الظّٰالِمُونَ[1]،وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ[2].
فلا يحقّ لأحد أن يشرّع لحياة الناس، و لا يحقّ للناس أن يأخذوا بشرع و دين غير شرع اللّه و دينه و حكمه.
5- توحيد الحاكمية و السيادة:
و الحق الآخر الذي اختص اللّه تعالى به لنفسه بالالوهية و الربوبية هو حقّ الحاكمية و السيادة في حياة الإنسان.
و شرعية الولاية و الحاكمية و السيادة في حياة الناس لا تنفك عن الملك و السلطان و التدبير و الهيمنة التكوينية للّه تعالى على الكون و الإنسان. و من يملك هذا الملك و السلطان و الهيمنة بالتكوين، يملك شرعية الولاية و السلطان و السيادة في حياة الناس بالأمر و النهي. و العلاقة بين تلك و هذه علاقة بديهية بحكم العقل.
و يقرر القرآن توحيد السيادة و الحاكمية بصراحة و وضوح بقوله تعالى:إِنِ الْحُكْمُ إِلّٰا لِلّٰهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفٰاصِلِينَ[3]و الآية الشريفة واضحة في حصر الولاية و الحاكمية في اللّه تعالى و توحيدها له تعالى.
و يقول تعالى:لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولىٰ وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[4]و هذه الحاكمية من خصائص الالوهية و الربوبية، كما أنّ حقّ
[1]المائدة: 45.
[2]المائدة: 47.
[3]الأنعام: 57.
[4]القصص: 70.
التشريع من خصائص الألوهية و الربوبية، و توحيد الربوبية و الالوهية يقتضي توحيد التشريع و السيادة للّه تعالى في حياة الإنسان.
فكلمة التوحيد، إذن، ترفض أي إله و حاكم على وجه الأرض غير اللّه، و تسلب حقّ الحكم و القيمومة في حياة الإنسان من غير اللّه، و تحصر الالوهية و الحاكمية في حياة الإنسان في اللّه ربّ العالمين.
فهي دعوة صريحة إذن إلى توحيد العبودية للّه تعالى، و الخضوع و الاستسلام لأمر اللّه و حكمه في كل شيء يتعلّق بحياة الإنسان و تفكيره من دون تردّد أو تريّث. فهو الحاكم المطلق في حياة الناس، و الناس عباد مخلوقون له، محكومون لأمره لا يملكون من دونه، من أمرهم شيئا.
و ذلك جوهر الدعوة في كل رسالات اللّه، من دون فرق، و العمود الفقري لكل دين للّه على وجه الأرض، في أي مرحلة من مراحل تاريخ الإنسان، و مهما اختلفت رسالات اللّه في التفاصيل و الأحكام، فلا تكاد تختلف فيما بينها في هذه الحقيقة الجوهرية، التي تشكّل جوهر هذه الرسالات و أصلها.
و ناهيك به قاعدة للتغيير و الانقلاب، فهو انقلاب و تغيير في كل شيء في حياة الإنسان، تغيير واسع يشمل كل أطراف الحياة، و عميق يتناول أعمق أعماق الحياة.
إذن، المنطلق الذي تنطلق منه رسالات اللّه هو تعبيد الإنسان للّه تعالى، و هو ذو مدلول فطري و سلوكي عميق. فإنّ الإنسان عند ما يعترف للّه بالعبودية، لا يملك أن يمارس شأنا من شئون حياته الفردية و الاجتماعية بمعزل عن شريعة اللّه و منهجه.
و أيّ تصرّف يقوم به الإنسان- العبد- بعيدا عن منهج اللّه، يعتبر خرقا لالتزامات العبودية المطلقة، التي يعترف بها العبد تجاه ربّه، و يعتبر تمرّدا على شريعته و طغيانا.
و الإسلام بهذا المعنى، و هو صفة لكل رسالات اللّه: أن يسلّم الإنسان نفسه للّه، و لا يقدم على عمل، دون أن يعرض تصرّفه على منهج اللّه و دينه.
و لذلك، فلا يبقى معنى لما يقال من أنّ (ما لقيصر لقيصر، و ما للّه للّه)، فليس هناك شيء لغير اللّه، و لا يملك قيصر شيئا من أمر نفسه، و من أمر الناس، و لا يتوزّع، بحال من الأحوال، سلطان هذا الكون و حكمه بين قيصر و بين اللّه.
موقف الإسلام من مسألة الحكم
استعرضنا- فيما سبق من هذا الحديث- موقع الحكم من رسالات اللّه، بصورة واضحة، و هو فيما أعتقد، يعتبر منطلقا جيدا للبحث عن موقع الحكم من الإسلام، خاتمة رسالات اللّه.
فإنّ الإسلام قمّة هذا الامتداد الرسالي الذي ابتدأ في حياة الإنسان، منذ أن أخذ الإنسان ينحرف عن خط الفطرة. فلا يختلف عن هذا الامتداد في شيء ممّا يتّصف به من أصالة و وضوح، عدا أنّ هذه الأصالة تتّصف بعمق أكثر و وضوح و تركيز أكثر من ذي قبل في خاتمة الرسالات.
و الأصالة التي لمسناها في رسالات اللّه، في هذه المسألة، نلمسها في الإسلام بشكل أكثر وضوحا و تركيزا في الجانب النظري و التشريعي، و في الممارسة الحيّة التي قادها القائد الأوّل لهذه الرسالة.
و بهذا الشكل، تمتزج مسألة الحاكمية و الحكم بهذه الرسالة الخاتمة
امتزاجا قويّا، و تتفاعل معه تفاعلا عضويا، في كل جوانبها و أطرافها، من عقيدة، و تشريع، حتى يكاد أن يصعب فرز بعضها عن بعض، لنتناوله بدراسة مستقلّة.
أصالة الحاكمية في هذا الدين
1- من الناحية الاعتقادية:
كان من الواضح يوم بعث النبي6في الجزيرة العربية، أنّ مهمة النبي6مهمة تغييرية ذات أبعاد و جذور عميقة في هدم الحياة الجاهلية، بما فيها من شرك و عبادة للأوثان و عادات و تقاليد جاهلية، و في القضاء على السلطة التي كانت تمارس الحكم في الجزيرة، و في كل أطراف العالم؛ لتبني على السلطة التي كانت تمارس الحكم في الجزيرة، و في كل أطراف العالم؛ لتبني على أنقاض ذلك كلّه الحياة الإسلامية، التي كانت تختلف اختلافا كلّيا عن الحياة الجاهلية في أعرافها، و تقاليدها، و مفاهيمها، و نظمها، و عقيدتها و أهدافها، و لتتسلّم السلطة ليكون الحكم للّه، و تكون شريعة اللّه هي الحاكمة في حياة الإنسان، و كلمة اللّه هي العليا. و قد أدركت الجاهلية أبعاد هذه المهمة التغييرية يوم بعث النبي6و أعلن دعوته في الجزيرة بوضوح، و أدركت خطر ذلك على الحياة الجاهلية، و على ما تستفيده القلّة الحاكمة من مكاسب ماديّة و معنوية من الحياة الجاهلية.
و كان هذا هو في الغالب سبب المعارضة الشديدة التي أعلنتها قريش في وجه النبي6و الدعوة الإسلامية.
فإنّ كلمة التوحيد التي أعلنها النبي6، كانت تنطوي في إيجازها على عمق عميق لم يخف يومذاك على قريش، و هي تسمع النبي6يعلن
دعوته في إيجاز و جرأة و إصرار.
و إذا كانت قريش بحسّها السياسي المرهف قد أدركت الخطر منذ اليوم الأوّل الذي ظهر فيه هذا الدين في الجزيرة نتيجة لاحتكاكها المباشر بهذه الدعوة، فإنّ اليهودية و الصليبية العالمية لم تفتها هذه الحقيقة أيضا، و لكن بعد ما انتقلت الرسالة إلى قاعدتها الأولى في المدينة المنوّرة، و أقام النبي6في المدينة نواة أوّل دولة إسلامية، يحكمها الإسلام و ينظّم شئونها و علاقاتها، و يخطّط لكل ما يتّصل بحياتها. و يومذاك انتبهت اليهودية و الصليبية لخطر هذا الكيان الجديد، الذي جاء ليغيّر معالم الحياة كلّها، و يتسلّم الحكم على وجه الأرض كلّها، و ليحقق حكم اللّه على أوسع بقعة من الأرض.
و لئن كانت هذه الدعوة تتّصل بأوثق الروابط برسالة موسى و عيسى8، فلا تتصل باليهودية و المسيحية التي عاصرت ظهور هذه الرسالة في شيء.
و قد تأكدت اليهودية و الصليبية من هذه الحقيقة في الدين الجديد، فأعلنت الحرب في وجهه بكل قوة، و بكل وسيلة، و بدأتها اليهودية في المدينة، و حينما فشلت في كل مؤامراتها و مكرها و خبثها، تناست خلافاتها مع قريش، و التحمت معها في حرب ضدّ المسلمين في واقعة الأحزاب، و إذ ردّ اللّه مكرهم إلى صدورهم، جدّدت المحاولة لتلتحم هذه المرّة مع الصليبية العالمية في الشام، التي كانت قد شعرت بواقع هذه الدعوة في وقت متأخّر، و قد تناست اليهودية هذه المرّة أيضا كل أحقادها التاريخية مع الصليبية للقضاء على العدو المشترك، و اشتبكتا مع المسلمين في حرب تبوك، و قد
أراد اللّه أن تخرج الصليبية و اليهودية من هذه الحرب التي مهّدوا لها عن فشل ذريع.
و استمرّت هذه المؤامرات و المحاولات للقضاء على هذه الدعوة على امتداد التاريخ الإسلامي كلّه.
و الحقيقة الواضحة في هذه المعارضات كلّها و على اختلاف مستوياتها، أنّ الجاهلية أدركت منذ اليوم الأوّل من ظهور هذه الرسالة في مكة، أنّ هذا الدين الجديد جاء ليحكم على وجه الأرض، و ليتسلّم السلطة، و ليحقق حكم اللّه على وجه الأرض في قوّة و قدرة و سلطان، و لم يأت ليكون كيانا طفيليا في ظلّ أصحاب العروش و التيجان. و جاء إلى الناس بأخلاقية حركيّة فعّالة، تدفع إلى الإسهام الجادّ و البنّاء في الحياة، رافضا، الأخلاقية السلبيّة التي تدعو إلى الانعزالية و الرهبنة في الحياة.
و هذه الحقيقة هي أوضح ما في هذا الدين من بعد كلمة التوحيد. بل إنّ كلمة التوحيد ذاتها التي حملها النبي6في قوّة و جرأة، تحمل في أعماقها هذه الحقيقة بوضوح.
و لئن شككنا في أيّ شيء، فلا نستطيع أن نشك في هذه الحقيقة التي كلّفت حملة هذه الرسالة العناء، و جعلتهم في صراع دائم مع الجاهلية على امتداد تاريخ هذا الدين.
2- من الناحية التشريعية:
و الذي يدرس بإمعان الجانب التشريعي من هذه الرسالة، فسوف يخرج بقناعة كافية، بأنّ هذا الفقه فقه قائد في الحياة، و لا يقتصر نطاق عمله
و مسئوليته على العبادات و الأحوال الشخصية من زواج و طلاق و ميراث، و إنّما يتولّى إدارة المجتمع، و يعمل لتنسيق الحياة الاجتماعية بكلّ أبعادها.
و بشيء من الملاحظة الفقهيّة، يكتشف الإنسان، أنّ هذا الفقه يتجه في خطّه العام إلى إحداث جهاز اجتماعي حاكم يتولّى شئون المجتمع.
و كثير من أحكام هذا الفقه موضوع لهذه الغاية، و ضمن هذا الإطار، فإذا انتزع عن إطاره الطبيعي، الذي هو الدولة الإسلامية، و طلب تنفيذه في غير هذا الإطار، ظهر عليه أنّه حكم غير عملي، و أنّه لغير هذا العصر، أو كان يصعب تنفيذه و تحقيقه.
و ليس السبب من نقص في الحكم الشرعي، و إنّما السبب كلّه، أنّ هذا الحكم قد وضع ضمن إطار الدولة الإسلامية، و لتنسيق أجهزة هذه الدولة. و عند ما ننفّذ نحن اليوم هذا الحكم في غير إطاره الطبيعي، نواجه مشاكل و متاعب في تنفيذه.
كما أنّ تعاليم هذا الفقه و أحكامه، كانت في عصر التشريع تعاليم للدولة، و أحكاما لها، و كانت تفهم و تنفّذ على هذا الأساس. و نحن اليوم نأخذ بهذه التعاليم و الأحكام و نفهمها في إطار فردي. و من الواضح أن لا يكون لهذه الأحكام و التعاليم ذلك العطاء الذي كان لها عند ما كانت تفهم و تنفّذ في إطار اجتماعي، و التعاليم ذلك العطاء الذي كان لها عند ما كانت تفهم و تنفّذ في إطار اجتماعي، و ضمن جهاز الدولة. فقوله تعالى:وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ[1]، تعليم للدولة، و توجيه لأجهزة الحكم، و كان المسلمون يفهمونها و ينفّذونها ضمن هذا الإطار الاجتماعي
[1]المائدة: 2.