بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 130

أحدهما: الرعاية و التدبير و الاستصلاح. و الثاني: الملك. و بناء على كلّ منهما يستحق (الربّ) من المربوبين الحمد و الإنابة و الاستغفار و الطاعة و الاتباع و الانقياد و التسليم.

و لم يكن يشك أحد من المشركين في ربوبية اللّه تعالى، كما لم يشكّوا في أنّه تعالى هو الخالق، إلّا أنّهم كانوا يؤمنون بتوحيد الخالقية، أمّا الربوبية فكانوا يقولون فيها بالتعدد و التجزؤ و الشرك.

فكانوا يرون أنّ للملائكة و الجنّ و الأرواح و النجوم حظّا في تدبير الكون و الإنسان، و حظّا في رعاية حياة الإنسان و استصلاحه و استصلاح الكون. هذا فيما يتعلق بالشرك في المعنى الأوّل من معنيي (الرب)، و أمّا الشرك الذي كانوا يقترفونه في المعنى الثاني من معنيي (الرب) فهو في اعتبار الإنسان شريكا للّه تعالى في الملك.

و بذلك كانوا يرون الملوك و الحكام (الطغاة) الذين كانوا يملكون البلاد أنّهم أرباب هذه البلاد، و يحقّ لهم بموجب هذه الربوبية أن يعبدهم الناس و يطيعوهم و يتبعوهم و يتولوهم، و كان ملاك ذلك كلّه هو الملك.

فقد كان نمرود- طاغية عصر إبراهيم7- يدّعي الربوبية، و كان السبب في هذه الدعوى هو (أن آتاه اللّه الملك). تأملوا في هذه الآيات المباركة:أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرٰاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتٰاهُ اللّٰهُ الْمُلْكَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ ...[1].

و كان فرعون- طاغية عصر موسى7- يدّعي الربوبية، يقول تعالى:

[1]البقرة: 258.


صفحه 131

فَكَذَّبَ وَ عَصىٰ* ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعىٰ* فَحَشَرَ فَنٰادىٰ* فَقٰالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلىٰ[1].

و كان ملاك هذه الربوبية عنده (الملك).

يقول تعالى:وَ نٰادىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قٰالَ يٰا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هٰذِهِ الْأَنْهٰارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلٰا تُبْصِرُونَ[2].

و القرآن يقرر في مقابل دعوى تجزئة الملك و تعدّد المالكية، و تعدّد التدبير و تجزئته، وحدة التدبير و الملك، و بالتالي توحيد الربوبية.

يقول تعالى:قُلْ أَ غَيْرَ اللّٰهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْ‌ءٍ[3]،رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا[4]،قٰالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ[5]و هذا هو أصل (توحيد الربوبية).

4- توحيد التشريع:

للربوبية و الالوهية حقوق و اختصاصات تخص (الإله) و (الربّ) في حياة الناس و من هذه الاختصاصات و الحقوق، حقّ التشريع في حياة الإنسان. و قد اختصّ تعالى لنفسه بهذا الحق في حياة الإنسان.

و ذلك أنّ اللّه تعالى وحده الإله الحاكم في حياة الإنسانوَ هُوَ الَّذِي فِي

[1]النازعات: 21- 24.

[2]الزخرف: 51.

[3]الأنعام: 164.

[4]المزمل: 9.

[5]الأنبياء: 56.


صفحه 132

السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ[1].

و هو وحده (رب المشارق و المغارب) و (رب الناس)، أنشأهم و ربّاهم و يملكهم و يدبر امورهمقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّٰاسِ* مَلِكِ النّٰاسِ* إِلٰهِ النّٰاسِفهو بالضرورة يحقّ له وحده، أن يشرّع للناس، فإنّ التشريع يحدّد من حريّة الإنسان بالضرورة، و لا يحقّ لأحد أن يحدّد من حريّة الآخرين، إلّا إذا كان يملك امورهم، و كان المدبّر المهيمن الحاكم عليهم و هو اللّه تعالى فقط، و لا يشاركه فيه أحد؛ فإنّ الخلق و التدبير و الهيمنة و الملك في نظر القرآن كل لا يتجزأ و لا يتعدّد، فلا ملك بالحقيقة و لا سلطان و لا هيمنة، و لا تدبير لغير اللّه تعالى في حياة الإنسان إلّا أن يكون بإذن اللّه و في امتداد سلطان اللّه و ملكه و هيمنته و تدبيره.

و توحيد الخلق و التدبير و الهيمنة و الملك يقتضي توحيد التشريع بالضرورة، فلا يحقّ لأحد أن يشرّع للآخرين إلّا بإذنه و أمره.

و الحكم حكمان و لا ثالث لهما:

فأمّا أن يكون الحكم للّه و بأمر اللّه فهو دين اللّه. و أمّا أن يكون لغير اللّه فهو من حكم الجاهلية. يقول تعالى:أَ فَحُكْمَ الْجٰاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[2].

و القرآن صريح في توحيد التشريع، يقول تعالى:وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ[3]،وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ

[1]الزخرف: 84.

[2]المائدة: 50.

[3]المائدة: 44.


صفحه 133

الظّٰالِمُونَ[1]،وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ[2].

فلا يحقّ لأحد أن يشرّع لحياة الناس، و لا يحقّ للناس أن يأخذوا بشرع و دين غير شرع اللّه و دينه و حكمه.

5- توحيد الحاكمية و السيادة:

و الحق الآخر الذي اختص اللّه تعالى به لنفسه بالالوهية و الربوبية هو حقّ الحاكمية و السيادة في حياة الإنسان.

و شرعية الولاية و الحاكمية و السيادة في حياة الناس لا تنفك عن الملك و السلطان و التدبير و الهيمنة التكوينية للّه تعالى على الكون و الإنسان. و من يملك هذا الملك و السلطان و الهيمنة بالتكوين، يملك شرعية الولاية و السلطان و السيادة في حياة الناس بالأمر و النهي. و العلاقة بين تلك و هذه علاقة بديهية بحكم العقل.

و يقرر القرآن توحيد السيادة و الحاكمية بصراحة و وضوح بقوله تعالى:إِنِ الْحُكْمُ إِلّٰا لِلّٰهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفٰاصِلِينَ[3]و الآية الشريفة واضحة في حصر الولاية و الحاكمية في اللّه تعالى و توحيدها له تعالى.

و يقول تعالى:لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولىٰ وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[4]و هذه الحاكمية من خصائص الالوهية و الربوبية، كما أنّ حقّ‌

[1]المائدة: 45.

[2]المائدة: 47.

[3]الأنعام: 57.

[4]القصص: 70.


صفحه 134

التشريع من خصائص الألوهية و الربوبية، و توحيد الربوبية و الالوهية يقتضي توحيد التشريع و السيادة للّه تعالى في حياة الإنسان.

فكلمة التوحيد، إذن، ترفض أي إله و حاكم على وجه الأرض غير اللّه، و تسلب حقّ الحكم و القيمومة في حياة الإنسان من غير اللّه، و تحصر الالوهية و الحاكمية في حياة الإنسان في اللّه ربّ العالمين.

فهي دعوة صريحة إذن إلى توحيد العبودية للّه تعالى، و الخضوع و الاستسلام لأمر اللّه و حكمه في كل شي‌ء يتعلّق بحياة الإنسان و تفكيره من دون تردّد أو تريّث. فهو الحاكم المطلق في حياة الناس، و الناس عباد مخلوقون له، محكومون لأمره لا يملكون من دونه، من أمرهم شيئا.

و ذلك جوهر الدعوة في كل رسالات اللّه، من دون فرق، و العمود الفقري لكل دين للّه على وجه الأرض، في أي مرحلة من مراحل تاريخ الإنسان، و مهما اختلفت رسالات اللّه في التفاصيل و الأحكام، فلا تكاد تختلف فيما بينها في هذه الحقيقة الجوهرية، التي تشكّل جوهر هذه الرسالات و أصلها.

و ناهيك به قاعدة للتغيير و الانقلاب، فهو انقلاب و تغيير في كل شي‌ء في حياة الإنسان، تغيير واسع يشمل كل أطراف الحياة، و عميق يتناول أعمق أعماق الحياة.

إذن، المنطلق الذي تنطلق منه رسالات اللّه هو تعبيد الإنسان للّه تعالى، و هو ذو مدلول فطري و سلوكي عميق. فإنّ الإنسان عند ما يعترف للّه بالعبودية، لا يملك أن يمارس شأنا من شئون حياته الفردية و الاجتماعية بمعزل عن شريعة اللّه و منهجه.


صفحه 135

و أيّ تصرّف يقوم به الإنسان- العبد- بعيدا عن منهج اللّه، يعتبر خرقا لالتزامات العبودية المطلقة، التي يعترف بها العبد تجاه ربّه، و يعتبر تمرّدا على شريعته و طغيانا.

و الإسلام بهذا المعنى، و هو صفة لكل رسالات اللّه: أن يسلّم الإنسان نفسه للّه، و لا يقدم على عمل، دون أن يعرض تصرّفه على منهج اللّه و دينه.

و لذلك، فلا يبقى معنى لما يقال من أنّ (ما لقيصر لقيصر، و ما للّه للّه)، فليس هناك شي‌ء لغير اللّه، و لا يملك قيصر شيئا من أمر نفسه، و من أمر الناس، و لا يتوزّع، بحال من الأحوال، سلطان هذا الكون و حكمه بين قيصر و بين اللّه.


صفحه 136

موقف الإسلام من مسألة الحكم

استعرضنا- فيما سبق من هذا الحديث- موقع الحكم من رسالات اللّه، بصورة واضحة، و هو فيما أعتقد، يعتبر منطلقا جيدا للبحث عن موقع الحكم من الإسلام، خاتمة رسالات اللّه.

فإنّ الإسلام قمّة هذا الامتداد الرسالي الذي ابتدأ في حياة الإنسان، منذ أن أخذ الإنسان ينحرف عن خط الفطرة. فلا يختلف عن هذا الامتداد في شي‌ء ممّا يتّصف به من أصالة و وضوح، عدا أنّ هذه الأصالة تتّصف بعمق أكثر و وضوح و تركيز أكثر من ذي قبل في خاتمة الرسالات.

و الأصالة التي لمسناها في رسالات اللّه، في هذه المسألة، نلمسها في الإسلام بشكل أكثر وضوحا و تركيزا في الجانب النظري و التشريعي، و في الممارسة الحيّة التي قادها القائد الأوّل لهذه الرسالة.

و بهذا الشكل، تمتزج مسألة الحاكمية و الحكم بهذه الرسالة الخاتمة‌


صفحه 137

امتزاجا قويّا، و تتفاعل معه تفاعلا عضويا، في كل جوانبها و أطرافها، من عقيدة، و تشريع، حتى يكاد أن يصعب فرز بعضها عن بعض، لنتناوله بدراسة مستقلّة.

أصالة الحاكمية في هذا الدين

1- من الناحية الاعتقادية:

كان من الواضح يوم بعث النبي6في الجزيرة العربية، أنّ مهمة النبي6مهمة تغييرية ذات أبعاد و جذور عميقة في هدم الحياة الجاهلية، بما فيها من شرك و عبادة للأوثان و عادات و تقاليد جاهلية، و في القضاء على السلطة التي كانت تمارس الحكم في الجزيرة، و في كل أطراف العالم؛ لتبني على السلطة التي كانت تمارس الحكم في الجزيرة، و في كل أطراف العالم؛ لتبني على أنقاض ذلك كلّه الحياة الإسلامية، التي كانت تختلف اختلافا كلّيا عن الحياة الجاهلية في أعرافها، و تقاليدها، و مفاهيمها، و نظمها، و عقيدتها و أهدافها، و لتتسلّم السلطة ليكون الحكم للّه، و تكون شريعة اللّه هي الحاكمة في حياة الإنسان، و كلمة اللّه هي العليا. و قد أدركت الجاهلية أبعاد هذه المهمة التغييرية يوم بعث النبي6و أعلن دعوته في الجزيرة بوضوح، و أدركت خطر ذلك على الحياة الجاهلية، و على ما تستفيده القلّة الحاكمة من مكاسب ماديّة و معنوية من الحياة الجاهلية.

و كان هذا هو في الغالب سبب المعارضة الشديدة التي أعلنتها قريش في وجه النبي6و الدعوة الإسلامية.

فإنّ كلمة التوحيد التي أعلنها النبي6، كانت تنطوي في إيجازها على عمق عميق لم يخف يومذاك على قريش، و هي تسمع النبي6يعلن‌