و مسئوليته على العبادات و الأحوال الشخصية من زواج و طلاق و ميراث، و إنّما يتولّى إدارة المجتمع، و يعمل لتنسيق الحياة الاجتماعية بكلّ أبعادها.
و بشيء من الملاحظة الفقهيّة، يكتشف الإنسان، أنّ هذا الفقه يتجه في خطّه العام إلى إحداث جهاز اجتماعي حاكم يتولّى شئون المجتمع.
و كثير من أحكام هذا الفقه موضوع لهذه الغاية، و ضمن هذا الإطار، فإذا انتزع عن إطاره الطبيعي، الذي هو الدولة الإسلامية، و طلب تنفيذه في غير هذا الإطار، ظهر عليه أنّه حكم غير عملي، و أنّه لغير هذا العصر، أو كان يصعب تنفيذه و تحقيقه.
و ليس السبب من نقص في الحكم الشرعي، و إنّما السبب كلّه، أنّ هذا الحكم قد وضع ضمن إطار الدولة الإسلامية، و لتنسيق أجهزة هذه الدولة. و عند ما ننفّذ نحن اليوم هذا الحكم في غير إطاره الطبيعي، نواجه مشاكل و متاعب في تنفيذه.
كما أنّ تعاليم هذا الفقه و أحكامه، كانت في عصر التشريع تعاليم للدولة، و أحكاما لها، و كانت تفهم و تنفّذ على هذا الأساس. و نحن اليوم نأخذ بهذه التعاليم و الأحكام و نفهمها في إطار فردي. و من الواضح أن لا يكون لهذه الأحكام و التعاليم ذلك العطاء الذي كان لها عند ما كانت تفهم و تنفّذ في إطار اجتماعي، و التعاليم ذلك العطاء الذي كان لها عند ما كانت تفهم و تنفّذ في إطار اجتماعي، و ضمن جهاز الدولة. فقوله تعالى:وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ[1]، تعليم للدولة، و توجيه لأجهزة الحكم، و كان المسلمون يفهمونها و ينفّذونها ضمن هذا الإطار الاجتماعي
[1]المائدة: 2.
الحاكم، فكانت الآية الكريمة تتجسّد في المجتمع ضمن أجهزة و تركيب اجتماعي يخصّ هذه الغاية.
و نحن اليوم أيضا نفهم هذا التوجيه و ننفّذه، و لكن في نطاق فردي، و على شكل مبرّات و صدقات فردية، يدفعها الفرد منّا، عند ما يواجه حالة فقر أو عجز.
و من الطبيعي جدّا أن لا يكون لتنفيذ هذا الحكم في حياتنا، ذلك العطاء الذي كان له في عصر التشريع. و السبب كل السبب في هذا و في غيره، أنّ هذا التشريع بشكل عام قد وضع ضمن هذا الإطار الاجتماعي الحاكم، فإذا انتزع من إطاره الطبيعي الذي وضعه اللّه فيه، أدّى ذلك إلى نتيجتين اثنتين، غريبتين عن طبيعة هذا الفقه، اولاهما: صعوبة تنفيذ بعض أحكام هذا الفقه، و ثانيتهما: ضعف العطاء الذي تجنيه الامّة من تنفيذ أحكام هذا الدين.
و مهما يكن من أمر، فإنّ هذه الطبيعة الاجتماعية، و القيادية في تركيب التشريع الإسلامي ذات دلالة كافية لتوضيح طبيعة هذه الرسالة بشكل عام، و علاقتها بالمجتمع و موقفها من مسألة الحاكمية و الحكم.
فالنظام المالي مثلا في التشريع الإسلامي، بعرضه العريض و بما خطّط فيه الإسلام من موارد مالية ضخمة، تكفي لسدّ حاجات دولة، لم يكن الغرض منه بالتأكيد، سدّ العوز و الحاجة الفرديّة، و إعانة بعض الفقراء و العوائل المحتاجة فقط. فقد وضع الإسلام في هذا المخطّط المالي الكبير نظاما واسعا للجباية، و تشريعا للضرائب الثابتة، و أعطى للحاكم الإسلامي صلاحيات واسعة في فرض ما تقتضيه الضّرورة و المصلحة من الضرائب المالية.
و جعل ملكية الثروات الطبيعية كالمعادن و البحار و الأنهار، و كثير من الموارد الطبيعية للهيئة الحاكمة.
و ليس من شكّ أنّ هذا التشريع المالي الواسع، لم يكن لغرض القيام بتعهّدات مالية لحالات فرديّة، و إيواء المساكين و الفقراء و الضّعفاء، كما نحن نستعمل اليوم هذا النظام، و إنّما كان الغرض من هذا النظام الواسع، سدّ حاجات الدولة و إدارة مرافقها، و توفير موارد ماليّة كافية لحالات الحرب و السّلم، و للأغراض العمرانية و المعيشية للدّولة، و لتوفير الأمن و السلامة للمجتمع و أجهزة الحكم.
و ليس من شكّ أنّ قطّاعا واسعا من المسلمين يمارسون اليوم تنفيذ هذا النظام، و يستفيدون منه في سدّ الحاجة المادّية للحالات الفرديّة، و لكنّ هذه الممارسة تتمّ في نطاق فردي ضيّق، و في إطار العلاقات الفرديّة. و من الطبيعي أن لا يؤتي هذا النظام في ظلّ هذه الممارسة الفرديّة ثماره المترقّبة.
و مثل آخر لهذا التركيب الاجتماعي الحاكم في الفقه الإسلامي، التشريع القضائي الواسع الذي وضعه الإسلام لفصل الخصومات فيما بين الناس، و إحلال الوئام و السلام في العلاقات الاجتماعية، و الصلاحيات التنفيذيّة الواسعة، التي أعطاها الإسلام للقاضي في حلّ الخصومات فيما بين الناس موضع هذه الحقيقة.
و بالتأكيد لم يكن الغرض من هذا التشريع الواسع، أن يمارس بضعة علماء مهمّة القضاء بين الناس بصورة فرديّة، أو في ظلّ حكومات ظالمة جائرة، لا تعترف بدين اللّه تعالى و شريعته.
و كذلك الأمر في تشريع الجهاد و الدفاع، و الأحكام التي وضعها
الإسلام للدفاع عن حوزة وطن الإسلام لجهاد الكفّار، لئلا تكون فتنة، و يكون الدين كلّه للّه. و هذا التشريع الهادف الموسّع، الذي نسيه المسلمون اليوم فيما نسوه من أحكام دينهم، لا يمكن تنفيذه إلّا في ظلّ حكومة إسلامية، تحكم بدين اللّه، و تعمل على تنفيذ حكم اللّه على وجه الأرض.
و تشريع الأحكام التي تخصّ أهل الذمّة، و العناية التي يوليها بهم الفقه الإسلامي، يدلّ على أنّ مهمّة هذا الفقه و مسئوليته في حياة الإنسان، لا تنحصر في نطاق المسلمين، و إنّما تشمل الوطن الإسلامي في نطاقه الوسيع، بما فيه من مسلمين و غير مسلمين من أهل الذمّة، الذين يعيشون في كنف الإسلام و رعايته من أهل الكتاب.
و من هذا الباب أيضا الصلاحيات الواسعة التي يمنحها التشريع الإسلامي للفقيه الحاكم في الولاية على حياة الناس، و التي سوف نتحدّث عنها إن شاء اللّه بتفصيل في موضعه من هذا البحث. و لا يمكننا- نحن- أن نفهم هذا الحكم الشرعي، و هذه الصلاحيات التنفيذيّة الواسعة التي ينيطها المشرّع الإسلامي بالفقيه الحاكم، إلّا في إطار دولة إسلامية تحكم بشريعة اللّه.
و على نحو الإجمال، نرى أنّ هذا التشريع قد امتزج امتزاجا شديدا بمسألة الحاكمية و الحكم، و تفاعل معه، بصورة قويّة، حتى كاد لا يمكن عزله و تفكيكه عن كثير من أحكام هذا الفقه و أبوابه.
و كلّ ذلك يدلّ على أنّ هذا الفقه جاء ليقوم بدور قيادي حاكم على وجه الأرض، و يعدّ جهازا بشريّا قائدا، يتولّى الحاكمية على عباد اللّه، في أرض اللّه، و بمنهج اللّه تعالى و شريعته.
3- من الناحية التنفيذية:
و لم يكن أمر الحاكمية في حياة هذه الأمّة، قضيّة اعتقادية و تشريعية فقط، و إنّما دخلت في حياة هذه الامّة من أوسع أبواب التاريخ، و تجسّدت في حياتهم، و تفاعلت مع التاريخ الإسلامي على شكل ممارسة فعلية جادّة، لإقامة الحكم الإسلامي على وجه الأرض، أو ممارسة فعلية لشئون الحكم و الإرادة في حياة المسلمين.
و بدأ في ممارسة هذا العمل، القائد الأوّل لهذه الرسالة6، فأقدم على عمل جادّ في بناء قواعد الحكم الإسلامي على وجه الأرض، ثمّ في ممارسة شئون هذا الحكم.
ثمّ استمرّت هذه المحاولة و الممارسة، على امتداد التاريخ الإسلامي كلّه. و التاريخ الإسلامي كلّه، لا يخلو من ممارسة صحيحة مشروعة لحاكمية اللّه على وجه الأرض، أو محاولة جادّة صادقة، في إرساء قواعد هذا الحكم، و إعادة حاكمية اللّه إلى حياة الإنسان في حالات انحراف الحكم و القيادة الإسلامية عن خطّ شريعة اللّه.
و فيما يلي نستعرض صورة مجسّدة عن هذه المحاولة و الممارسة في التاريخ الإسلامي. محاولة إقامة حكم اللّه على وجه الأرض، و ممارسة شئون الحكم و السياسة و الإدارة، في ضوء من نهج هذا الدين في حياة الإنسان.
التجربة الرائدة
و التجربة الأولى الرائدة في هذا المجال، تتجسّد في سيرة رسول اللّه6، القائد الأوّل لهذه الرسالة، و الذي أرسى قواعد أوّل ممارسة فعليّة لحكم اللّه على وجه الأرض في تاريخ هذا الدين.
و دراسة السيرة النبويّة تعطينا الوضوح الكافي في هذه المسألة. فلا يشكّ أحد يقرأ سيرة رسول اللّه6، أنّ أمر إقامة حكم اللّه على وجه الأرض، و إنشاء الدولة الإسلامية، كان من أهمّ الأهداف التي كان الرسول الأكرم6يسعى من أجل تحقيقها، بعد الدعوة. بل كانت الدعوة هي توحيد اللّه تعالى بالعبادة و العبودية و الطاعة.
و كل الجهد الذي بذله رسول اللّه6في حياته الكريمة، كان يتلخّص في الدعوة إلى عبادة اللّه تعالى، و استعادة الحاكمية في حياة الإنسان من الطواغيت، إلى اللّه تعالى، و تسلّم زمام الحكم، و تكوين دولة للإسلام على وجه الأرض، تنفّذ أحكام اللّه، و تتولّى القيادة و الزعامة في الأرض بأمر اللّه.
و قام رسول اللّه6بأعباء هذه المهمّة الرسالية في حياته، ضمن مخطّط متكامل بمراحل من العمل، تختلف متطلّبات كل مرحلة منها، عن متطلّبات المرحلة التي تليها، و كان6يعمل في كل مرحلة من مراحل هذا العمل الشاق، بما تتطلّبه المرحلة و ما يلائمها من عمل، حتى تأتّى له أن يقيم في المدينة المنوّرة قاعدة للتجربة الاولى من العمل، و أن يقود من هذه القاعدة نواة دولة كبيرة شعّت على وجه الأرض، و انتزعت الحكم من الطواغيت و المشركين.
و مهما يكن من أمر الانحراف الذي حصل على امتدادات هذه التجربة الرائدة، فلا يمكن أن تكون هذه التجربة معزولة عنها، و كان يمكن- لو التزم المسلمون جانب الاستقامة في الحكم- أن تكون هذه التجربة بمستوى التجربة الأولى نفسها استقامة و سلامة و صلابة.
و لم أجد فيمن أرّخ سيرة رسول اللّه6، من يعنى بدراسة التخطيط السياسي في سيرة رسول اللّه6، منذ انبثاق الدعوة في مكّة، إلى استسلام الجزيرة العربية لحكم اللّه تعالى في المدينة.
و رأيي أنّه موضوع خصب للحديث، و نافع لواقع المسلمين، و لواقع الدعوة الإسلامية في يومنا هذا، و ذو دلالة عميقة على أصالة الحاكميّة في هذا الدين، و إزاحة كثير من الشبهات التي ترسّبت في أذهان المسلمين، خلال القرون الطويلة التي اقصي الإسلام فيها عن مجالات الحكم و القيادة في المجتمع.
و لا تظنّ أنّني أستطيع أن آتي في هذه العجالة بشيء جديد في هذا المجال، و إنّما المح إلى هذه الناحية من السيرة النبويّة الكريمة تلميحا، و أسأل اللّه بعد ذلك أن يوفقني لدراسة السيرة النبويّة بصورة مستقلّة.
التخطيط السياسي في السيرة النبويّة
سرّية العمل:
يتضمّن هذا التخطيط مرحلتين من العمل السياسي التغييري تفصل بينهما الهجرة.
ففي المرحلة الاولى، حيث تبدأ الرسالة مسئولياتها التغييرية في
مكّة، بدأ النبي6بإعداد الطلائع المؤمنة لتحمّل هذه المسئولية و القيام بها، في سرّية و خفاء، فلم يعلن النبي الرسالة إعلانا، و إنّما كان يتكتّم بها، و لم يمارس عمله، إلّا في كتمان و حذر شديدين، حرصا على الرسالة التي لم تترسّخ بعد في المجتمع الجاهلي، و لم تقطع بعد شوطا من الطريق الطويل، أن تتعرّض لأذى المشركين و معارضتهم، التي كان يقدّر صاحب الرسالة أن تكون قويّة و شديدة، و تحمل كل أحقاد الجاهلية و أضغانها.
فلم تكن الدعوة في هذه المرحلة من وجودها، تتحمّل معارضة قويّة، كتلك المعارضة التي أعلنتها قريش في وجه الرسالة الجديدة بعد إعلانها، و كان من الحكمة أن يتحفّظ النبي6ما أمكنه التحفّظ، من أن يعرّض هذا الدين لضغط من جانب قريش، أو حرب من جانب اليهود.
و توافر لهذا الدين- خلال فترة سريّة العمل- العدد الكافي من الطلائع التي تحمل مسئولية هذه الرسالة بجدارة و قوّة، و في إيمان و إخلاص كبيرين. و كان محل اجتماع هذه الطليعة بقائدها خلال هذه الفترة في الغالب، دار أرقم بن أبي الأرقم، الذي جعل من بيته مهدا لالتقاء النبي القائد6بطلائعه المؤمنين به، و في هذه الدار كان النبي6يوجّه أصحابه، و يوزّع عليهم المسئوليات في حدود ما تقتضيه المرحلة من عمل، ثمّ ينتشرون في مكّة قاعدة الدعوة الاولى، ليمارسوا مهامهم و مسئولياتهم.
إعلان الدعوة:
و إذ وجد النبي6العدد الكافي الذي يضطلع بهذه المهمّة، و يحمي الرسالة، و يدافع عنها، بدأ بإعلان الدعوة في مكّة بالتدريج، و بدأ بتسفيه قريش فيما يعملون من عبادة الأصنام و في أعرافهم و تقاليدهم.