كثير من الأحاديث التي حكموا بصحتها، أنها تخالف قواعدهم، و إنما عملوا بها مع مخالفتها للأصول لصحتها و لو لا ذلك لردوها، و ربما ظهر منهم التوقف في بعضها عن الجزم بالفتوى لذلك. و في «شرح الشرائع» من هذا كثير، و من نازع في ذلك فليراجعه.
و من الغريب رده للأخبار الحسنة و الموثّقة إذا خالفت تلك «القواعد» مع أنه يعمل بالظن و الظن الحاصل من الأخبار الحسنة و الموثقة التي رواها الكليني و الصدوق- ره- و صرحا بصحتها كما ذكرناه سابقا، أقوى من الظن المستفاد من تلك «القواعد» و ليت شعري [أيّة] حجة لمن يطرح رواية ابراهيم بن هاشم لزعمه أنها حسنة لا تصلح لرفع حكم الاصل المظنون مع أن ردها يوجب الطعن في ولده علي بن ابراهيم الثقة الجليل، لانه لم يرو عن غير أبيه إلا نادرا؛ مع كثرة الثقات في زمانه.
فلو دخل الريب في رواية أبيه[1]لزم تسامله في الرواية عنه، و ذلك يوجب الطعن فيه و في تلميذه ثقة الاسلام، لان أكثر ما في «الكافي» يرويه عنه عن ابيه، و هذا مما لا يرضى به أحد، فينبغي التنبه لذلك ليعرف الحق فيتبع، فليس المعصوم إلا من عصمه اللّه.
و نحن لا تنكر على المتأخرين اختلافهم لاختلاف الاخبار، بل ننكر عليهم طرحها في مقابلة- الاصول و القواعد المظنونة-؛ و غفلتهم عن طريق القدماء؛ حتى اضطربت أقوالهم فى كثير من المسائل الضرورية لعدم رعاية النص و العمل بمقتضاه من باب الغفلة لامور اوجبت لهم دخول الشبهة عليهم.
فمن ذلك انهم حاولوا الاطلاع على ما هو حكم اللّه فى الواقع و لم
[1]- فى (ه) فى روايته ...
يكتفوا بما يكفيهم فى صحة العمل من ذلك ألفة اذهانهم بالقواعد التي توهموها ادلة شرعية حتى تحيروا في الجمع بينها و بين الاخبار؛ فخلطوا ما يحتمل الخطأ و الصواب من ادلة العقل بالمنقول الذي لم يظهر[1]لهم في الاغلب وجه الحكمة فيه فأوجب ذلك لهم الحيرة.
و من ذلك ميلهم إلى الدقة و معرفة علل الاشياء بحكم العقل و عدولهم فى الغالب عن تلقي الاحكام من باب التسليم حتى انه ربما توقفوا عن الحكم بمضمون بعض الاحاديث الصحيحة عندهم و تحيروا فى ذلك اذا خالفت قواعدهم.
و من ذلك جمود طبع بعضهم و اعوجاج فهمه، مع اعتقاده في نفسه الفهم و الذكاء، و اصل ذلك كله حصرهم صحة الحديث في عدالة الراوي و غفلتهم عن انه القرينة[2]من جملة القرائن التي كانت عند القدماء و ليست الصحة منحصرة فيها عندهم.
فان قلت: يلزم مما ذكرته الحكم بمخالفة المتأخرين للقدماء و نسبة الخطأ إليهم و كونهم مؤاخذين مع صلاحهم و تقواهم.
قلت: اما المخالفة فلا سبيل الى انكارها، و اما التقوى فانما نمنع[3]عن تعمد الخطأ لا عن السهو و الغفلة، و قد بينا لك الطريقين، فميز بعقلك الصواب من الخطأ.
و المتأخرون غير مؤاخذين و لا اثم عليهم اذ لم[4]يتعمدوا ذلك، و اما من اطلع على اختلاف الطريقين فلا عذر له في الاعراض عن طلب
[1]- في (ه) الذي يظهر.
[2]- في (ه) عن أنها قرينة.
[3]- في (ه) تمنع.
[4]- في (ه) اذا لم.
الحق لغلبة الداعية أو الجمود على التقليد، فقد رأيت من يظهر الصلاح؛ إذا ذكر له ما يخالف رأيه لا يطيق سماعه و إن كان حقا يرتعد كأنما أخذته الحمى النافض، فمثل هذا يترك بحاله فيكفيه ما هو فيه، مع أن المتأخرين الذين يشار إليهم أربعة لا خامس لهم و هم، العلامة و الشهيدان و الشيخ علي بن عبد العال، و الثلاثة كانوا من أتباع العلامة و تلاميذ كتبه فموافقتهم له في مخالفة القدماء بشبهة أو غفلة تقليد محض نشأ عن حسن الظن به و عدم اطلاعهم على طريق القدماء.
و أما من جاء بعد هؤلاء و اطلع على الطريقين كالسيد محمد و الشيخ حسن و الشيخ بهاء الدين فهم متحيرون في كثير مما خالف المتأخرون فيه القدماء، كما يظهر لمن راجع كتبهم، و تأمل اعتذاراتهم أحيانا عن المتأخرين، و لكن لم يجسروا على إظهار المخالفة، و كيف كان فنسبة الغلفة و السهو إلى جماعة قليلين؛ اولى من نسبة الجهل و عدم الضبط أو الخطأ إلى القدماء مع كثرتهم و وفور علمهم و قربهم من زمان الأيمة(ع)و اطلاعهم من أمور الدين على ما لم يطلع عليه غيرهم و اللّه الموفق.
(الفصل الرابع)
في أن الاجتهاد في طلب الدين على النهج الذي قرره القدماء واجب على كل مسلم.
اعلم: أن كل من سعى في تحصيل مسألة مما كلف به و فهمها كما يجب؛ و ضبطها، فقد اجتهد في تحصيلها، و السعي فى تحصيل ما لا يعذر المكلف بجهله من العبادات الواجبة و الحقوق اللازمة فرض عين لا يعذر أحد في تركه و ليس له حد يقف عنده بل كلما احتاج إلى حكم يجب
عليه السؤال عنه، و هذا معنى قول أصحابنا الحلبيين:
إن الاجتهاد واجب عيني، و بهذا فسر مذهبهم شيخنا البهائي (ره) و ذلك أنهم لم يكونوا يعملون إلا بالحديث، كما صرح به ابن زهرة في «الغنية»، فالعامي عندهم إذا سأل العالم عن مسألة شرعية فأجابه عنها بلفظ الحديث أو بمعناه و فهمه العامي كما يجب، فقد تساويا فى علم تلك المسألة؛ لأن المسئول ناقل لفتوى أهل البيت(ع)و السائل يرويها عنه، فلا فتوى في الحقيقة إلا للمعصوم و لا تقليد إلّا له(ع)، و السائل و المسئول من جملة الرواة؛ و هذا مذهب كل القدماء، لا علماء حلب[1]خاصة كما هو المشهور.
و اعلم أن ما يحتاج إليه المكلف في خاصة نفسه من مسائل الفروض الواجبة عليه بالفعل لا يأباه طبع أحد، و إنما تختلف الناس فيه بسرعة الفهم و بطئه.
و أما الاحاطة بأكثر أبواب الفقه و الحديث فليس في وسع كل أحد، بل يحتاج ذلك إلى طبع ذكي و حفظ قوي، و هذا النوع من الاجتهاد يجب كفاية على من له اهلية ذلك لحفظ الشريعة المطهرة فينبغي له أن ينتهز الفرصة و يجتهد في الطلب؛ لينال سعادة الدارين، و لا علم الا علم الدين و ما سواه فضول؛ نعم لا بدّ لمن أراد القدرة على فهم المعاني و التصرف في فنون الكلام من تحصيل العلوم العربية و الأدبية و تتبع كلام الأوائل؛ ليعرف طرق القدماء في المحاورات و يقتدر على فهم الحديث كما ينبغي؛ لأن اللغة في زماننا قد فسدت و تغيرت حتى لا يعرفها العرب فضلا عن العجم، و ليكن اعتقاده لما ورد فى الشريعة من أصول العقائد و تصديقه
[1]- في (ه) الا علماء حلب.
به بحيث لا يزول بتشكيك المشكك، لا كما يفعله قوم نظروا في الفلسفة فخرجوا عن الحق و تأولوا كلام النبوة على وفق ما سوّل لهم الشيطان، حتى اعتقدوا قدم العالم و نفي المعاد الجسماني، و إنكار المعراج بالجسم و غير ذلك من أصول الزندقة فولاهم اللّه ما تولوا و عاشوا جهالا و ماتوا ضلالا.
روي في «الكافي و التهذيب» عن أبي عبد اللّه(ع)قال: «بادروا أحداثكم بالحديث[1]قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة» انتهى.
و في «الكافي» في باب الاضطرار إلى الحجة، عن يونس بن يعقوب من جملة حديث الشامي الذي جاء لمناظرة أصحاب الصادق(ع)أن الصادق(ع)قال: «يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته، قال يونس:
فيا لها من حسرة، فقلت: جعلت فداك إني سمعتك تنهى عن الكلام و تقول ويل لأصحاب الكلام يقولون: هذا ينقاد و هذا لا ينقاد، و هذا ينساق و هذا لا ينساق، و هذا نعقله و هذا لا نعقله، فقال أبو عبد اللّه- ع-:
إنما قلت، فويل لهم؛ إن تركوا ما أقول و ذهبوا إلى ما يريدون» انتهى.
و يجب على المدرس أن ينبه التلميذ على ما وافق الحق و ما خالفه، و إن رأى منه الميل إلى الباطل حرم عليه تدريسه، و بعض الطباع لا تناسب بعض العلوم، فان عرف عجز الطالب عن علم نبهه على ذلك و نقله إلى غيره، فان لم يقبل فهو ممن يطلب العلم للهوس فليعرض عنه.
و اعلم: أن الضروري من الحديث و الفقه المأخوذ منه لا يتوقف معرفته على شيء من العلوم، بل كل من يعرف اللغة العربية يحصل منه ما يحتاج إليه بسهولة، و إنما يحتاج إلى التفنن في العلوم من يريد التصرف في الكلام و القدرة على البحث و الجدل و إلزام الخصوم و دفع الشبهة؛ و غير
[1]- «بالحديث» لا توجد في (ه).
ذلك مما يعد صاحبه من أكابر العلماء، و قد كان في اصحاب الأيمة(ع)علماء محققون كالهشامين و مؤمن الطاق و محمد الطيار و بنى نوبخت و غيرهم، و كانت مادة أفكارهم مأخوذة من الأيمة(ع)فلذلك و فقهم اللّه تعالى و هدى بهم خلقا كثيرا.
و ما ينقل عن هشام بن الحكم من قوله بالجسم و الصورة، فذلك قبل اتصاله بالصادق(ع)لأنه كان أولا على مذهب جهم بن صفوان ثم هداه اللّه إلى الحق، و من أراد فى زماننا هذا حفظ فروع الفقه بسهولة؛ فليأخذها من كتب الفروع للمتأخرين و يعمل منها بما يوافق الحديث و يطرح ما خالفه، و الأحاديث الدالة على ما ذكرناه في هذا الفصل كثيرة.
فمن ذلك: ما رواه العامة و الخاصة من قول النبي(ص)«طلب العلم فريضة على كل مسلم».
و في «الكافي» عن أبي اسحاق السبيعي عمن حدثه قال: سمعت أمير المؤمنين(ع)يقول «أيها الناس اعلموا أن كمال الدين، طلب العلم و العمل به، ألا و إن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ان المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم و ضمنه و سيفي لكم، و العلم مخزون عند أهله و قد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه».
و عن أمير المؤمنين(ع)من جملة خطبة له(ع): «و اعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه، و لن تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، و لن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، و لن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه، و لن تعرفوا الضلالة حتى تعرفوا الهدى، و لن تعرفوا التقوى حتى تعرفوا الذي تعدى، فاذا عرفتم ذلك؛ عرفتم البدع و التكلف، و رأيتم الفرية على اللّه و على رسوله- ص-
و التحريف لكتابه، رأيتم كيف هدى اللّه من هدى فلا يجهلنكم الذين لا يعلمون»
و عن أبي عبد اللّه(ع)من جملة حديث «ان الأنبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا، و انما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها أخذ حظا وافرا، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه».
و عن أبي عبد اللّه(ع)قال: «لوددت أصحابي ضربت رءوسهم بالسياط حتى يتفقهوا».
و عن مفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: «عليكم بالتفقه في دين اللّه و لا تكونوا أعرابا، فانه من لم يتفقه في دين اللّه لم ينظر اللّه إليه يوم القيامة، و لم يزك له عملا».
و عن أبي حمزة عن أبي جعفر(ع)قال: «عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد».
و عن أبي عبد اللّه(ع)قال: «قال رسول اللّه- ص- أف لرجل لا يفرغ نفسه في كل جمعة لأمر دينه، فيتعاهده و يسأل عن دينه».
و عن جميل بن دراج قال: قال أبو عبد اللّه(ع): «أعربوا حديثنا فانا قوم فصحاء».
و عن أبي الحسن موسى(ع)قال: (دخل رسول اللّه- ص- المسجد فاذا جماعة قد أطافوا برجل، فقال: ما هذا؟ فقيل علامة، فقال: و ما العلامة؟ فقالوا له: أعلم الناس بأنساب العرب و وقائعها، و أيام الجاهلية و الأشعار و العربية. قال: فقال النبي- ص-: ذاك علم لا يضر من جهله و لا ينفع من علمه. ثم قال النبي- ص-: انما العلم ثلاثة؛ آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمة، و ما خلاهن فهو فضل) انتهى
ما نقلته من «الكافي».
و فى «محاسن البرقي» قال: سئل أبو الحسن موسى بن جعفر(ع)هل يسع الناس ترك المسألة عما يحتاجون إليه؟ قال: لا.
و عن أبي جعفر(ع)قال: «لو أتيت بشاب من شباب الشيعة لا يتفقه في الدين لأوجعته ضربا».
و عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد اللّه(ع)يقول: «ليت السياط على رءوس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال و الحرام».
و عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع)قال: «تفقهوا في الحلال و الحرام، و إلا فأنتم أعراب».
و سئل أمير المؤمنين(ع)من أعلم الناس؟ قال: «من جمع علم الناس إلى علمه» انتهى.
و روى الكشي عن محمد الطيار قال: قلت لأبي عبد اللّه(ع)بلغني أنك كرهت مناظرة الناس؛ و كرهت الخصومة، فقال: «أما كلام مثلك للناس فلا نكرهه، من إذا طار أحسن أن يقع، و إذا وقع أحسن أن يطير، فمن كان هكذا فلا نكره كلامه» انتهى. و الأخبار في ذلك كثير و ما ذكرناه كاف.
(الفصل الخامس) (فيمن يجب رجوع الناس إليه فى زمان الغيبة)
اعلم: أنه قد ثبت بالنصوص القاطعة المؤيدة بالبراهين العقلية، أن اللّه جل ثناؤه لم يخلق الخلق عبثا و لم يدعهم بعد الخلق هملا، بل أعطاهم العقول ليفرقوا بها بين الحق و الباطل، و جبلهم على التوحيد، و فطرهم