لا يتحقق دخول المعصوم في المفتين.
«الثانية» أن يختلف الأصحاب على قولين ففي إحداث قول ثالث تردد، أصحه أنه لا يجوز بشرط أن يعلم أن لا قائل منهم إلا بأحدهما.
«الثالثة» أن يفترقوا فرقتين و يعلم أن الامام ليس في أحدهما، فتعين الحق مع المجهولة. و هذه الفروض تعقل[1]لكن قلّ أن تتفق) انتهى كلامه.
و اعلم: أن إجماع الامامية إن تحقق ثبوته فهو حجة للقطع بدخول قول المعصوم في جملة أقوالهم، لكن قل أن يتحقق في غير ضروريات الدين أو ضروريات المذهب.
و أما غيرها فالخلاف فيه أشهر من أن يذكر و لذلك لا يعتد بأكثر [هذه] الاجماعات التي يدعيها المتأخرون لعدم القطع بدخول قول المعصوم فيها و قد تنبه لذلك السيد محمد بن أبي الحسن فى «المدارك» حيث قال في أوله (الاجماع انما يكون حجة مع- العلم القطعي- بدخول قول المعصوم فى جملة أقوال المجمعين، و لو أريد بالاجماع المعنى المشهور لم يكن حجة) انتهى كلامه.
و قال في «أوائل كتاب الطهارة»: (الاجماع إنما يكون حجة مع- العلم القطعي- بدخول قول المعصوم فى جملة أقوال المجمعين، و هذا مما يقطع بتعذره في زمن ابن إدريس و ما شاكله بل بعد انتشار الاسلام مطلقا).
و قال الشيخ حسن في «المعالم»: (الحق امتناع الاطلاع عادة على حصول الاجماع في زماننا هذا و ما ضاهاه من غير جهة النقل إذ لا سبيل
[1]- في (ه) تقبل.
إلى العلم بقول الامام) انتهى.
ثم ذكر أن: (كل اجماع يدعى في كلام الأصحاب مما يقرب من عصر الشيخ إلى زماننا هذا و ليس مستندا إلى نقل متواتر أو آحاد حيث يعتبر، أو مع القرائن المفيدة للعلم، فلا بد من أن يراد به ما ذكره الشهيد من الشهرة).
ثم ذكر بعد ذلك: (أنه يمكن الاطلاع على الاجماع في الزمان المقارب لعصر ظهور الأيمة- ع- و إمكان العلم بأقوالهم فيمكن فيه حصول الاجماع و العلم به بطريق التتبع) انتهى كلامه.
أقول: يمكن أن يحصل لنا ما هو في حكم الاجماع و ذلك في ثلاث صور:
«أحدها» أن يرد حديث و يتكرر في الكتب المشهورة الآن و لا معارض له؛ فيجب العمل به لأنه مجمع على قبوله:
«و الثانية» أن يرد حديثان و نرى القدماء كلهم أو أكثرهم عملوا بأحدهما دون الآخر؛ فيجب العمل به لان عملهم كاشف عن كونه ورد من باب بيان ما هو الحق في الواقع، و الآخر ورد للتقية و هذا مصرح به في رواية عمر بن حنظلة.
«و الثالثة» أن نرى فتوى الصدوقين و المفيد و المرتضى و الشيخ في حكم، فهذا أيضا حجة و إن لم نجد به نصا لما بيناه من طريقهم، فاتفاقهم لا يكون إلا عن نص قاطع.
و قد تحير المتأخرون في الاجماعات الواقعة في كلام بعض القدماء؛ كالمرتضى و الشيخ لأنهم ربما نقلوا الاجماع على الشيء و على ضده في مكان آخر.
و اعتذر الشهيد الاول عن ذلك بأن مرادهم بالاجماع الشهرة في ذلك
الوقت، أو عدم اطلاعهم فيه على مخالف صوتا لكلامهم عن التهافت.
و قال الشهيد الثاني بعد أن نقل المسائل التي ادعى الشيخ الاجماع عليها ثم ناقض نفسه في مكان آخر فادعاه على خلافها: (قد أفردنا هذه المسائل للتنبيه على أن لا يغتر[1]الفقيه بدعوى الاجماع، فقد وقع فيه الخطأ و المجازفة كثيرا من كل واحد من الفقهاء سيما من الشيخ و المرتضى) انتهى.
أقول: ما تكلفه الشهيد الاول (ره) من العذر لا يحتاج إليه، و كيف كان فقد أحسن الادب معهم. و أما الشهيد الثاني فما زاد على أن خطأ السيد و الشيخ و غيرهما و نسبهم إلى المجازفة، لظنه أن طريق القدماء و المتأخرين واحدة و أن من خالفه مخطئ، و عدم اطلاعه على أن عمل القدماء بالاصول التي أحدثها العامة ظاهر للالزام لهم بما لم ينكروه، لا أن ذلك دليل عندهم كما يزعمه المتأخرون، و خصوصا الاجماع فانه أشهر أدلة العامة، بل هو أساس ضلالهم، و مع ذلك فقد ناقض الشهيد الثاني نفسه فى أماكن عديدة.
منها ما نقله السيد محمد في «المدارك» فى مسألة وجوب، غسل القطعة إذا كان فيها عظم، قال ما هذا لفظه: (هذا الحكم ذكره الشيخان و أتباعهما، و احتج عليه في «الخلاف» باجماع الفرقة و اعترف جمع من الاصحاب بعدم الوقوف في ذلك على نص؛ لكن قال جدي:
ان نقل الاجماع من الشيخ كاف في ثبوت الحكم؛ بل ربما كان أقوى من النص، و هو مناف لما صرح به- ره- في عدة مواضع من التشنيع على مثل هذا الاجماع و المبالغة في انكاره) انتهى كلامه.
[1]- في (د) على أن لا يغتي.
و الحق أن دعوى الاجماع من القدماء على الشيء و ضده انما يكون في قولين للطائفة يستندان[1]الى خبرين مختلفين؛ حكموا بصحتهما و جواز العمل بهما من باب التسليم و الرخصة؛ كما هو طريقهم في التخيير في العمل بالخبرين اذا لم يترجح أحدهما على الآخر فصحّ ادعاء الاجماع على كل من القولين المستندين إليهما، و ليس هذا من التضاد في شيء كما تقدم تحقيقه، و يدل على ما قلناه أنك لا تراهم ادعوا الاجماع على شيء و ضده الا و هناك خبران مختلفان دالان على القولين.
و أما الاجماعات المنقولة في كتب المتأخرين فان دلت القرائن على ثبوتها بأن كانت على حكم ضروري الثبوت، أو وافقت إحدى الصور الثلاث التي ذكرناها فهي حق، و ان كانت نقلا عن القدماء؛ و لم يكن هناك مخالف فحجة أيضا، و مع وجود المخالف ننظر فيها، و كثيرا ما نرى من المتأخرين يخطئ بعضهم بعضا فى نقل الاجماع و ينقلون خلافه.
و من غفلات المتأخرين أنهم يطرحون الخبر إذا عارض اجماعهم الذي يدعونه مع أن نسبة الاجماع الى قول المعصوم اجمالية و الخبر ينسب إليه تفصيلا فبينهما بون.
فان قلت: نسبة الخبر إليه في ضمن الاجماع قطعي؛ و لا في ضمنه ظني.
قلت: هذا انما يصح لو قطع باشتمال الاجماع على قول المعصوم، و قد بينا أن اجماعاتهم هذه دعاوى لا تثبت مع وجود المخالف و ظهور النص بخلافها و لو استندت الى نص لظهر لتوفر الدعاوى على نقله، و لو صحت لزم تفسيق المخالف لها و هم لا يقولون به.
[1]- في (ه) يستند.
و بالجملة تحقق أكثر إجماعات المتأخرين غير ثابت على الوجه المعتبر في الاجماع عند الامامية؛ فينبغي الاعراض عما لم يثبت منها و العمل بالنص الثابت.
و مما يدل على أن أصل الاجماع من مخترعات العامة، ما رواه في «الكافي» من جملة رسالة كتبها الصادق(ع)إلى أصحابه يقول فيها:
(و قد عهد رسول اللّه- ص- قبل موته، فقالوا: نحن بعد ما قبض اللّه عز و جل رسوله يسعنا أن نأخذ بما أجمع عليه رأي الناس. ثم قال- ع- فما أحد [أجرأ] على اللّه و لا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك) انتهى.
(المبحث الثاني) (فى الاستصحاب)
و هو يطلق على ثلاثة معان:
«أحدها» استصحاب نفي الحكم الشرعي إلى أن يرد ما يدل عليه؛ و هو المعبر عنه بالبراءة الأصلية، و يأتي الكلام عليه.
«و ثانيها» استصحاب حكم العموم إلى أن يرد المخصص أو الناسخ.
«و ثالثها» استصحاب الحكم الشرعي وجوديا كان أو عدميا فى الزمن الثاني تعويلا على ثبوته في الأول من غير نظر إلى شيء آخر.
و توضيحه: أن يثبت حكم بدليل شرعي في حالة، ثم تطرأ حالة أخرى لا نعلم تناول الحكم لها إذ لو تناولها لتساوتا فيه، و لم يكن استصحاب و كذلك لا نعلم ما يدل على انتفائه أيضا فيها، فهل يحكم ببقاء ذلك الحكم؟ و هو المراد بالاستصحاب هنا أم لا بدّ للحكم ببقائه في الوقت
الثاني من دليل؟.
فذهب إلى الأول جماعة من العامة؛ كالمزني و الغزالي و الصيرفي. و من الخاصة؛ كالعلامة في أحد قوليه، و جماعة من أتباعه، و أنكره السيد المرتضى و المحقق في «المعتبر» و أكثر المتكلمين و مثلوا له بالمتيمم إذا دخل في الصلاة ثم رأى الماء فى أثنائها سواء كان قبل الركوع (أو بعده)[1]فهل يمضي فيها أم يستأنفها بالوضوء؟ فمن قال بالاستصحاب؛ قال يمضي للاجماع على وجوب المضي فيها قبل رؤية الماء و عدم الدليل المخالف له، و من أنكره؛ قال يستأنف.
و الحق أنه ليس بدليل كما قال المرتضى- ره- لورود النصوص موافقة له تارة؛ كما في المثال المذكور، و مخالفة له أخرى، كما في حديث الجارية التي اشتبه عليها دم العذرة بدم الحيض و غير ذلك من الاحاديث الموافقة و المخالفة. و لو كان قاعدة يرجع إليها في إثبات الاحكام لم ترد الاحاديث بخلافه، نعم هو حجة في صورتين أمر بهما الايمة(ع):
«أحدهما» أن يصل إلينا حديث في حكم شرعي فنستصحب العمل به حتى يظهر لنا ما هو أرجح منه.
«و ثانيهما» أن نستصحب كل أمر من الامور التى دل الشرع على ثبوتها لوجود سببها إلى أن يقوم دليل نصبه الشارع على رفع حكمه و كل، هذه ترجع إلى قضايا جزئية تتعلق بأحوال الاحكام المتعلقة بأفعالنا و تتفرع عن قواعد كلية و أصول قررها الايمة- ع- لنا فنعمل بها و لا نتعداها.
فمن ذلك حكمنا بكون رجل مالك أرض، أو زوج امرأة أو مالك
[1]- لا توجد فى (ه).
عبدا عدلا أو فاسقا[1]و كون هذا الثوب طاهرا أو نجسا أو غير ذلك فنستصحب ذلك الحكم حتى نعلم وجود أمر جعله الشارع سببا لرفعه من الامور المحسوسة المعلومة لنا لا المتوهمة و المظنونة، و ذلك نحو شهادة العدلين أو الاقرار بالبيع و الطلاق و العتق أو ظهور الفسق أو التوبة أو إخبار المسلم بتطهير الثوب سواء كان مالكا له أو قصّارا لان الصانع أمين مصدق في عمله.
فان قلت: العدالة ليست أمرا حسيا؛ لانها ملكة راسخة فى النفس تبعث على ملازمة التقوى و المروءة.
قلت: العدالة التي عرفوها بهذا هي العدالة الحقيقية الموجبة للنجاة في الآخرة و هي من الامور الباطنة التى لا يحيط بها إلا علام الغيوب، و لو اعتبرت في الشهادات أو نحوها؛ لم تقبل شهادة أحد، و لم تقم للناس جمعة و لا جماعة، و اعتبار المتأخرين لها في الشاهد و غيره و هم و غفلة عن صريح النصوص، بل استحسان يوجب الجرح و تعطيل الاحكام، و انما العدالة التي قررها الشارع في الشاهد و إمام الجماعة هي كونه متظاهرا بالصلاح مستور الحال غير ظاهر الفسق إذا سئل عنه خلطاؤه قالوا: لا نعلم منه الا خيرا، و هذه العدالة مركبة من امر وجودي محسوس؛ و هو ملازمة الطاعة، و أمر عدمي محسوس؛ و هو اجتناب المعاصي ظاهرا، و أما البواطن فأمرها الى اللّه سبحانه، و كلا الامرين مما يدرك بالحس.
و في «الكافي؛ و من لا يحضره الفقيه» و غيرهما من الاحاديث الدالة على ما قلنا من أمر العدالة ما يبلغ حد التواتر، فليراجع ذلك.
[1]- في (ه) أو مالك عبد، أو عدلا أو فاسقا.
(المبحث الثالث) (فى البراءة الأصلية)
و هي عبارة عن كون المكلف إذا خلي و نفسه و لم يبلغه خطاب لم يتعلق به شيء من الأحكام الشرعية، و قد تمسك بها العامة في نفي الاحكام الشرعية، سواء ظهرت شبهة مخرجة عنها؛ كحديث ضعيف أو لم تظهر، قالوا: الاصل خلو الذمة من التكاليف، لان الاصل فى كل ممكن العدم فلا نحكم بورود حكم إلا بدليل يخرجه عن حكم الاصل، فاذا لم نجد الدليل حصل لنا الظن بعدم وروده؛ فنحكم بعدمه، و وافقهم على ذلك كل المتأخرين من الامامية و ذلك لا يوافق أصول مذهب الشيعة؛ لانه إنما يصح قبل اكمال الدين، و تجويز خلو بعض الوقائع عن حكم معين ورد منه تعالى.
و أما بعد إكمال الدين كما هو نص القرآن العظيم، و بعد التصريح من الايمة(ع)بأن للّه سبحانه في كل واقعة حكما معينا و هو عندهم، و يجب علينا طلبه منهم أو من رواة أحاديثهم، و ما لم يتعين لنا حكمه بالنص عنهم(ع)يجب علينا التوقف فيه عن الفتوى؛ و نعمل[1]فيه بالاحتياط، فحينئذ لا يبقى للبراءة الاصلية حكم.
و قد تنبه لهذا صاحب «جمع الجوامع» من الشافعية حيث قال فيه:
(إذا خطر لك أمر فزنه بالشرع، فان كان مأمورا فبادر؛ فانه من الرحمن و ان كان منهيا فإياك فانه من الشيطان، و إن شككت أ مأمور أم منهي
[1]- في (ه) أو نعمل.