مضبوطة فلا يصح ان يكون مناطا لمعرفة احكامه. تعالى لما يترتب على ذلك من المفاسد، كما هو ظاهر مشاهد، بل الضروري- بعد حصول العقل و التكليف- هو السعي فى تحصيل ما يجب، سؤال العلماء من آل محمد(عليهم السلام)و من سلك طريقهم.
و اما قوله «نصب المجتهد من قبله من يقضي بينهما» ذلك المنصوب ان كان جامعا لشرائط الفتوى فهو منصوب من قبل الامام(ع)، و إلا فنصب المجتهد و عدمه[1]سواء.
و الحاصل أنك إذا تأملت ما ذكره رأيته هو طريق العامة في الاجتهاد إلا ما استثناء من «القياس و الاستحسان» مع أنك لو راجعت كتب الفقه المبسوطة؛ رأيتها مشحونة بهما، قد عمل بذلك مؤلفوها و هم لا يشعرون.
و يزعمون تارة أنه من باب الالحاق للاشتراك في علة الحكم و تارة أنه تمثل شيء بشيء لاتحاد طريق المسألتين، و هل القياس إلا هذا عند من عرف معنى القياس و شرائطه، لأن العلة ان كانت منصوصة فلا الحاق؛ و الا فهي مستنبطة داخلة في القياس المذموم، و كل ما ذكروه من الالحاقات فهو من هذا القبيل و نحن نذكر طريق القدماء و عملهم و بيان الاجتهاد الحق فما وافقه من طريق المتأخرين يعمل به و ما خالفه يترك لأهله؛ و اللّه الهادي و الموفق.
(الفصل الثالث)
في العمل بطريق القدماء، و إن سميته اجتهادا فلا مشاحة، بل هو أحق باسم الاجتهاد الحق؛ فنقول.
[1]- في (ه) و عزله.
إن طريقهم هو السعي في تحصيل الحكم الشرعي من كلام اللّه سبحانه و كلام رسوله و أهل بيته(ع)على الوجه المأمور به.
و التقليد: هو رجوع العامي إلى العالم بذلك فيما يحتاج إليه من امور دينه، و ذلك لأنه ليس شيء من الأحكام الشرعية بديهيا؛ بمعنى أنه لا يحتاج إلى دليل؛ بل كلها تحتاج إلى السماع من الشارع، و تسميتها بعضها[1]ضروريا مجازا لشهرته و وضوح دليله، و وضوح الدليل لا يستلزم بداهة المدعى.
و أما الأصول الدينية فيها بديهي يكفي فيه أدنى منبه، و الأكثر نظري يصيب الناظر فيه و يخطئ فلذلك لا ينبغي الاعتماد على حكم العقل وحده فيما يحتاج إلى دليل من أمور الدين؛ بل يجب الرجوع في كل ذلك إلى كلام الأيمة(ع)فيؤخذ منه ما يصدق العقل[2]من مسائل الأصول، و يجعل أصل مادة الفكر، و يؤيد بالبراهين القاطعة، و يدفع عنه شبهة المخالفين و يؤخذ منه مسائل الفروع، و يعمل بها من غير نظر و لا تعليل؛ بل من باب التسليم المحض؛ لأن العقل وحده لا يكفي فى إثبات ما لا بدّ منه من أصول الدين و لا فروعه و إلا لزم تجويز خلو الأرض من معصوم، و هو باطل عقلا و نقلا، بل حال العقل مع النقل كحال السراج مع الدهن يستمد منه و يضيء، فاذا قل عنه مدد الدهن أظلم، و إن انقطع انطفى نوره، فبالعقل يتميز حق النقل و باطله، و بالنقل يشرق نور العقل و يضيء و يقدر على إثبات ما لا يستقل باثباته و تندفع عنه الشبهة المانعة من الاذعان للحق.
و روى الكليني من جملة حديث أن ابن السكيت قال لأبي الحسن(ع)
[1]- في (ه) و تسميته بعضها.
[2]- فى الأصل: ما يصدقه (ر).
ما الحجة على الخلق اليوم؟ فقال(ع): «العقل؛ يعرف به الصادق على اللّه فيصدقه، و الكاذب على اللّه فيكذبه». و اعلم أن مادة الأفكار العقلية قسمان:
منقولة؛ كالواردة في القرآن العظيم من أصول أدلة التوحيد، و المنقولة في كتب الحديث عن الأيمة(ع)؛ كأصول الكافي و توحيد الصدوق و نهج البلاغة و غيرها، و هذا القسم مقبول عند اللّه مأمور بالنظر فيه.
و القسم الآخر مقدمات عقلية مشهورة تحتمل الوجوه المختلفة باختلاف العقول و الأفهام، و أكثرها دعاوى محضة لكن لشهرتها و ألف الأذهان بها صارت مسلمة مقبولة عند أهل الجدل، و هذا مردود لكونه ربما أدى إلى الزندقة، إذا عرفت هذا:
فاعلم انه يجب العمل بكل حديث لا معارض له فى هذه الكتب الموجودة؛ سواء تكرر فيها أو انفرد به احدها، و ما اختلف منها بجمع بين مختلفاته على وفق القواعد عنهم(ع)فيرد المتشابه إلى المحكم و المجمل إلى المفصل و العام الى الخاص و المطلق الى المقيد، و يرجح ما وافق الكتاب و السنة النبوية على غيره، و ما خالف العامة على ما وافقهم و ما عمل به القدماء- كالصدوقين و الشيخين و السيد المرتضى- كلهم أو أكثر [هم] على ما عمل به المتأخرون، الا أن يظهر- لما عمل به المتأخرون- وجه رجحان؛ فيعمل بالراجح، و يقدم ما فى «الكتب الأربعة» على غيره عند التعارض، و ما في «الكافي، و من لا يحضره الفقيه» على غيرهما، الا أن يظهر رجحان ذلك الغير فيعمل به و ما لم يجر فيه شيء من وجوه الترجيح و بقي على اختلافه يعمل فيه بالاحتياط ان أمكن، و الا فهو مخير في العمل بأيهما شاء من باب التسليم.
و ان لم يوجد في المسألة نص، فان كانت مما يتكلفه المتكلفون من التدقيقات في أحكام ما تعم به البلوى من الأعمال و العبادات المتكررة و القضايا الكثيرة الوقوع، فهي ساقطة عنا، و لا يجوز تكلف اثبات الأحكام لها بالظنون و الخيالات؛ بل و لا يجب الاحتياط فيها أيضا لأن الاحتياط لا يجب الا اذا علم أو غلب على الظن اشتغال الذمة بشيء و لم يتعين حكمه عندنا.
و أما مجرد التوهم فلا حكم له؛ بل هو من الهوس المذموم و الوسواس للنهي عنه للعلم الحاصل بعدمه؛ من جريان العادة به للجزم يورع اصحاب الأيمة(ع)و حرصهم على السؤال عما يضطرون إليه من أمور الدين؛ مع كثرة العلماء منهم و تطاول زمان وجود الأيمة(ع)بينهم فى مدة تزيد على ثلاثمائة سنة.
فلو كان فى أمثاله نص لو صل إلينا لتوفر الدواعي على السؤال عنه و نقله لو كان، فاذا لم نجده بعد الامعان في طلبه من مظانه فى كتب الحديث و فتاوى القدماء التي نقلها المتأخرون عنهم فنحكم بعدمه.
و أكثر ما يقع هذا للمتأخرين في العبادات التي يمكن وقوعها على وجوه مختلفة، و ورود الأمر بها مطلقا غير مقيد بوجه خاص؛ نحو الارتماس في الغسل يمكن إيقاعه بأن يتحرك و هو في الماء حتى يغمره دفعة كيف اتفق؛ و أن يخرج من الماء أو يكون[1]خارجا و يلقي نفسه فيه بحيث يغمره، فاطلاق النص يقتضي الصحة كيف كان، و تقييده بصفة دون أخرى تشريع.
و كذلك الخروج من الصلاة بالتسليم، فاطلاق النص يقتضي وقوعه بالتلفظ
[1]- فى (ه) و يكون.
بالصيغة المنقولة في محلها- أعني آخر الصلاة- و التقييد بأنه لا بدّ مع ذلك من نية الخروج بها و مقارنة تلك النية للفظ التسليم تشريع، و أمثال هذه التكلفات الساقطة عنا كثيرة الدوران على ألسنة المتفقهة.
و في «نهج البلاغة» ما يدل على المنع من ذلك، قال(ع): «إن اللّه فرض لكم فرائض فلا تضيعوها، و حدّ لكم حدودا فلا تعتدوها، و نهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، و سكت عن أشياء و لم يدعها نسيانا فلا تتكلفوها» انتهى كلامه(عليه السلام).
فان قلت: هذا هو العمل بالبراءة الأصلية، و أنتم لا تجوزونه.
قلت: نحن لم نعمل بها؛ و إنما عملنا بالدليل القطعي الموافق لها، كما نعمل بالأخبار الدالة على الاباحة، فهذا حكم ما تعم به البلوى.
و أما غيره، فان كانت المسألة مما لم يتكرر و لم يقع إلا نادرا، أو من الفروض التي يجوزها العقل و تحتملها العادة نحو؛ كثير من الفروع التي ذكرها المتأخرون، فالاشتغال به فضول لا فضل، و إن فرض وقوعه و لم يوجد فيه نص، إما لعدم النص من الأصل لعدم السؤال عنه، أو لأنه خرج فيه نص و لم ينقل لقلة الحاجة إليه، فهذا يجب التوقف عن الحكم فيه بكونه محظورا أو مباحا أو غير ذلك و العمل فيه بالاحتياط إن اضطر إليه كما أمرونا به(ع)لأنه لا يجوز لنا اثبات حكم شيء و لا نفيه إلا بالنص الصريح و الدليل القطعي.
و اعلم: أن نصوص الكتاب فيما لا يعذر أحد بجهله من أمور الدين؛ كالآيات الدالة على التوحيد و التنزيه و العدل و وجوب تصديق الرسل و اتباعهم و أصول العبادات و نظائر ذلك كلها محكمة لا اشتباه فيها.
و أما السنة النبوية فانما وصلت إلينا من طريق أهل البيت(ع)، و ما
رويناه منها عن غيرهم فنادر جدا و كلما صح عندنا منه فموجود في احاديثهم فينبغي الأخذ[1]بمحكمات الكتاب ورد المتشابه (إليهم «ع»)[2]و أخذ تفسيره و تأويله من كلامهم لأنهم المخاطبون بالقرآن لا نحن.
و أما أحاديثهم(ع)فكلما يتعلق منها بما لا بدّ منه للمكلف من العقائد و الأعمال و الأحكام الضرورية فلا اشكال فيه أيضا، لأن كل ما هو مجمل في حديث فهو مفصل فى غيره، و كل متشابه ففي محكم يحكم عليه، فيجب رد بعضها الى بعض، و الجمع بينها بالطرق الواردة عنهم(ع)بتمييز ما ورد للتقية عن غيره ليعمل بكل في محله و لا يرجح شيئا بظن ضعيف او خيال لا أصل له؛ كما يفعله العامة و بعض من غفل عن طريق القدماء من الخاصة.
و من نظر فيما ورد في هذا المعنى من «خطب نهج البلاغة، و أحاديث أصول الكافي» و غيرها، اتضح لديه أن استنباط الأحكام من ظواهر الكتاب و عموماته و اطلاقاته المحتملة للوجوه المختلفة و العلل المستنبطة الظنية و طرح الأخبار التي نص القدماء على صحتها لأجل ذلك طريق محدث نشأ من مخالطة العامة و اشتبه الأمر فيه على جماعة من الخاصة فعملوا به.
و مثل هذا لا يليق أن يجعله الحكيم مناطا لأحكامه لما يترتب عليه من المفاسد الناشئة عن الاختلاف الصادر عن تفاوت الأفهام و العقول فيه، كما تراه في زمننا هذا من الفتن و العداوات بين أهله ممن ينسب الى العلم، و تخطئة كل واحد لصاحبه.
و ربما تجاوز الحد فنسبه الى الالحاد و الزندقة و لو لا خوف انكار العوام
[1]- فى (ه) الحكم.
[2]- لا توجد في (ه).
وصولة الحكام لسعى كل واحد منهم في قتل من خالفه أو نازعه خصوصا اذا كانوا في بلد واحد لاعتقاد كل واحد منهم انه واجب الطاعة، و ان خلافه خروج عن الدين، و لو اتبعوا النص و عملوا به كما امروا؛ لم يقع شيء من ذلك الا لمن غلب عليه حب الرئاسة و التفرد بها بحق أو باطل، و ذلك أمر دنيوي خارج عن الدين.
فان قلت: اذا لم تجوز استقلال العقل بالنظر، و لا العمل بمقتضاه، فكيف يمكن للنبي(ص)ثبوت دعوته قبل ورود الشريعة؟
قلت: يمكن ذلك بأمرين؛ اما بأن تظهر المعجزة على يده فيحصل لمن شاهدها التصديق بديهة؛ أو يكون ظهورها مادة للفكر فيتوصل به العاقل الى تصديقه ان لم يغلب عليه العناد، مع أن هذا غير وارد علينا لأنا لا نمنع استقلال العقل مطلقا، بل نمنع الاعتماد عليه وحده بعد ورود الشريعة فى اثبات ما قرره الأنبياء من العقائد و الشرائع، لتجويز الخطأ عليه دونهم، بل ينبغي فهم كلامهم، و تمييز حقهم عن باطل غيرهم بمعونته.
و أمّا قبل ورود الشريعة، فيعتمد عليه فيما يحسّنه و يقبحه، و يجب العمل بمقتضاه وجوبا عقليا، و لا شك أن بعثة الأنبياء، و وجوب اتباعهم مما تقضي العقول بحسنه لما فيه من اللطف.
فان قلت: الاختلاف الموجب للفساد حاصل سواء عمل بالحديث أو بغيره.
قلت: ليس الأمر كذلك لأن قواعد العمل بالحديث لا تختلف عند من أحسن النظر و اذا لم يمكن الجمع بين الحديثين و لا الاحتياط[1]تخير العامل أيهما شاء من
[1]- فى (ه) و الاحتياط.
باب التسليم، و ليس لمن عمل بالعمل الآخر أن يخطئه، فان خطأه كان مخطئا، لأن هذا الاختلاف بأمر الامام(ع).
فان قلت: لم جاز الاختلاف باختلاف الحديث، دون اختلاف الاجتهاد، مع أن الكل يرجع إلى الظن بان ما عمل به هو حكم اللّه في حقه و التناقض حاصل فيهما.
قلت هذه شبهة باطلة لأن المجتهدين نص كل منهما، أنّ ما عمل به هو حكم اللّه في الواقع و ان غيره خطأ سواء كان دليله النص أو غيره، فالتناقض حاصل، و لا دليل على الرخصة فيه عقلا و لا نقلا بخلاف الأخباريّين فان كلا منهما يعتقد أنّ ما عمل به هو حكم اللّه فى حقه، سواء وافق الواقع أم لا، لأنه يقول قد صح عندي أن هذا الحديث قول المعصوم و فتواه، و لا أعلم انه ورد للتقية؛ فيجوز لي العمل به من باب الرخصة، و إن لم يظهر لي أنه حكم اللّه في الواقع، و كذلك الأخباري الآخر الذي يعمل بخبر يخالفه، يقول ذلك؛ و كلاهما على حق و إن اختلفا، لأن اختلافهما [بقول] الامام(ع)و فتواه.
فان قلت: هذا رأي المصوبة بعينه.
قلت: ليس كذلك؛ لأن المصوبة يقولون ليس للّه تعالى فى الواقعة حكم معين، بل هو منوط برأي المجتهد، و نحن نقول حكمه تعالى واحد لا يختلف، و عملنا بالأخبار المختلفة رخصة و لو لا التقية لم يقع اختلاف.
فان قلت: لا نسلّم أن المتأخرين خالفوا القدماء، لأنّ قواعدهم تخالف الحديث.
قلت: مخالفة المتأخرين للقدماء، و مخالفة كثير من قواعدهم للأحاديث قد ظهرت بحيث لا يمكن إنكارها و كيف يمكن ذلك، و هم يصرحون فى