تساوت أفراده فيه. فالمتواطئ؛ أي المتوافق، سمي به لتوافق أفراده فيه. أو تفاوته بالأشدية؛ كالبياض بالنسبة الى الثلج أو العاج، أو الاولوية؛ كالوجود بالنسبة إلى الجوهر أو العرض أو الأولية؛ كالوجود بالنسبة إلى العلة و المعلول فيسمى «المشكك» لمشابهته «المتواطي» باتحاد معناه؛ و المشترك باختلاف أفراده فيه، فكأن الناظر يشك فيه هل هو متواطئ أو مشترك!!.
(و ثانيها) أن يتعدد اللفظ و المعنى و هي الألفاظ المتباينة، فان تباينت مسميا بها الذات؛ كالسواد و البياض، فتسمى «المتفاصلة» أو صدق أحدهما على الآخر؛ كالذات و الصفة، نحو السيف و الصارم «فالمتواصلة».
(و ثالثها) أن يتعدد اللفظ و يتحد المعنى فيسمى «المترادفة» كالأسد و الليث.
(و رابعها) أن يتحد اللفظ و يتعدد المعنى؛ فان كان اللفظ وضع لكل واحد من معانيه وضعا مستقلا، سواء اتحد زمان الوضع أم لا، و اتحد الواضع أم تعدد فهو: المشترك، و إن كان وضع أولا لمعنى ثم نقل إلى غيره من دون مناسبة فهو: المرتجل، أو لمناسبة فان كانت دلالته على المنقول إليه بعد النقل أشهر: فالمنقول؛ و ينسب إلى ناقله فان كان أهل اللغة: فالمنقول اللغوي، أو أهل الشرع: فالشرعي، أو العرف العام أو الخاص: فالعرفي، و إن لم تكن دلالته بعد النقل أشهر فيسمى «الأول حقيقة-» و «الثاني- مجازا-» (إن لم تكن الجهة المصححة للنقل هي: المشابهة و إلا: فاستعارة)[1].
[1]- ما بين القوسين لا يوجد فى (ه).
(المطلب الثالث)
اللفظ: إن لم يحتمل غير ما يفهم منه لغة «فالنص»، و الا «فالراجح» ظاهر، «و المرجوح» مؤوّل «و المساوي» جمل و المشترك بين الأولين «محكم»، و بين الأخيرين «متشابه»، هذا ما قالوه.
و المفهوم من الأحاديث أن المحكم ما لا يحتمل غير ما يفهم منه مع بقاء حكمه على حاله، و المتشابه ما عداه.
فالعام المحتمل للتخصيص؛ و المطلق المحتمل للتقييد؛ و المنسوخ و المجمل و غير ذلك كلها من «المتشابه»، يرجع فى بيانها إلى أيمة الهدى(ع).
ثم اللفظ إن دل على الطلب و صدر من مستعل فهو: الأمر، أو من مساو: فالالتماس، أو من مسائلة: فالسؤال و الدعاء.
(المطلب الرابع)
المشترك: هو اللفظ الموضوع لمعنيين ابتداء، و هو واقع في اللغة و اختاره العلامة؛ و قال قوم: هو ممكن الوقوع لكن لم يقع في اللغة؛ و قال آخرون: إنه لم يقع فى القرآن، و قال الفخر الرازي: لا يجوز كون اللفظ مشترك بين وجود الشيء و عدمه.
و القائلون بالوقوع اختلفوا في استعماله في أكثر من معنى، و إذا كان[1]الجمع بين تلك المعاني ممكنا فجوزه قوم مطلقا و اختاره- الشافعي و الباقلاني و عبد الجبار و الجبائي و السيد المرتضى- فقالوا: يجب حمله على معانيه كلها إذا لم تقم قرينة على إرادة البعض. و منعه- أبو الحسين البصري
[1]- (ه) اذا كان.
و الكرخي و الغزالي و الفخر الرازي- مطلقا.
و فصل آخرون فمنعوه في «المفرد» و أجازوه في «التثنية و الجمع» و نفاه قوم فى «الاثبات» و أثبتوه في «النفي».
و اختلف المجوزون؛ فقال قوم: إنه بطريق «الحقيقة»، و قال آخرون إنه «مجاز»، و قال الشيخ حسن فى «المعالم» هو في المفرد- مجاز-، و في غيره حقيقة- فانظر إلى هذا الاختلاف من هؤلاء العقلاء في هذا المطلب السهل و ما فيه من الخبط فما ظنك بغيره.
(المطلب الخامس)
المترادف واقع فى اللغة، و قال قوم بعدم وقوعه و فرعوا على وقوعه[1]جواز وقوع كل من المترادفين مكان الآخر، و هو يقتضي تجويز نقل الحديث بالمعنى فأجازه الأكثرون و منعه قوم، و فصل آخرون فقالوا: إن كان من لغة واحدة؛ كالعربية- مثلا- جاز و إلا فلا.
أقول: لا حاجة بنا إلى هذا كله فقد روى في «الكافي» ما يدل على جوازه و قد تقدم.
(المطلب السادس)
الحقيقة: لفظ يستعمل فيما وضع له أولا، و المجاز فى غيره- لعلاقة- و لا شيء منهما قبل الاستعمال.
و حصرت العلاقة في خمس و عشرين و لا يحتاج إلى نقل، بل يكفي ظهور العلاقة بين المعنى الحقيقي و المجازي، و اختاره ابن الحاجب و العلامة
[1]- في (ه) على قوله.
في «التهذيب» و جماعة. و قال الرازي: لا بدّ فى صحة إطلاق اللفظ على معناه المجازي في كل صورة إلى النقل عن أهل اللغة.
و الحقيقة إما لغوية أو عرفية و ثبوتهما معلوم أو شرعية و ثبوتها للمتشرعة معلوم، و للشارع محل خلاف فمنع ثبوتها له الباقلاني و قال: الصلاة و نحوها فى كلامه بمعناها لغة، و أثبتها غيره فقال: هي مجازات لغوية نقلها الشارع إلى معانيها الشرعية بوضع ثان.
و توقف شيخنا البهائي، و لا فائدة مهمة للبحث عن ذلك، إذ كل لفظ في كلام الشارع من هذه، فعليه قرينة تعين المراد منه، و الاستقراء شاهد عدل.
و أما المجاز فلا شك فى وقوعه في اللغة، و أنكر وقوعه[1]أبو على الفارسي و أبو اسحاق الأسفراني و جماعة، و هو واقع فى الكتاب و السنة أيضا خلافا للظاهرية[2].
(المطلب السابع) (فى تعارض احوال الالفاظ)
اعلم: أن الاختلاف في فهم معنى اللفظ إنما يكون لأمور خمسة الاشتراك و النقل شرعيا كان أو عرفيا، و المجاز، و الاضمار، و التخصيص و غير ذلك، لأن مع انتفاء الاشتراك و النقل يكون اللفظ موضوعا لمعنى واحد، و مع انتفاء المجاز و الاضمار يكون المراد ما وضع له و مع انتفاء التخصيص يكون المراد به جميع ما وضع له، فلا اشتباه.
[1]- في (ه) كما يلي: (و أما المجاز فلا شك فى وقوعه، و عليه ابو على الفارسى ...).
[2]- في (ه) للطاطرية.
و أنواع التعارض- عشرة- لحصول أربعة من المشترك، و الأربعة الباقية و ثلاثة من المنقول و الثلاثة، و اثنين من المجاز و الباقيين، و واحده من الباقيين[1].
و إذا تعارض الاشتراك و النقل فالحمل على الاشتراك أولى، خلافا للرازي. و كل من المجاز و الاضمار و التخصيص أولى من الاشتراك. و كذلك كل من هذه الثلاثة أولى من النقل.
و أما المجاز و الاضمار فهما سواء. و التخصيص أولى من المجاز و من الاضمار، و أدلة ذلك مذكورة في كتب الأصول المبسوطة.
(المطلب الثامن) (فى تفسير حروف يبحث عنها الفقهاء)
فمن ذلك «الواو» لمطلق الجمع من غير ترتيب، نقل الفارسي عليه الاجماع، و ذهب الفراء[2]إلى الترتيب فيما يستحيل فيه الجمع نحو- اركع و اسجد- و ذهب الكسائي و قطرب و ابن درستويه و الربعي: إلى أنها للترتيب. و قال ابن عصفور: الخلاف في أنها للترتيب محله إذا أمكن صدور الفعل من واحد فأما نحو- اختصم زيد و عمرو- فلا خلاف في أنها لا تقتضي الترتيب.
و من ذلك «الفاء» للترتيب و التعقيب و هو فى كل شيء بحسبه نحو
[1]- في (ه) كما يلي: (و أنواع التعارض- عشرة- لحصول أربعة من المشترك و الأربعة الباقية، و ثلاثة من المنقول، و اثنين من المجاز، و الباقيين، و واحده من الباقي). و الذي يستقيم به الكلام: (عشرة- لحصول أربعة من المشترك و ثلاثة من المنقول، و اثنين من المجاز، و واحد من الباقي) و اللّه اعلم (ر).
[2]- في (ه) و ذهب الغزالي.
- تزوجت فولدت- و قال الفراء: لا تفيد الترتيب. و قال السيد المرتضى لا تفيد التعقيب.
و من ذلك «الباء» و ترد للاستعانة نحو- كتبت بالقلم- و للتبعيض؛ ذهب إليه الأصمعي و الفارسي و ابن مالك، و أنكره سيبويه، و إنكاره معارض باصرار الاصمعي الذي هو أعرف منه بكلام العرب، و رواية زرارة عن الباقر- ع- صريحة في أن الباء في قوله تعالى(وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ»[1]للتبعيض.
و ميل العلامة إلى قول سيبويه في «التهذيب» من باب الغفلة؛ لأنه أورد الحديث في «المختلف» و حكم بصحته، و احتج به على أن المسح ببعض الرأس.
و من ذلك «إلى» و هي لانتهاء الغاية و لا إجمال فيها كما توهم من دخول الغاية تارة و خروجها أخرى لأنها موضوعة للانتهاء و الغاية[2]فلا تنفصل حسا- كالليل- فيجب خروجها، و قد لا يتميز- كالمرفق- فيجب دخولها من باب المقدمة.
(المطلب التاسع)
«المشتق» في- الاصطلاح- فرع وافق الاصل بأصول حروفه؛ و أنواعه خمسة عشر و هو عند وجود معنى المشتق منه- كضارب- لمباشر الضرب حقيقة اتفاقا، و قبل وجوده لمن يريد الضرب مجازا اتفاقا، و بعد وجوده منه و انقضائه- كالضارب أمس- قد اختلف فيه على أربعة أقوال:
[1]- سورة المائدة. آية/ 6.
[2]- فى (ه) و الغاية قد تنفصل.
(أحدها) لا يشترط بقاء المعنى فى كون المشتق حقيقة؛ و هو قول متكلمي الامامية و المعتزلة و اختاره ابن سيناء و النبقارابي[1].
(و ثانيها) يشترط؛ و اختاره الرازي و البيضاوي[2]و أكثر الأشاعرة.
(و ثالثها) إن كان مما يمكن بقاؤه اشترط؛ و إلا فلا.
(و رابعها) الوقف؛ و هو ظاهر ابن الحاجب.
و هل يصح إطلاق المشتق على الذات و إن لم يتصف بمبدإ الاشتقاق؟
منعه الأشاعرة، و أجازه الامامية و المعتزلة و الرازي في «المحصول».
و الحق أن الأغلب الاتصاف و لا قطع في شيء من أدلة الجواز و لا المنع، فالوقف متوجه؛ كما ذهب إليه شيخنا البهائي(رحمه اللّه).
(الفصل الثالث) في مبادي الأحكام و فيه خمسة مقاصد:
(المقصد الاول) (فى تعريف الحكم و ما يتعلق به و اقسامه)
الحكم الشرعي: هو خطاب اللّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين؛ بالاقتضاء أو التجبر أو الوضع. و الخطاب: هو توجيه الكلام نحو الغير للافهام، و هذا[3]التعريف يشتمل الأحكام الخمسة؛ لأن خطاب الشارع إذا تعلق بشيء؛ فأما أن يدل على طلب فعله أو طلب تركه أو يتساوى الأمران.
[1]- في (ه) و التفتازاني.
[2]- وجد فى الاصل: (خ- و التفتزاني).
[3]- في (ه) و هل التعريف.
و طلب الفعل إن كان جازما فالمطلوب به هو «الواجب» و إلا «فالمندوب»، و طلب الترك إن كان جازما فالمطلوب تركه هو «الحرام» و إلا «فالمكروه»، و التخيير تساوي الأمرين فى نظر الشارع و هو «الاباحة» و لا يشترط في خطاب الوضع- العلم و لا القدرة و لا التكليف- لأن معناه قول الشارع «اعلموا أنه متى وجد كذا وجب كذا أو ندب كذا أو أبيح- مثلا-».
و يكون بجعل الشيء سببا لتعلق الحكم- كجعل زوال الشمس موجبا لصلاة الظهر-، او شرطا- كجعل الطهارة شرطا لصحة الصلاة-، أو مانعا- كجعل النجاسة مانعة من صحتها-، و كل ذلك مستفاد من كلام الشارع، و لا طلب فيه و لا تخيير إذ ليس من أفعالنا حتى يطلب منا أو نخير فيه.
فظهر من هذا أن خطاب الشارع منه ما يتعلق أولا بالذات بالمكلف نفسه و ثانيا بالعرض بفعله، و هذا هو الخطاب الاقتضائي و التخييري، و قد يتعلق بفعل المكلف تبعا لفعل غيره- كضمان صاحب البهيمة إذا جنت أحيانا على شيء، و كأمر الولي يدفع ما أتلفه الصبي من مال الغير من ماله إن كان له مال-، و ربما تعلق بغير الفعل- كجعل زوال الشمس سببا لوجوب صلاة الظهر-، و هذا هو الخطاب الوضعي.
و إذا تعلق خطاب الوضع بفعل صبي أو مجنون أو بهيمة، فقد يكون مقتضاه تعلق خطاب اقتضائي- بعاقلة الصبي و المجنون و صاحب البهيمة أو بمن يكون بيت مال المسلمين في يده-، و قد يكون مقتضاه تعلق خطاب اقتضائي بالصبي و المجنون إذا كملا- كغسل الجنابة- مثلا، و تعيين تلك المقتضيات منوط بالسماع من أيمة الهدى(ع)لا بالخيالات