التربية) و الاستصلاح، و الرعاية و التدبير. يقول الراغب في المفردات[1]: الربّ في الأصل التربية و هو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام. و قال في الصحاح[2]: ربّ الضيعة أي أصلحها و أتمها، و ربّ فلان ولده أي ربّاه. و بهذا المعنى استعمل القرآن هذه الكلمة كثيرا.
يقول تعالى:الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ* وَ إِذٰا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ[3].
قٰالَ فَمَنْ رَبُّكُمٰا يٰا مُوسىٰ* قٰالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ[4].
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصٰارَ وَ مَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ مَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّٰهُ فَقُلْ أَ فَلٰا تَتَّقُونَ* فَذٰلِكُمُ اللّٰهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمٰا ذٰا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلٰالُ فَأَنّٰى تُصْرَفُونَ[5].
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهٰارِ وَ يُولِجُ النَّهٰارَ فِي اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذٰلِكُمُ اللّٰهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مٰا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ[6].
[1]المفردات للراغب: ص 184 مادة (رب).
[2]الصحاح للجوهري: 1/ 130.
[3]الشعراء: 78- 80.
[4]طه: 49- 50.
[5]يونس: 31- 32.
[6]فاطر: 13.
ب- و يأتي الربّ بمعنى المالك، يقول تعالى:فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هٰذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ[1].
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ[2].
رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ رَبُّ الْمَشٰارِقِ[3].
وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرىٰ[4].
ج- و يحقّ للرب بموجب هذا التدبير و الاستصلاح و الرعاية للكون و للإنسان أن ينيب إليه الناس و يدعونه:وَ إِذٰا مَسَّ الْإِنْسٰانَ ضُرٌّ دَعٰا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ[5].
و يستحق بذلك على الناس الحمد:فَلِلّٰهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمٰاوٰاتِ وَ رَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ[6].
الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ[7].
و يستحق على الناس الاستغفار:فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كٰانَ غَفّٰاراً[8].
[1]قريش: 3- 4.
[2]المؤمنون: 86.
[3]الصافات: 5.
[4]النجم: 49.
[5]الزمر: 8.
[6]الجاثية: 36.
[7]الفاتحة: 1.
[8]نوح: 10.
و يستحق بذلك على الناس العبادة:فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هٰذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ[1].
رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا فَاعْبُدْهُ وَ اصْطَبِرْ لِعِبٰادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا[2].
إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[3].
و يستحق على عباده الطاعة و التبعية:اتَّبِعُوا مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لٰا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ[4].
و يستحق على عباده الإيمان و الطاعة:وَ تِلْكَ عٰادٌ جَحَدُوا بِآيٰاتِ رَبِّهِمْ وَ عَصَوْا رُسُلَهُ وَ اتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّٰارٍ عَنِيدٍ[5].
و يستحق على عباده الطاعة و الانقياد و أن يولّوا وجوههم وجهه:
فَلَمّٰا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأىٰ كَوْكَباً قٰالَ هٰذٰا رَبِّي فَلَمّٰا أَفَلَ قٰالَ لٰا أُحِبُّ الْآفِلِينَ* ... فَلَمّٰا رَأَى الشَّمْسَ بٰازِغَةً قٰالَ هٰذٰا رَبِّي هٰذٰا أَكْبَرُ فَلَمّٰا أَفَلَتْ قٰالَ يٰا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّٰا تُشْرِكُونَ* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ[6].
د- إذن للربوبية أصلان و معنيان في القرآن:
[1]قريش: 3- 4.
[2]مريم: 65.
[3]الأنبياء: 92.
[4]الأعراف: 3.
[5]هود: 59.
[6]الأنعام: 76- 79.
أحدهما: الرعاية و التدبير و الاستصلاح. و الثاني: الملك. و بناء على كلّ منهما يستحق (الربّ) من المربوبين الحمد و الإنابة و الاستغفار و الطاعة و الاتباع و الانقياد و التسليم.
و لم يكن يشك أحد من المشركين في ربوبية اللّه تعالى، كما لم يشكّوا في أنّه تعالى هو الخالق، إلّا أنّهم كانوا يؤمنون بتوحيد الخالقية، أمّا الربوبية فكانوا يقولون فيها بالتعدد و التجزؤ و الشرك.
فكانوا يرون أنّ للملائكة و الجنّ و الأرواح و النجوم حظّا في تدبير الكون و الإنسان، و حظّا في رعاية حياة الإنسان و استصلاحه و استصلاح الكون. هذا فيما يتعلق بالشرك في المعنى الأوّل من معنيي (الرب)، و أمّا الشرك الذي كانوا يقترفونه في المعنى الثاني من معنيي (الرب) فهو في اعتبار الإنسان شريكا للّه تعالى في الملك.
و بذلك كانوا يرون الملوك و الحكام (الطغاة) الذين كانوا يملكون البلاد أنّهم أرباب هذه البلاد، و يحقّ لهم بموجب هذه الربوبية أن يعبدهم الناس و يطيعوهم و يتبعوهم و يتولوهم، و كان ملاك ذلك كلّه هو الملك.
فقد كان نمرود- طاغية عصر إبراهيم7- يدّعي الربوبية، و كان السبب في هذه الدعوى هو (أن آتاه اللّه الملك). تأملوا في هذه الآيات المباركة:أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرٰاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتٰاهُ اللّٰهُ الْمُلْكَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ ...[1].
و كان فرعون- طاغية عصر موسى7- يدّعي الربوبية، يقول تعالى:
[1]البقرة: 258.
فَكَذَّبَ وَ عَصىٰ* ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعىٰ* فَحَشَرَ فَنٰادىٰ* فَقٰالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلىٰ[1].
و كان ملاك هذه الربوبية عنده (الملك).
يقول تعالى:وَ نٰادىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قٰالَ يٰا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هٰذِهِ الْأَنْهٰارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلٰا تُبْصِرُونَ[2].
و القرآن يقرر في مقابل دعوى تجزئة الملك و تعدّد المالكية، و تعدّد التدبير و تجزئته، وحدة التدبير و الملك، و بالتالي توحيد الربوبية.
يقول تعالى:قُلْ أَ غَيْرَ اللّٰهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ[3]،رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا[4]،قٰالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ[5]و هذا هو أصل (توحيد الربوبية).
4- توحيد التشريع:
للربوبية و الالوهية حقوق و اختصاصات تخص (الإله) و (الربّ) في حياة الناس و من هذه الاختصاصات و الحقوق، حقّ التشريع في حياة الإنسان. و قد اختصّ تعالى لنفسه بهذا الحق في حياة الإنسان.
و ذلك أنّ اللّه تعالى وحده الإله الحاكم في حياة الإنسانوَ هُوَ الَّذِي فِي
[1]النازعات: 21- 24.
[2]الزخرف: 51.
[3]الأنعام: 164.
[4]المزمل: 9.
[5]الأنبياء: 56.
السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ[1].
و هو وحده (رب المشارق و المغارب) و (رب الناس)، أنشأهم و ربّاهم و يملكهم و يدبر امورهمقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّٰاسِ* مَلِكِ النّٰاسِ* إِلٰهِ النّٰاسِفهو بالضرورة يحقّ له وحده، أن يشرّع للناس، فإنّ التشريع يحدّد من حريّة الإنسان بالضرورة، و لا يحقّ لأحد أن يحدّد من حريّة الآخرين، إلّا إذا كان يملك امورهم، و كان المدبّر المهيمن الحاكم عليهم و هو اللّه تعالى فقط، و لا يشاركه فيه أحد؛ فإنّ الخلق و التدبير و الهيمنة و الملك في نظر القرآن كل لا يتجزأ و لا يتعدّد، فلا ملك بالحقيقة و لا سلطان و لا هيمنة، و لا تدبير لغير اللّه تعالى في حياة الإنسان إلّا أن يكون بإذن اللّه و في امتداد سلطان اللّه و ملكه و هيمنته و تدبيره.
و توحيد الخلق و التدبير و الهيمنة و الملك يقتضي توحيد التشريع بالضرورة، فلا يحقّ لأحد أن يشرّع للآخرين إلّا بإذنه و أمره.
و الحكم حكمان و لا ثالث لهما:
فأمّا أن يكون الحكم للّه و بأمر اللّه فهو دين اللّه. و أمّا أن يكون لغير اللّه فهو من حكم الجاهلية. يقول تعالى:أَ فَحُكْمَ الْجٰاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[2].
و القرآن صريح في توحيد التشريع، يقول تعالى:وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ[3]،وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ
[1]الزخرف: 84.
[2]المائدة: 50.
[3]المائدة: 44.
الظّٰالِمُونَ[1]،وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ[2].
فلا يحقّ لأحد أن يشرّع لحياة الناس، و لا يحقّ للناس أن يأخذوا بشرع و دين غير شرع اللّه و دينه و حكمه.
5- توحيد الحاكمية و السيادة:
و الحق الآخر الذي اختص اللّه تعالى به لنفسه بالالوهية و الربوبية هو حقّ الحاكمية و السيادة في حياة الإنسان.
و شرعية الولاية و الحاكمية و السيادة في حياة الناس لا تنفك عن الملك و السلطان و التدبير و الهيمنة التكوينية للّه تعالى على الكون و الإنسان. و من يملك هذا الملك و السلطان و الهيمنة بالتكوين، يملك شرعية الولاية و السلطان و السيادة في حياة الناس بالأمر و النهي. و العلاقة بين تلك و هذه علاقة بديهية بحكم العقل.
و يقرر القرآن توحيد السيادة و الحاكمية بصراحة و وضوح بقوله تعالى:إِنِ الْحُكْمُ إِلّٰا لِلّٰهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفٰاصِلِينَ[3]و الآية الشريفة واضحة في حصر الولاية و الحاكمية في اللّه تعالى و توحيدها له تعالى.
و يقول تعالى:لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولىٰ وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[4]و هذه الحاكمية من خصائص الالوهية و الربوبية، كما أنّ حقّ
[1]المائدة: 45.
[2]المائدة: 47.
[3]الأنعام: 57.
[4]القصص: 70.
التشريع من خصائص الألوهية و الربوبية، و توحيد الربوبية و الالوهية يقتضي توحيد التشريع و السيادة للّه تعالى في حياة الإنسان.
فكلمة التوحيد، إذن، ترفض أي إله و حاكم على وجه الأرض غير اللّه، و تسلب حقّ الحكم و القيمومة في حياة الإنسان من غير اللّه، و تحصر الالوهية و الحاكمية في حياة الإنسان في اللّه ربّ العالمين.
فهي دعوة صريحة إذن إلى توحيد العبودية للّه تعالى، و الخضوع و الاستسلام لأمر اللّه و حكمه في كل شيء يتعلّق بحياة الإنسان و تفكيره من دون تردّد أو تريّث. فهو الحاكم المطلق في حياة الناس، و الناس عباد مخلوقون له، محكومون لأمره لا يملكون من دونه، من أمرهم شيئا.
و ذلك جوهر الدعوة في كل رسالات اللّه، من دون فرق، و العمود الفقري لكل دين للّه على وجه الأرض، في أي مرحلة من مراحل تاريخ الإنسان، و مهما اختلفت رسالات اللّه في التفاصيل و الأحكام، فلا تكاد تختلف فيما بينها في هذه الحقيقة الجوهرية، التي تشكّل جوهر هذه الرسالات و أصلها.
و ناهيك به قاعدة للتغيير و الانقلاب، فهو انقلاب و تغيير في كل شيء في حياة الإنسان، تغيير واسع يشمل كل أطراف الحياة، و عميق يتناول أعمق أعماق الحياة.
إذن، المنطلق الذي تنطلق منه رسالات اللّه هو تعبيد الإنسان للّه تعالى، و هو ذو مدلول فطري و سلوكي عميق. فإنّ الإنسان عند ما يعترف للّه بالعبودية، لا يملك أن يمارس شأنا من شئون حياته الفردية و الاجتماعية بمعزل عن شريعة اللّه و منهجه.