الموضوع و تؤثّر بشكل من الأشكال في توجيه المرجعية بالشكل الذي ترتضيه و تؤمّن مصالحها.
و مع أنّ هذه المحاولات لا تزال تبوء بالفشل في تاريخ المرجعية، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها هذه الفئة أو تلك في تحريف خط المرجعية، و مع أنّ المرجعية ظلّت على امتداد تاريخها الطويل- رغم كل هذه المحاولات- نظيفة مشرقة، لا يجد فيها أحد مغمزا .. رغم ذلك كلّه فإنّ على الامّة أن تكون واعية، مفتوحة العينين، مدركة لمسئولياتها الكبيرة في اختيار المرجع الذي تلقي إليه زمام التقليد و الزّعامة الإسلامية، مقدّرة كل التقدير جسامة المسئولية الملقاة على عاتقها في هذا الاختيار، و لا تنقاد من وراء موقف عاطفي، و لا تحكم بنظرة سطحية، و دون تقدير و حساب دقيق لمن تختار لهذه المسئولية الخطيرة.
الشروط التي لا بدّ منها في مرجع التقليد:
و نظرا لما تقدّم من مسئولية المرجع الديني، و مسئولية المقلّدين في اختيار مرجع التقليد من بين المرشّحين للمرجعية، فلا بدّ من التأكّد من صلاحية الشخص لهذه المسئولية، و توفّر الشروط التي لا بدّ منها فيه قبل اختياره لها.
و هذه الشروط كثيرة لا نريد أن نستقصيها جميعا، و بإمكان القارئ فيما لو أراد المزيد من المعرفة الرجوع إلى المباحث الفقهية المتعلّقة بالموضوع. و أهم هذه الشروط هي:- 1- الحياة.
2- الفقاهة (الاجتهاد).
3- العدالة.
و لمّا كان الفقهاء يتولّون في حياة المجتمع الإسلامي، مسئولية الولاية و الحكم، كان لا بدّ من إضافة شروط اخرى لا بدّ منها، فيمن يتولّى شئون المجتمع و إدارته و يتولّى مسئولية الحكم و الولاية فيه.
و أهم هذه الشروط التي نضيفها إلى الشروط المتقدّمة- كشرط رابع- لتحقيق هذه الغاية هو (الكفاءة و الوعي).
و لمّا كنّا قد بحثنا سابقا عن ضرورة انفتاح حركة الاجتهاد، و الأخطار التي تلحق الفقه الإسلامي عند تعطيل هذه الحركة و تمجيدها .. فسوف لا نحتاج إلى البحث عن اشتراط الحياة في مرجع التقليد.
فإنّ الرجوع إلى المجتهدين السابقين يؤدّي إلى تعطيل حركة الاجتهاد، و يفقد هذه الحركة أهمّ خصائصها، و هو المرونة في التطبيق. و للبحث عن الموضوع فقهيا مجال آخر.
و بناء عليه فسوف نقتصر فيما يلي من البحث عن الشروط المتقدّمة، باستثناء الحياة، و نترك التفصيل للأبحاث الفقهية المعنية بالموضوع.
1- الفقاهة[1]:
في مقدّمة الشروط التي لا بدّ منها في مرجع التقليد، هو الفقاهة و الاجتهاد، و هو ملكة نفسية تمكّن المجتهد من تحصيل الحجج و الأدلّة على الحكم الشرعي أو الوظيفة الشرعية[2]، و لا تتحقق هذه الملكة لدى الشخص،
[1]و المشهور من الفقهاء يذهبون إلى اشتراط الأعلمية في مرجع التقليد، و نقل الإجماع على ذلك المحقّق الثاني.
[2]حيث لا يتأتّى للفقيه معرفة الحكم الشرعي، يبحث عن الوظيفة الشرعية أو العقلية الثابتة له في ظرف الجهل بالحكم الشرعي.
إلّا بعد إلمام اطّلاع واسع و معمّق بالاصول و القواعد الفقهية التي تعين المجتهد على معرفة الحكم الشرعي و الوظيفة الشرعية. و لا بدّ من أن تكون هذه المعرفة نابعة عن رأي و نظر، و لا يكفي الاطّلاع وحده على هذه الاصول و القواعد، ما لم تصحبها ممارسة طويلة لاستعمال هذه الاصول في مجاريها الصحيحة .. فقد تختلف أحيانا مجاري هذه الاصول و القواعد اختلافات دقيقة جدّا، لا يتمكّن الفقيه من تمييزها دون ممارسة طويلة و خبرة واسعة في الموضوع، و هذا هو ما يعبّر عنه الفقهاء عادة بالقدرة على تطبيق الكبريات على صغرياتها.
فالطبيب الحاذق، ليس هو الذي يفهم القواعد الكلّية في الطب، و يفهم أحكاما كلّية عن الأمراض و المعالجات، و إنّما هو الذي يحسن تشخيص الأمراض، و تطبيق القواعد الكلّية في الطب على الانحرافات و الأعراض المرضيّة. و هذه القابلية لا تحصل للطبيب بالدراسة بقدر ما تحصل له بالممارسة و التجربة و العمل.
كما أنّ الاجتهاد يتطلّب من الفقيه معرفة كاملة بالحديث، و فهم مجمله و مبيّنه و ضعيفه و حسنه، و حلّ معضلاته و مشكلاته، و فهم الرجال الذين وصل إلينا الحديث على أيديهم من حيث الوثوق، و فهم ظروف صدور الحديث.
و في دراسة الأحاديث يتّفق كثيرا أن يلتقي الفقيه بأحاديث متعارضة من حيث المدلول، و ذلك لما كان يحيط ظروف صدور الحديث من ملابسات، لا نريد أن نتعرّض لها في هذا المجال.
و لا بدّ للفقيه أن يكون على معرفة واسعة بطرق علاج هذه المعارضات،
و ترجيح بعضها على بعض أو الجمع بينها فيما إذا أمكن.
و يتطلّب الاجتهاد من الفقيه، أن يكون على معرفة واسعة بالقرآن الكريم، و بصورة خاصة ما يتعلّق بالأحكام من آياته، و معرفة الناسخ من المنسوخ، و العام من الخاص، و المجمل من المبيّن.
و لا بدّ أن يكون للفقيه ممارسة طويلة لكلام العرب و أساليبهم في الشعر و النثر، تمكنه من فهم الكتاب و السنّة و تذوقهما بصورة سليمة خالية من التعقيد.
كما لا بدّ أن يملك الفقيه ذوقا فقهيّا سليما خاليا من التعقيد، بعيدا عن التكلّف، مسترسلا في فهم الحكم الشرعي؛ فإنّ الذّوق الشخصي و النظرة العامة التي تتكوّن لدى الفقيه عن الفقه، تؤثر كثيرا في فهمه للأدلّة و القواعد. و يسمّى عادة هذا الذّوق الفقهي بالشمّ الفقهي، و لا يستغني الفقيه عن هذا الشّم الفقهي أو الذّوق الفقهي في الاستنباط مهما بلغ علمه بالاصول و القواعد.
و يتكوّن لدى الفقيه هذا الحسّ من الاطّلاع الواسع على الكتب الفقهية القديمة و المعاصرة، و دراسة القرآن و الحديث بإمعان، و محاولة تكوين نظرة عامّة عن روح هذا الفقه و اتجاهه العام.
و من الطبيعي أنّ الفقيه لا يتيسّر له أن يبلغ هذا المبلغ من العلم و الفقاهة، دون أن يمضي أمدا طويلا في الدراسة و القراءة و التطبيق و المناقشة، و الاطّلاع على الموسوعات القرآنية و الحديثية لمختلف طبقات المفسّرين و المحدّثين و الفقهاء.
2- العدالة:
العدالة هي الاستقامة في السلوك، و عدم الانحراف عن الموازين الإسلامية، و هي شرط في مرجع التقليد، كما هي شرط في كثير من الامور الشرعية الاخرى؛ كالإمامة و الصلاة و الشهادة و غير ذلك.
و الدليل على اشتراطها في مرجع التقليد، هو ارتكاز المتشرعة، حيث لا يرجعون في امور دينهم إلى من كان يرتكب المحرّمات، و يعرف عنه ذلك.
و قد يستند في ذلك بما ورد في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري7: «فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه»[1].
و مهما كان من أمر سند الرواية، فإنّه لا يمكن التشكيك في اشتراط العدالة في مرجع التقليد، نظرا لأهمية المرجعية، و ما يكنّه المسلمون من احترام و تقدير كبيرين للشخص الذي يقوم باعباء هذا المنصب.
و لا يجوز الرجوع بالتقليد إلى أولئك الذين يتهافتون على متع الحياة، و يتهالكون على الزعامة و الشهرة و الظهور، متجاوزين في ذلك الوسائل و الطرق المشروعة.
فإنّ اختيار أمثال هؤلاء لمثل هذه المسئولية الإسلامية الخطيرة، قد يؤدي إلى تعريض هذا المنصب لأخطار الانزلاق و الانحراف.
و المسئولية التي يتحمّلها المرجع الديني في ممارسة شئون
[1]وسائل الشيعة: 18/ 95 كتاب القضاء- باب صفات القاضي- باب 10 عدم جواز تقليد غير المعصوم.
المرجعية، يتحمّلها الناس كذلك في اختيار المرجع الذي تتوفر فيه الصلاحيات التي تؤهله لهذه المهمّة الخطيرة. لذلك فإنّ من واجب المقلّدين في مثل هذه الحالات الفحص الكامل و الدقيق قبل اختيار المرجع الذي يرجعون إليه، و عن الشخص الذي يصلح لهذه المهمة الخطيرة في العالم الإسلامي.
3- الكفاءة:
سبق أن ذكرنا أنّ مسئولية المرجعية لا تقتصر على إصدار الفتوى، و بيان الحدود و الأحكام الإلهيّة، و إنّما تتناول قيادة المجتمع و العمل على سلامة الحياة الاجتماعية و استقرارها، و حماية أمن المجتمع الفكري و السياسي و الاجتماعي و الحضاري.
و لكي تتمكن المرجعية من أن تقوم بدورها بحماية المجتمع الإسلامي، و المحافظة على استقراره و سلامته، لا بدّ أن يتمتّع المرجع الذي يتسلّم زمام القيادة من حياة المسلمين بكفاءات و قابليات قيادية، و هي خصائص بعضها ذاتية، و بعضها مكتسبة تحصل بالخبرة و التجربة و ممارسة العمل.
فمرجع التقليد لا بدّ أن يملك الجرأة و الشجاعة الكافية لمواجهة الأحداث، و حزما و عزما لاتخاذ القرارات الملائمة للمواقف المختلفة، و عقلا مدبّرا لإدارة المجتمع. و لا بدّ للمرجع من حسّ اجتماعي و سياسي مرهف، و أن يكون على معرفة واسعة بالمجتمع و قطاعاته، و الأحداث التي تمرّ عليه، و قد كان النبي6و الأئمة:من أعلم الناس بالمجتمع و حاجاته و ضروراته، و بالحركات السياسية التي تحيط المجتمع، و كانت أعمالهم
تقوم على أساس من تخطيط و تفكير دقيق، و تشاور مع ذوي الرأي و الخبرة. و كان النبي6على معرفة واسعة بالجزيرة و عشائرها و زعماء هذه العشائر، و طبيعة المناطق التي يحتلونها، و كان كثيرا السؤال عمّا يتعلّق بميدان عمله و حسن الإصغاء، يصغي إلى محدّثه في انتباه و دقة، و يعرف الأشخاص معرفة دقيقة كاملة.
و كان سلوكه6في مكة و المدينة ينم عن تخطيط سياسي دقيق، و فهم واع لطبيعة المراحل التي تتطلّبها عملية تغييرية واسعة كالإسلام. كما كانت أعماله العسكرية، تنم عن تفكير عسكري و حربي مسبق.
و كان سلوكه مع أصحابه و مع المسلمين و مع المنافقين، ينمّ عن ذهنية مديرة و مدبّرة و حزم و لين و عقل، مكّنه من أن يحتضن هذا المجتمع الذي أسلم في إخلاص، و أحيانا في غير إخلاص، بكل الرواسب و التناقضات التي كان يحملها هذا المجتمع، دون أن تتعبه متاعب العمل و مشاكله، و تبعث في روحه الكبيرة اليأس و الملل، و دون أن يهدأ عن التفكير و التخطيط و الحركة لحظة من حياته. هذا كلّه بالإضافة إلى (العصمة) و (الوحي).
و إذا لم يتأت لإنسان، أن يحمل كل المواهب البشرية، فلا بدّ له حتى يصلح أن يكون مرجعا عاما للمسلمين، و يحمل عنهم المسئولية الإسلامية الكبرى، و يبعث في نفوسهم هذه الرسالة حيّة متحرّكة، و يكون خليفة للنبي6، لا بدّ له أن يتمتّع ببعض هذه الخصائص، و أن يملك بعض هذه الكفاءات و القابليات و الخبرات و التجارب، و بعض هذا الاهتمام، و بعض هذا الحزم و اللّين و الحكمة و العقل العملي.
فإنّ المرجعية بطبيعة ما أولاها الإسلام من اهتمام، و للصلاحيات
الكبيرة التي أناطها بها في مجال الحكم و الولاية- كما سنتعرّض لذلك في فصل قادم من هذا الكتاب- و بطبيعة الدور الذي تقوم به في الوقت الحاضر بشكل خاص، و نتيجة للظروف المعاصرة، يجب أن تتمتّع بكافة الإمكانات و القدرات المطلوبة منها، و يجب أن يكون المرجع الذي يتسلّم زمام القيادة بصفة شخصية، مؤهلا لذلك كلّه، و يملك مؤهّلات القيادة و الزعامة من الحزم و العزم و القوّة و الجرأة و اللين وسعة الصدر و بعد النظر و القدرة على التخطيط.
فلا تقتصر مسئوليته فقط، على بيان حدود اللّه و أحكامه في الصلاة و الصيام و أعمال الحج و أحكام الشكّ في الصلاة، و إنّما تتجاوز مسئولياته إلى حدود بعيدة جدّا، تتطلّب حزما و عزما و قوة و جرأة و عقلا و تفكيرا و تخطيطا، و غير ذلك من مؤهّلات الزعامة.
يقول الإمام أمير المؤمنين7:
«أيّها الناس: إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، و أعلمهم بأمر اللّه فيه، فإنّ شغب شاغب استعتب، فإن أبى قوتل»[1].
و لسنا بحاجة إلى مناقشة الرواية في سندها و متنها، فإنّ المسألة تبلغ حدّا من الوضوح و الضرورة، لا تضرّها مناقشة في سند الحديث أو متنه.
[1]نهج البلاغة: ص 247، خطبة 173.