الحقة. و الثاني يفهم من فحوى اللفظ.
و أما الاستحسان فقالوا: هو دليل ينقدح في نفس المجتهد تعسر عبارته، و قد ذهب إليه الحنفية و الحنابلة، و أنكره غيرهم، و يظهر من العلامة اعتباره لانه قال في «التهذيب»: (إن حصل للمجتهد شك فيه لم يجز العمل به إجماعا و إلا وجب العمل به اتفاقا) انتهى.
و الحق منع العمل به لعدم الاذن فيه شرعا لأنه من جملة الرأي المذموم و نحن مأمورون بالرجوع إلى أيمة الهدى(ع)عند الحيرة، و اللّه الهادي.
(الفصل الخامس) في مشتركات الكتاب و السنة، و فيه مباحث:
(المبحث الاول) في الأمر، و فيه سبع مسائل:
(الأولى) الأمر: و هو طلب الفعل بالقول[1]على جهة الاستعلاء،
و الصيغة الدالة عليه «افعل» أو ما فى معناها.
(الثانية) اختلف «الأصوليون» فى مدلول هذه الصيغة
على خمسة عشر قولا، و الأكثر على أنها- حقيقة- فى الايجاب،- مجاز- في غيره، و اختاره الفخر الرازي و العلامة في «التهذيب» و المحقق و ابن الحاجب و قال أبو هاشم و بعض المعتزلة و العامة: إنها حقيقة في الندب[2].
و قال قوم: إنها حقيقة فى الايجاب و الندب [مشتركة] بينهما اشتراكا لفظيا بحسب اللغة، و اختاره المرتضى لكن قال: إنها إذا وردت في كلام الشارع
[1]- في (ه) بالنور.
[2]- في (ه) انها حقيقة حقيقة.
يجب حملها على الوجوب لأن عرف الشارع خصها بذلك حتى لا يتبادر إلى الفهم غيره، و لا تدل فى الكتاب و السنة على الندب إلا مع القرينة.
و قال قوم: هي حقيقة في الايجاب و الندب، مشتركة بينهما اشتراكا معنويا بمعنى أنها موضوعة للقدر المشترك بينهما.
و قال الأشعري و الباقلاني و الآمدي: بالوقف؛ بمعنى أنها موضوعة إما للوجوب أو للندب، أولهما بالاشتراك اللفظي، و لكن لا نعلم الواقع بعينه.
و قال قوم: بالوقف؛ بمعنى أنها حقيقة إما في الوجوب فقط أو في الندب فقط، أو مشتركة بينهما اشتراكا لفظيا أو معنويا، و لكن لا نعلم الواقع ما هو من الأقسام الأربعة، و هذا الوجه و ما قبله منقولان عن الغزالي.
و قال أبو بكر الابهري من المالكية: إنها إذا وردت في القرآن فهي للوجوب، و أما فى كلام الرسول(ص)فان كان عن وحي فهي للوجوب و الا فللندب.
و قال قوم: هي مشتركة بين الاحكام الخمسة؛ الوجوب و الحرمة و الندب و الكراهة و الاباحة.
و قال القاضي عبد الجبار: هي حقيقة فى إرادة الامتثال فقط، و الوجوب و غيره يعلم من القرآن.
و قال إمام الحرمين و السبكي و جماعة: إنها حقيقة فى الطلب الجازم من جهة اللغة و كون هذا الطلب متواعدا[1]عليه شيء آخر ثابت في أمر الشرع بدليل من خارج، و حينئذ فالوجوب مستفاد بهذا التركيب
[1]- في (ه) متوعدا عليه.
من الشرع و اللغة فقد وافق القائلين بالوجوب، و لكن خالفوهم في هذا التركيب.
أقول: أنظر إلى هذه الكلمة المتداولة على الالسن و إختلاف هؤلاء العقلاء في حقيقة مدلولها حيث اعتمدوا على ما تدركه عقولهم فكيف يصح الاعتماد في استنباط الاحكام المنوطة بالحكم حقيقة على غير المعصوم.
و لو راجع ذو الطبع السليم وجدانه لوجد الامر المجرد عن القرائن يدل لغة على الطلب الجازم، و يلزم منه توجه اللوم على المخالفة، و هو في كل شيء بحسبه، و لا معنى لتوجه اللوم شرعا، إلا استحقاق العقاب، و هو علامة الوجوب؛ كما قال امام الحرمين، و أما الندب و غيره فلا يفهم الا مع القرينة، هذا حكم السليقة. و من أراد اثبات ذلك بالجدل و البحث تعذر عليه.
(الثالثة): اختلف في الامر الوارد بعد الحظر،
فقال قوم: انه للاباحة؛ لان كل ما ورد منه في القرآن أ موافق لذلك؟ و كذلك في العرف؛ كما اذا نهى السيد عبده عن أمر ثم قال له بعد ذلك: افعله.
و قال العلامة و البيضاوي و الرازي: انه للوجوب؛ و لا يدل على غيره الا بقرينة.
و قال قوم: انه للندب. و قال امام الحرمين: بالوقف. و قال السيد المرتضى: انه من حيث هو لا يفيد وجوبا و لا ندبا، بل ان كان الحظر بعد أمر سابق يدل على الوجوب؛ فهو للوجوب، أو على الندب؛ فللندب، أو مترددا بين الوجوب و الندب فكذلك، أو إباحة فكذلك و اختاره العضدي.
(الرابعة) لا اشعار في صيغة الامر بحسب الوضع
بوحدة و لا تكرار
و انما يفهم ذلك من القرينة؛ لانها موضوعة لطلب الماهية من حيث هي، و فهم المرة منها لا لانها موضوعة لها؛ بل لأن ادخال الماهية فى الوجود لا يتأتى بأقل منها، فلا بد من المرة، و اختاره المرتضى و العلامة و الرازي و ابن الحاجب و الشيخ حسن و شيخنا البهائي.
و قال أبو الحسن البصري[1]: بالوحدة فقط. و قال الأسفراني:
بالتكرار؛ بحيث يستوعب مدة العمر إن أمكن.
و قال امام الحرمين: بالوحدة مع التوقف في الزائد بحيث لا يقتضي فيه بنفي و لا اثبات، و اختاره ابن زهرة.
(الخامسة) الامر لطلب نفس الفعل من غير دلالة على فور أو تراخ
لعدم دلالته على تعين أحدهما الا بالقرينة، و الفورية المستفادة في بعض الاوامر؛ كالمبادرة الى إخراج الزكاة و الحج عند وجوبهما، فمن دليل خارج؛ و اختاره المحقق و العلامة و الشافعي و الرازي و البيضاوي و ابن الحاجب. و قال الشيخ الطوسي و الحنفية و المالكية و الحنابلة: بالفورية.
و قال الجبائيان و أبو الحسين البصري و جماعة: بالتراخي؛ بمعنى جواز تأخيره عن أول أوقات الامكان.
و قال قوم: بالوقف؛ بمعنى أنه يحتمل الفور و التراخي، و متى لم تدل قرينة على جواز التراخي نقطع بالفورية، و اختاره السيد المرتضى، و هو مبني على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب.
(السادسة) الامر بالشيء في وقت معين إذا لم يفعل فيه؛
هل يحتاج إيقاعه في غيره إلى أمر آخر أم لا؟
الشيخ الطوسي و أكثر المحققين على أنه لا بدّ في وجوب القضاء من أمر
[1]- في (ه) أبو الحسين البصري.
جديد. و قال قوم: الاول كاف في وجوب القضاء.
(السابعة) الامر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده أم لا؟
السيد المرتضى و الغزالي و أكثر المعتزلة: أنه لا يقتضي ذلك أصلا، لا عن ضده العام و لا عن الخاص.
و قال المحقق: إنه ليس نهيا عن ضده من حيث اللفظ؛ بل من حيث المعنى، فان الامر بالوجوب يدل على إرادته و كراهة ضده.
و قال الباقلاني: إن الامر بالشيء نهي عن ضده، لا بمعنى أنه عينه؛ بل الامر به و النهي عن ضده حصلا بجعل واحد، كما أن الامر بالشيء أمر بمقدمته و المراد أنه يستلزمه.
و قال جماعة من العامة: إنه عين النهي عن ضده. و قال العلامة و الشيخ حسن و الشيخ البهائي: إنه يقتضي النهي عن ضده العام؛ بمعنى تركه، لان الضد له معنيان؛ خاص: و هو جزئي معين من الجزئيات التي لا تجامع المأمور به، كالقعود بالنسبة إلى القيام، و عام: و هو قسمان؛ أحدهما:
تركه، و الآخر: أحد أضداده الوجودية لا بعينه، و هذا أيضا يرجع الى الضد الخاص.
و توقف شيخنا البهائي في استلزام الامر بالشيء؛ النهي عن ضده الخاص، لتعارض الادلة و ضعفها، إلا ما دل على الترك.
و هذه المسألة من أمهات مسائل «الاصول» و ترى اختلاف العقلاء فيها، فكيف يوثق بها و بامثالها بان تجعل مدركا لاحكامه تعالى، بل لا مخلص من الحيرة الا التمسك بأئمة الهدى(عليهم السلام).
(المبحث الثاني) في النهي، و فيه أربع مسائل:
(الاولى) النهي: طلب ترك الفعل بالقول استعلاء
. (الثانية) كون النهي حقيقة في التحريم أو
الكراهة أو فيهما بالاشتراك اللفظي أو المعنوي أو الوقف[1]؛ كالأمر، فلا حاجة الى الاعادة.
(الثالثة) النهي المطلق؛
للدوام عند الاكثر؛ بمعنى أنه يقتضي ترك المنهي عنه دائما، و يلزم ذلك كونه للفور، و اختاره الشيخ البهائي.
و قال قوم انه يدل على إرادة ترك المنهي عنه جزما، و التكرار و الفور و غير ذلك يستفاد من القرائن، و اختاره المرتضى و الرازي و البيضاوي.
و قال الشيخ الطوسي: الذي يقوى في نفسي أن ظاهره يقتضي الامتناع مرة واحدة، و ما زاد على ذلك أ يحتاج الى دليل[2]؟.
(الرابعة) النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟.
و أعلم أن الفساد في العبادات عبارة عن عدم الاجزاء، و في المعاملات عبارة عن كونها مقيدة مفسدة[3]لاحكامها، و ثمرتها المقصودة منها. و هذه المسألة من المعاضل العظمى و فيها أقوال ستة:
«أولها» يدل على الفساد شرعا لا لغة، و اختاره السيد المرتضى
[1]- فى (ه) و الوقف.
[2]- في (ه) يحتاج الى دليل.
[3]- «مفسدة» لا توجد في (ه).
و ابن الحاجب و جماعة.
«ثانيها» يدل عليه لغة، قال به جماعة من العامة.
«ثالثها» يدل من حيث المعنى لا من حيث اللفظ؛ لأن النهي يدل على قبح المنهي عنه و حظره، و هو يضاد المشروعية، قال به جماعة من الحنفية.
«رابعها» لا يدل مطلقا، قاله القفال و أبو حنيفة و الباقلاني و الغزالي و جماعة، و أختلف هؤلاء فى دلالته على الصحة؛ فقال أبو حنيفة: يدل عليها بنفسه، و قال الآخرون. يدل عليها لا بنفسه بل بدليل من خارج.
«خامسها» التفصيل و هو أنه يدل عليه في العبادات دون المعاملات، و اختاره أبو الحسين البصري و الفخر الرازي و المحقق و العلامة و أتباعه.
«سادسها» أنه يدل عليه مطلقا، و اختاره الشيخ الطوسي بجريان الأدلة التي ذكرها «الاصوليون» فى العبادات و غيرها.
و اعلم أن النهي فى العبادة إما لعينها؛ كما إذا قيل- لا تصم- مثلا، فانه منهي عنه من حيث هو، و يقال له: المنهي عنه لعينه، و إما لجزئها كما إذا قيل- لا تمسح رجليك فى الوضوء حال التقية-، و المأمور به هو الغسل بدله، فهذا الوضوء منهي عنه لجزئه، و إما لشرطها؛ و المراد بالشرط الخارج اللازم- كالصلاة في الثوب المغضوب أو النجس-، فان تلك الصلاة منهي عنها، و النهي متوجه إلى شرطها فتفسد، لان الساتر من جملة شروطها اللازمة، و يقال له المنهي عنه لوصفه.
و أما الخارج المفارق فليس شرطا، كما لو حمل في الصلاة مغصوبا غير ساتر، و يقال له: المنهي عنه لغيره.
و مقتضى هذا الاصل عدم فساد الصلاة به، و اختاره المحقق، و قال بعض المتأخرين: تفسد؛ لانه نهي واقع في العبادة، و ضعفه ظاهر.
و الحق أنه لا مخلص من الحيرة في هذه الامور الا بالرجوع الى قول «من لايَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ».
(المبحث الثالث) في العام، و فيه أربع مسائل:
(الاولى) العام: هو اللفظ الموضوع للدلالة على استغراق أجزائه،
نحو «الرجال» أو جزئياته نحو «الرجل».
(الثانية) اختلف فى صيغ العموم المشهورة،
كأسماء الشرط و الاستفهام و الموصولات و اسم الجنس المعرف بلامه أو المضاف و الجمع كذلك و النكرة المنفية، هل هي حقائق فيه أم لا؟.
قال الشافعي و بعض المعتزلة و الفقهاء: إنها حقائق في العموم فقط، و استعمالها في الخصوص مجاز، و اختاره الشيخ في «العدة»[1].
و قال قوم: كل صيغة يدعى أنها للعموم فهي حقيقة فى الخصوص، و استعمالها في العموم مجاز.
و قال المرجئة: العموم لا صيغة له في لغة العرب، بل كلما يدعى في عمومه فهو مشترك بينه و بين الخصوص، و اختاره السيد المرتضى و قال:
ان تلك الصيغ نقلت في عرف الشرع الى العموم.
و قال الاشعري: تارة بالاشتراك كالمرجئة، و تارة بالوقف. و قال قوم: بالوقف في الاخبار دون الامر و النهي. و قال قوم: بالعكس.
و قال قوم: بالوقف في الوعيد لحسن الخلف فيه دون غيره. و قال قوم: بالتفصيل في صيغ العموم فحكموا بعموم بعضها دون بعض. و قال
[1]- «فى العدة» لا توجد فى (ه).