و عرف أحكامنا، فليرضوا به حكما، فإنّي قد جعلته حاكما. فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخفّ بحكم اللّه، و علينا ردّ، و الرّاد علينا رادّ على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه».
و في رواية لأبي خديجة:
بعثني أبو عبد اللّه7إلى أصحابنا، فقال: «قل لهم إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداع في شيء من الأخذ و العطاء، أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق بينكم. اجعلوا رجلا قد عرف حلالنا و حرامنا، فإنّي قد جعلته قاضيا»[1].
و لا معنى (للحكومة) و (القضاء) التي يجعلها الإمام7في رواية عمر بن حنظلة و أبي خديجة للفقهاء، غير النفوذ في الحكم و القضاء، و وجوب الانقياد له من قبل المتخاصمين.
كما أنّ قوله7في رواية عمر بن حنظلة:
«فإذا حكم بحكمنا، فلم يقبل منه، فإنّما استخفّ بحكم اللّه».
صريح في نفوذ حكم القاضي و وجوب الانقياد له، و حرمة نقضه من قبل المتخاصمين و غيرهما.
3- سلطة الحكم و الولاية و التنفيذ:
و الحديث في هذا الأمر من السهل الممتنع، و الواضح العسير. سهل و واضح؛ لأنّ كل من يلقي نظرة إلى هذا الدين و طبيعته و رسالته في الحياة، و دوره في إقامة حكم اللّه و مسئوليته في تعبيد الإنسان للّه و انقاذه من سلطة
[1]وسائل الشيعة 18/ 100، باب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 6.
الطاغوت، و يحكّم شرعية اللّه و يطمئن إلى أنّ موقع هذا الدين في حياة الإنسان هو موقع القيادة و الحاكمية و الولاية، و لا بدّ من وجود صورة محدّدة و دقيقة للحكم و جهازه في الفقه الإسلامي. و في نفس الوقت عمل صعب و عسير؛ لأنّ الفترة التاريخية الطويلة التي اقصي الإسلام فيها عن ممارسة دوره في حياة الإنسان من الحكم، و اقتصر دور الإسلام فيها على الشئون الفردية للإنسان من عبادة و من أحوال شخصية و عائلية.
أقول: إنّ هذه الفترة التاريخية الطويلة أدّت إلى إضعاف التصوّر الفقهي و البحث الفقهي لهذا الشأن الخطير و المهم من شئون الإسلام، و إلى نضوب شديد للممارسات الفقهية و الفكرية في هذا المجال ممّا يجعل الكتابة و البحث في هذا الأمر صعبا عسيرا.
و مهما يكن من أمر، فإنّنا سوف نبدأ بتكوين إطار عام للتصوّر الإسلامي في أمر الحكم و الولاية و التنفيذ، لننطلق منه إلى دراسة الصورة و الصيغة التي يطرحها الإسلام لولاية و حاكمية الفقيه، بقدر ما يتّسع له صدر هذا البحث الذي لم نرد له أن يكون بحثا علميا، على مستوى الاختصاص الفقهي، و إنّما أردنا به تكوين فكرة عامة عن الاجتهاد و التقليد و شئون المجتهد الفقيه و صلاحياته، بما يفيد المساحة الواسعة من القرّاء من غير ذوي الاختصاص.
الحاكمية في رسالات اللّه
قبل أن ندخل تفاصيل البحث عن موقع الحكم من الإسلام، و المناهج التشريعية التي وضعها الإسلام لممارسة الحكم على وجه الأرض، أودّ أن أتحدّث بعض الوقت عن موقع الحكم من رسالات اللّه، بصورة عامة، و موقع رسالات اللّه على وجه الأرض من حياة الإنسان.
فإنّ ما يقال عن رسالات اللّه تعالى، يقال عن الإسلام، و ما يقال عن الإسلام في جوهره و اصوله، يقال عن رسالات اللّه بشكل عام.
فإنّ رسالات اللّه مجموعة متكاملة، تسير في اتجاه واحد، و تخطّط لحياة الإنسان و سلامته، و استقراره، و تعبيده للّه تعالى، و إعداده للغايات السامية التي خلقه اللّه تعالى من أجلها. و إذا كانت تختلف عن بعضها في بعض التفاصيل و الأحكام التي تتطلّبها طبيعة المرحلية في هذه الرسالات، فإنّها لا تختلف عن بعضها في جوهرها و اصولها و ملامحها العامة.
و لهذا السبب نعتقد أنّ من الأفضل أن ينطلق البحث في هذا الموضوع، من موقع السيادة و الحكم من رسالات اللّه تعالى، بشكل عام، ليستدرجنا البحث بعد ذلك إلى موضع الإسلام من هذه القضية، و موقعها منه.
فهناك كثيرون من المؤمنين باللّه، مسلمين و غير مسلمين، يعتقدون أنّ رسالات اللّه تعالى، تنتهي عند دعوة الناس إلى عبادة اللّه، ضمن الطقوس الدينية المعروفة، ثمّ تهذيب الإنسان في خلقه و سلوكه، و تنظيم ما يتعلّق بحياته الشخصية من زواج و طلاق و ميراث، و ما يتّصل بذلك من الأحوال الشخصية.
و ما عدا ذلك من شئون الحياة، فأمره قد انيط بالإنسان نفسه، يصنع ما يروق له، أو تمليه عليه ظروفه، بصورة فردية أو اجتماعية.
و قد أدّى هذا التصوّر الساذج للدين و دوره في حياة الإنسان، إلى إقصاء رسالات اللّه تعالى عن أكثر مجالات الحياة حيويّة و فاعلية، و انعزال المؤمنين باللّه عن رسالتهم في مجالات خصبة و فاعلة من الحياة، كما أدّى إلى عزل رسالات اللّه عن القيام بالدور التغييري البنّاء، الذي أراده اللّه تعالى لدينه على وجه الأرض.
الدور التغييري لرسالات اللّه
و لست أعرف تصوّرا للدين و دوره في حياة الإنسان، أكثر سذاجة من هذا التصوّر. و لا أعتقد أنّ في رسالة من رسالات اللّه، ما يوحي بهذا التصوّر الساذج، و لا أدري كيف تسرّب هذا التصوّر إلى أذهان المتدينين؟ فإنّ كلّ
شيء في مسيرة رسالات اللّه، و تعاليم أحكام اللّه ينفي هذا التصوّر، و يعطي الدين طابعه التغييري الواضح.
و بغير هذه النظرة التغييرية لا نستطيع نحن أن نفهم فهما واضحا تاريخ رسالات اللّه، و الإنجازات الكبيرة التي قام بها أنبياء اللّه، و أبعاد الدعوة التي كان يحمل أعبائها رسل اللّه على وجه الأرض.
فلم تكن مسئولية هذه الرسالات على وجه الأرض، مسئولية بلا محتوى تغييري، بل كانت هذه الرسالات تنطوي على جهد تغييري مركز في القضاء على الاسلوب الجاهلي في التفكير، و الحضارات الجاهلية، و إعادة بناء الإنسان و حضارته و مجتمعه في ضوء رسالة اللّه و دينه.
و كان الدور الذي تتعهّده هذه الرسالات في حياة الإنسان، دورا قائدا، يهدف إلى تغيير المجتمع و بنائه من جديد، بكل ما في هذه الكلمة من سعة و عمق.
فإنّ إعادة بناء الإنسان و تغييره، ذو مدلول علمي واسع، يعني فيما يعني تغيير اسلوبه في التفكير و نمط حياته، و عقيدته و فلسفته في الحياة، و النظام الذي ينظّم حياته، و العلاقات الاجتماعية التي يرتبط بها، و عقله و عاطفته، و اسلوبه في التعامل مع نفسه و مع المجتمع، و مع الكون و مع اللّه، و أيّ شيء آخر يرتبط بحياته و تفكيره من بعيد أو قريب.
و على نحو الإجمال؛ كانت المهمّة التغييرية التي تتعهّدها رسالات اللّه على وجه الأرض، تتلخّص في عملية هدم و بناء للإنسان، بما تتطلّبه هذه العمليّة من جهد شاق و عمل صعب.
و لم تكن تخلو مسيرة هذه الرسالات من متاعب و مشاكسات،
و عقبات كان يزرعها في الطريق، أولئك الذين كانوا ينتفعون من الحياة الجاهلية.
و كان هؤلاء دائما يتصدّون لهذه المسيرة الإلهية، و يعملون ما في جهدهم لعرقلة سيرها و انطلاقها، و يزرعون في طريق هذه الرسالات ما يستطيعون من عقبات و عراقيل و ألغام و مشاكل.
و لم يكن يحدث شيء من ذلك، لو لم تكن هذه الرسالات تحمل معها هذه المسئولية التغييرية الكبيرة. و لم تكن تواجه هذا التصدّي العنيف من جانب الطواغيت المستكبرين على وجه الأرض، لو لم تكن تشكل خطرا فعليا على الكيانات الاجتماعية القائمة.
و كلّ ذلك و غيره يدلّ بكل وضوح، على أنّ مسيرة رسالات اللّه كانت مسيرة تغييرية قائدة، لا تتهاون و لا تساوم، و لا تلين للإغراءات، و لا تخضع لما تلاقيه من ضغوط سياسية و اجتماعية، و لا تعبأ بما يلاقيه أصحابه من عنف و قسوة في التعامل من قبل المجتمع.
توحيد العبوديّة للّه
و القاعدة التي تنطلق عنها هذه الحركة التغييرية الواسعة، هي بكل بساطة توحيد العبادة و العبودية للّه، و كلمة «لا إله إلّا اللّه» هي الشعار الدائم و المستمر لهذه الانطلاقة الجبّارة على وجه الأرض، و عبر هذا التاريخ الطويل.
و لا يختلف في ذلك دين عن آخر، و لا رسالة عن اخرى:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ وَ مٰا وَصَّيْنٰا بِهِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ وَ عِيسىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لٰا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مٰا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ[1].
لَقَدْ أَرْسَلْنٰا نُوحاً إِلىٰ قَوْمِهِ فَقٰالَ يٰا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّٰهَ مٰا لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخٰافُ عَلَيْكُمْ عَذٰابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ[2].
وَ إِلىٰ عٰادٍ أَخٰاهُمْ هُوداً قٰالَ يٰا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّٰهَ مٰا لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرُهُ أَ فَلٰا تَتَّقُونَ[3].
وَ إِلىٰ ثَمُودَ أَخٰاهُمْ صٰالِحاً قٰالَ يٰا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّٰهَ مٰا لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جٰاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ[4].
وَ إِلىٰ مَدْيَنَ أَخٰاهُمْ شُعَيْباً قٰالَ يٰا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّٰهَ مٰا لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرُهُ قَدْ جٰاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ[5].
و لا عليك، بعد، من تثليث المسيحيين، و تأليههم للمسيح عيسى بن مريم7، و شرك اليهود، فإنّ ذلك شيء حدث بعد موسى و عيسى8، و لم يدعوا إليه، و لم يرتضياه.
فهذه الرسالات، إذن، في جوهرها دعوة إلى توحيد اللّه تعالى، و رفض
[1]الشورى: 13.
[2]الأعراف: 59.
[3]الأعراف: 65.
[4]الأعراف: 73.
[5]الأعراف: 85.
للشرك في العبودية بكل معانيه، و هو ما تلخّصه كلمة «لا إله إلّا اللّه» تلخيصا مستوعبا. فهي تدلّ على رفض أي إله على وجه الأرض و في السماء غير اللّه، و توحيد الالوهية في اللّه، و توحيد العبودية له تعالى.
و ضمن هذا التصوّر نجد أنّ (التوحيد) و الولاء و الحاكمية يرتبطان ببعض ارتباطا وثيقا. و الولاية و السيادة و الحاكمية نابعة في هذا الدين من أصل (التوحيد) مباشرة.
و نحن فيما يلي نشير إلى النظام التوحيدي الشامل في الإسلام من خلال القرآن الكريم، و علاقة الولاية و السيادة و الحكم و التشريع بهذا الجانب في حلقات مترابطة متماسكة.
يقرر القرآن (التوحيد) ضمن نظام شامل، هذا النظام يبدأ من التوحيد في الخلق و الالوهية و الربوبية، و ينتهي إلى التوحيد في أمر السيادة و التشريع.
و فيما يلي استعراض سريع للنظام التوحيدي في القرآن:
1- توحيد الخلق:
يقول تعالى:يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خٰالِقٍ غَيْرُ اللّٰهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ فَأَنّٰى تُؤْفَكُونَ[1].
ذٰلِكُمُ اللّٰهُ رَبُّكُمْ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ خٰالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ[2].
[1]فاطر: 3.
[2]الأنعام: 102.