المراد به توثيق خصوص من قيل هذا في حقّه، و عن قائل إسناده إلى الأكثر، و عن صاحب الرسالة المسمّاة بلبّ اللباب اختياره و ادّعائه إجماع العصابة عليه.
و ثالثها: أنّ المراد توثيق من روى عنه من قيل هذا في حقّه، و عن الفوائد إسناده إلى توهّم بعض، و قيل: لا ريب أنّ مراد القائل توثيق المقول في حقّه أيضا، و عن الفصول قال- مشيرا إلى هذا القول-: «و ربّما قيل بأنّها تدلّ على وثاقة الرجال الّذين بعده أيضا».
و رابعها: أنّ المراد تصحيح روايته بحيث لو صحّت من أوّل السند إليه عدّت صحيحة من غير ملاحظة أحواله و احوال من يروي عنه إلى المعصوم(عليه السلام)، و عزى ذلك إلى الشهرة تارة كما عن الفوائد الرجاليّة و إلى الأصحاب اخرى كما عن المحقّق الداماد.
و إذا كان مورد هذا الإجماع في كثرة الاحتمال و الاختلاف بهذه المثابة فكيف يحصل به العلم بالمعنى المراد منه، و على تقدير حصوله فالمعلوم إمّا كون من قيل هذا في حقّه صحيح الحديث، أو كونه ثقة، أو كونه مع من قبله و من بعده إلى أوّل السند ثقات، أو كون الحديث الّذي هو في سنده بشرط وثاقة الرجال الّذين من أوّل السند إليه ممّا يعدّ عندهم من الصحيح أو في حكم الصحيح، و هو في شيء من التقادير ليس من العلم بصدور هذا الحديث أو غيره ممّا يرويه هو بنفسه عن المعصوم من دون واسطة، خصوصا مع ملاحظة كون المراد بالصحّة هنا ما عليه اصطلاح القدماء لكون الكشّي منهم، فلا يريد مصطلح غيره جزما.
و الحاصل: أنّ هذا الإجماع لا يصلح مفيدا للعلم بالصدور إمّا لأنّه ليس من الإجماع المصطلح، أو لأنّه منقول، أو لأنّ مورده اللفظ المحتمل لوجوه كثيرة، أو لأنّ العلم على
..........
تقدير حصوله علم بالصحّة أو الوثاقة و هو ليس من العلم بالصدور في شيء و لا هو مستلزم له، هذا مضافا إلى ما في هذا المقام من الاختلاف في تعيين الأشخاص المجمع عليهم كما قرّر في محلّه، و هذا أيضا ممّا يخلّ بالعلم.
و أمّا عن الوجه الخامس: فبأنّ التوثيق المذكور إنّما وصل إلينا بطريق الآحاد الغير المفيدة للعلم، مع ما في أكثر هذه النصوص من المعارض المقتضي للقدح كما يظهر بمراجعة الرجال، مع احتمال كون مراد المعصوم التوثيق بحسب ما يقتضيه الأمارات الحاصلة لديه من دون مراعاة العلم فيه بناء على عدم لزومه.
و مع الغضّ عن جميع ذلك فالعلم بالوثاقة على تقدير حصوله لنا أعمّ من العلم بصدور ما يرويه هؤلاء عن المعصوم كما يظهر وجهه بمراجعة ما تقدّم.
و أمّا عن الوجه السادس: فبعد منع تسمية ما ذكره المشايخ الثلاث شهادة للزوم العلم في الشهادة مع كونه عن حسّ، و من الجائز كون تصريحهم بما صرّحوا به عن اعتقاد التعبّد أو عن الاعتقاد الظنّي الخاصّ أو المطلق، و على فرض كونه عن علم فهو اعتقاد نشأ عن اجتهادهم، كما يشعر به الاعتراف بأنّهم أخذوها عن الكتب المعتمدة و الاصول المعتبرة، فلا ملازمة بين هذا الاعتقاد و مطابقته للواقع، لأنّ غاية ما شهدوا به إنّما هو صحّة ما أوردوه في كتبهم من الأخبار و كونها حجّة فيما بينهم و بين ربّهم.
و أيّا ما كان فهو أعمّ من الصدور و من كون الصدور على جهة بيان الواقع لا على جهة التقيّة، و من الثابت بالعلم الضروري وجود الأخبار الكاذبة و الأخبار الصادرة على جهة التقيّة فيما بين الآحاد المرويّة عن الأئمّة(عليهم السلام)و في الاصول المشتملة على تلك الأخبار، كما نطق به أيضا أخبار مستفيضة ففي النبوي المعروف: «ستكثر بعدي القالة عليّ».
و في المرويّ عن الصادق(عليه السلام): «أنّ لكلّ رجل منّا رجلا يكذب عليه».
و في الآخر عنه(عليه السلام): «إنّا أهل البيت صادقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه».
و في الآخر: «إنّ المغيرة بن سعيد دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، فاتّقوا اللّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا و سنّة نبيّنا».
و عن يونس أنّه قال: «وافيت العراق فوجدت قطعة من أصحاب أبي جعفر و أصحاب أبي عبد اللّه(عليهما السلام)متوافرين، فسمعت منهم و أخذت كتبهم و عرضتها من بعد على أبي الحسن
..........
الرضا(عليه السلام)فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أصحاب أبي عبد اللّه(عليه السلام)، و قال: إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد اللّه(عليه السلام)، لعن اللّه أبا الخطّاب، و كذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون من هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد اللّه(عليه السلام)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن».
و في جملة من الأخبار العلاجيّة: «أنّ ما خالف القرآن».
و في بعضها: «أنّ ما خالفه و خالف السنّة أنّي ما قلته».
و في آخر: الأمر بضرب مخالفه وجه الجدار، إلى غير ذلك.
و غاية ما هنالك أنّ المشايخ بذلوا جهدهم و أتعبوا أنفسهم في نقل هذه الأحاديث و جمعها و ضبطها و إخراج ما تبيّن فساده عندهم بحسب اجتهادهم عنها، و معلوم أنّ الاجتهاد غير مأمون من الخطاء، و مع ذلك فكيف يحصل لغيرهم الوثوق بجميع ما في الكتب الأربعة فضلا عن العلم بصدق الجميع، أو كون صدوره لا على وجه التقيّة، مع أنّ المعهود من طريقة الشيخ في التهذيبين إعراضه عن كثير من الأخبار الموجودة فيها حملا لها على التقيّة، و إن لاحظت الكتابين لوجدته كثيرا فيهما يضعّف الخبر أو يقدح في بعض سلسلة سنده، مع أنّ المنقول عنه في العدّة كما عرفت الشهادة بصحّة ما عمل به من الأخبار، و هذا ليس من الشهادة بصحّة ما جمعه من الأخبار في الكتابين بأجمعها.
و من جملة الشواهد بأنّ هذه الأخبار لم تكن عند المشايخ علميّة ما عزى إلى الصدوق من أنّه كان كثيرا اعتمد على تصحيح و تضعيف شيخه ابن الوليد، حتّى قال: «كلّما صحّحه شيخي فهو عندي صحيح» و عنه أيضا- أنّه بعد استضعافه لرواية محمّد بن موسى الهمداني:
«أنّ كلما لم يصحّحه هذا الشيخ و لم يحكم بصحّته فهو عندنا متروك» انتهى.
و هذا كما ترى ممّا لا ربط له بضابطة علميّة الأخبار.
و مع هذا التصريح كيف يسند إليه أنّه أورد في كتابه ما علم بصدوره، و كيف يقال بكون الأخبار الموجودة فيه بأجمعها علميّة عنده أو عنده أو عند غيره، و ليس ذلك إلّا افتراء أو إغماضا عن الحقّ.
هذا مضافا إلى ما ستسمع عن الشيخ ممّا ينافي الشهادة بالصحّة أيضا.
و أمّا الجواب عن الوجوه المحكيّة عن الشيخ الكامل الحرّ في الوسائل، فعن أوّلها:
يظهر بملاحظة ما مرّ.
..........
و ملخّصه: أنّ إحراز الصحّة في الكتب الأربعة بالاجتهاد كما هو مفاد الوجه المذكور على فرض التسليم بالمعنى المصطلح عليه عند القدماء أو المتأخّرين أعمّ من الصحّة الواقعيّة، كما أنّ الصحّة الواقعيّة بالمعنى المذكور أعمّ من الصدور، كما أنّ الأخذ من الاصول المعتبرة أعمّ من الأخذ بالأخبار الصادرة على وجه اليقين، لعدم العلم بكون جميع الأدلّة معروضة على الأئمّة(عليهم السلام)بل المعلوم خلافه كما قيل، و كون جميع ما في الكتب الأربعة و غيرها ممّا هو موجود الآن من الأخبار المعروضة عليهم(عليهم السلام)أيضا غير معلوم.
و عن ثانيها: أيضا يعلم ممّا ذكر، فإنّ كلّا من تمهيد اصول معتبرة و الأمر بكتابة الأحاديث المسموعة و جمعها و تأليفها و العمل بها في الحضور و الغيبة و كون جملة من تلك الاصول معروضة عليهم أمر معلوم لا إشكال فيه و لا ينكره أحد، غير أنّه لا يقضي بعلميّة جميع ما في الكتب الأربعة حتّى بالقياس إلى أربابها، و إذعانهم بالاعتبار و الحجّية- لو سلّمناه في جميع ما فيها- ليس من الإذعان بالصدور في شيء، و انقطاع أهل زمان الغيبة عن الاصول المعلومة صدورا أو اعتبارا بكيد الكائدين و عناد المعاندين أو غير ذلك من الأسباب الخارجيّة و الدواعي الطارئة لا ينافي حصول العمل بمقتضى الحكمة و الخروج عن عهدة موجبات الشفقة و الرأفة، كيف و هو ليس بأعظم من انقطاعنا عن نفس الحجّة الّذي هو الأصل و العمدة.
و عن ثالثها: أيضا يعلم ممّا تقدّم، فإنّ الشهادة الناشئة عن الاجتهاد الغير المأمون عن الخطأ لا تفيد العلم بالمشهود به و إن تعدّدت و تكثّرت.
هذا مع ما عرفت عن الصدوق من الاكتفاء بتصحيح شيخه، و عن الشيخ من استضعاف جملة من أخبار التهذيبين و حمل جملة منها على التقيّة مع عدم كون المحكيّ عنه في العدّة صريحا في الشهادة بصحّة جميع ما أورده فيهما، بل غايته التصريح بالاقتصار في العمل على الصحاح، و كون اتّفاق شهاداتهم أولى في إفادة العلم ممّا نقله ثقة واحد من فتوى أبي حنيفة و غيره في محلّ المنع، لأنّ ذلك نقل عن علم مستند إلى الحسّ بخلاف شهاداتهم الناشئة عن الاجتهاد، و على فرض إفادتها العلم فهو علم بالصحّة أو الاعتبار، لكون المشهود به بتلك الشهادة هو هذا و العلم بهما أعمّ من العلم بالصدور، و ليس في شهادتهم ما يوجب حصوله جزما.
هذا كلّه بناء على الإغماض عمّا هو بيان الواقع، و إلّا ففي أوّل التهذيبين ما ينافي