3- من الناحية التنفيذية:
و لم يكن أمر الحاكمية في حياة هذه الأمّة، قضيّة اعتقادية و تشريعية فقط، و إنّما دخلت في حياة هذه الامّة من أوسع أبواب التاريخ، و تجسّدت في حياتهم، و تفاعلت مع التاريخ الإسلامي على شكل ممارسة فعلية جادّة، لإقامة الحكم الإسلامي على وجه الأرض، أو ممارسة فعلية لشئون الحكم و الإرادة في حياة المسلمين.
و بدأ في ممارسة هذا العمل، القائد الأوّل لهذه الرسالة6، فأقدم على عمل جادّ في بناء قواعد الحكم الإسلامي على وجه الأرض، ثمّ في ممارسة شئون هذا الحكم.
ثمّ استمرّت هذه المحاولة و الممارسة، على امتداد التاريخ الإسلامي كلّه. و التاريخ الإسلامي كلّه، لا يخلو من ممارسة صحيحة مشروعة لحاكمية اللّه على وجه الأرض، أو محاولة جادّة صادقة، في إرساء قواعد هذا الحكم، و إعادة حاكمية اللّه إلى حياة الإنسان في حالات انحراف الحكم و القيادة الإسلامية عن خطّ شريعة اللّه.
و فيما يلي نستعرض صورة مجسّدة عن هذه المحاولة و الممارسة في التاريخ الإسلامي. محاولة إقامة حكم اللّه على وجه الأرض، و ممارسة شئون الحكم و السياسة و الإدارة، في ضوء من نهج هذا الدين في حياة الإنسان.
التجربة الرائدة
و التجربة الأولى الرائدة في هذا المجال، تتجسّد في سيرة رسول اللّه6، القائد الأوّل لهذه الرسالة، و الذي أرسى قواعد أوّل ممارسة فعليّة لحكم اللّه على وجه الأرض في تاريخ هذا الدين.
و دراسة السيرة النبويّة تعطينا الوضوح الكافي في هذه المسألة. فلا يشكّ أحد يقرأ سيرة رسول اللّه6، أنّ أمر إقامة حكم اللّه على وجه الأرض، و إنشاء الدولة الإسلامية، كان من أهمّ الأهداف التي كان الرسول الأكرم6يسعى من أجل تحقيقها، بعد الدعوة. بل كانت الدعوة هي توحيد اللّه تعالى بالعبادة و العبودية و الطاعة.
و كل الجهد الذي بذله رسول اللّه6في حياته الكريمة، كان يتلخّص في الدعوة إلى عبادة اللّه تعالى، و استعادة الحاكمية في حياة الإنسان من الطواغيت، إلى اللّه تعالى، و تسلّم زمام الحكم، و تكوين دولة للإسلام على وجه الأرض، تنفّذ أحكام اللّه، و تتولّى القيادة و الزعامة في الأرض بأمر اللّه.
و قام رسول اللّه6بأعباء هذه المهمّة الرسالية في حياته، ضمن مخطّط متكامل بمراحل من العمل، تختلف متطلّبات كل مرحلة منها، عن متطلّبات المرحلة التي تليها، و كان6يعمل في كل مرحلة من مراحل هذا العمل الشاق، بما تتطلّبه المرحلة و ما يلائمها من عمل، حتى تأتّى له أن يقيم في المدينة المنوّرة قاعدة للتجربة الاولى من العمل، و أن يقود من هذه القاعدة نواة دولة كبيرة شعّت على وجه الأرض، و انتزعت الحكم من الطواغيت و المشركين.
و مهما يكن من أمر الانحراف الذي حصل على امتدادات هذه التجربة الرائدة، فلا يمكن أن تكون هذه التجربة معزولة عنها، و كان يمكن- لو التزم المسلمون جانب الاستقامة في الحكم- أن تكون هذه التجربة بمستوى التجربة الأولى نفسها استقامة و سلامة و صلابة.
و لم أجد فيمن أرّخ سيرة رسول اللّه6، من يعنى بدراسة التخطيط السياسي في سيرة رسول اللّه6، منذ انبثاق الدعوة في مكّة، إلى استسلام الجزيرة العربية لحكم اللّه تعالى في المدينة.
و رأيي أنّه موضوع خصب للحديث، و نافع لواقع المسلمين، و لواقع الدعوة الإسلامية في يومنا هذا، و ذو دلالة عميقة على أصالة الحاكميّة في هذا الدين، و إزاحة كثير من الشبهات التي ترسّبت في أذهان المسلمين، خلال القرون الطويلة التي اقصي الإسلام فيها عن مجالات الحكم و القيادة في المجتمع.
و لا تظنّ أنّني أستطيع أن آتي في هذه العجالة بشيء جديد في هذا المجال، و إنّما المح إلى هذه الناحية من السيرة النبويّة الكريمة تلميحا، و أسأل اللّه بعد ذلك أن يوفقني لدراسة السيرة النبويّة بصورة مستقلّة.
التخطيط السياسي في السيرة النبويّة
سرّية العمل:
يتضمّن هذا التخطيط مرحلتين من العمل السياسي التغييري تفصل بينهما الهجرة.
ففي المرحلة الاولى، حيث تبدأ الرسالة مسئولياتها التغييرية في
مكّة، بدأ النبي6بإعداد الطلائع المؤمنة لتحمّل هذه المسئولية و القيام بها، في سرّية و خفاء، فلم يعلن النبي الرسالة إعلانا، و إنّما كان يتكتّم بها، و لم يمارس عمله، إلّا في كتمان و حذر شديدين، حرصا على الرسالة التي لم تترسّخ بعد في المجتمع الجاهلي، و لم تقطع بعد شوطا من الطريق الطويل، أن تتعرّض لأذى المشركين و معارضتهم، التي كان يقدّر صاحب الرسالة أن تكون قويّة و شديدة، و تحمل كل أحقاد الجاهلية و أضغانها.
فلم تكن الدعوة في هذه المرحلة من وجودها، تتحمّل معارضة قويّة، كتلك المعارضة التي أعلنتها قريش في وجه الرسالة الجديدة بعد إعلانها، و كان من الحكمة أن يتحفّظ النبي6ما أمكنه التحفّظ، من أن يعرّض هذا الدين لضغط من جانب قريش، أو حرب من جانب اليهود.
و توافر لهذا الدين- خلال فترة سريّة العمل- العدد الكافي من الطلائع التي تحمل مسئولية هذه الرسالة بجدارة و قوّة، و في إيمان و إخلاص كبيرين. و كان محل اجتماع هذه الطليعة بقائدها خلال هذه الفترة في الغالب، دار أرقم بن أبي الأرقم، الذي جعل من بيته مهدا لالتقاء النبي القائد6بطلائعه المؤمنين به، و في هذه الدار كان النبي6يوجّه أصحابه، و يوزّع عليهم المسئوليات في حدود ما تقتضيه المرحلة من عمل، ثمّ ينتشرون في مكّة قاعدة الدعوة الاولى، ليمارسوا مهامهم و مسئولياتهم.
إعلان الدعوة:
و إذ وجد النبي6العدد الكافي الذي يضطلع بهذه المهمّة، و يحمي الرسالة، و يدافع عنها، بدأ بإعلان الدعوة في مكّة بالتدريج، و بدأ بتسفيه قريش فيما يعملون من عبادة الأصنام و في أعرافهم و تقاليدهم.
و قد أثار ذلك موجة من النقد العنيف في وجه النبي6و أصحابه، و عرّضهم لأذى قريش و تعذيبها. و كانت قريش قد لمحت في هذا الوقت، خطر هذه الرسالة على كيانها و وجودها، ممّا دعاها إلى أن تقف بقوّة في وجه الرسالة الجديدة، للقضاء عليها قبل أن تترسّخ في مجتمع مكّة.
سياسة اللّاعنف:
و لم يكن من الحكمة في هذه المرحلة، أن يردّ النبي6الأذى بالمثل و القوّة بالقوّة، و العنف بالعنف؛ فقد كانت الرسالة لا تزال تقطع بدايات الطريق. و رغم أنّها كانت قد قطعت شوط السرّية في العمل، فإنّها لم تكن تقوى على مواجهة العنف بالعنف، و تصعيد المواجهة و الحرب مع قريش.
و لم يجد النبي6بدّا، من أن يردّهم باللّين و يتغاضى عمّا يصيبه من الأذى، و يأمر أصحابه بالصبر و اللّين و التغاضي.
و كانت هذه السياسة- سياسة اللّاعنف في مواجهة العنف الذي كانت تستعمله قريش- تؤذي قريش و تربكها أكثر من أي شيء آخر، و تقطع عليها سبيل العنف و المقاومة المسلّحة. و رغم كلّ ذلك، فقد كانت قريش تصعّد المقاومة، و تعرّض أصحاب النبي6للتعذيب و الأذى أكثر من ذي قبل.
و قد بلغت هذه المواجهة قمّتها في مقاطعة قريش للنبي6، و أهل بيته و أصحابه فترة طويلة من الزمن، تحمّل المسلمون خلالها كثيرا من الأذى و العنت.
التخطيط لإعداد قاعدة جديدة:
و كل ذلك دعا النبي6أن يخطّط لإعداد قاعدة جديدة للدعوة، حتى
إذا ما اشتدت الأزمة، و تعرّضت الرسالة لخطر جدّي، ينتقل إليها و يجعلها قاعدة لعمله و منطلقا للرسالة، فتوجّه النبي6إلى الطائف ليبشّر فيها برسالته، و ليجد فيها أنصارا و أعوانا، يهيّئون المنطقة لتكون القاعدة الجديدة التي كانت تشغل تفكير النبي القائد6في هذه الفترة.
و إذ لم يقدّر للنبيّ6أن يجد في هذه المنطقة غايته، وجّه جمعا من أصحابه إلى الحبشة، ليهيّئوا هذه المنطقة، لتكون المنطلق الجديد للدعوة.
و لم تكن الغاية من هذه الهجرة، أن يريح النبي6أصحابه من أذي قريش و تعذيبهم، كما يحسب بعض المؤرّخين لسيرة النبي6. فقد بعث النبي6جمعا من كبار أصحابه، و ممّن كانت تحميهم عشائرهم، و مكانتهم في مكّة من ملاحقة قريش و أذاها، من أمثال جعفر بن أبي طالب و غيره، و أبقى في مكّة آخرين من الضعفاء، الذين لم تكن تحميهم عشيرة أو مكانة.
و قد أدركت قريش ما كان يريده النبي6من وراء هذه الهجرة، فبعثت إلى الحبشة نفرا منهم بهدايا يحملونها إلى ملك الحبشة، لإحباط المهمّة التي بعث النبي6أصحابه من أجلها.
و لم يترك رسول اللّه6الأمر مع ذلك، فقد كانت فكرة الانتقال بالدعوة إلى قاعدة جديدة تشغل تفكير النبي6، فقد وجد6أنّ مكّة لا تصلح أن تكون القاعدة الحصينة التي تتطلّبها الدعوة، و لا بدّ لهذه الرسالة من قاعدة جديدة تتمتّع بالحصانة الكافية، و لا تجد قريش إليها سبيلا.
فمكّة قد شعرت بالخطر بوضوح، و هي على و شك أن تنقضّ على الدعوة بكل قواها و إمكاناتها.
و قد اتّسعت رقعة نفوذ الإسلام، و وجد العدد الكافي من المؤمنين برسالته، و الرصيد الكافي لإقامة المجتمع الإسلامي الذي كان يخطّط له النبي6، ضمن هذه المرحلة في صبر و حكمة. و إذا كانت مكّة لا تصلح أن تكون القاعدة المطلوبة، فلا بدّ من التفكير في قاعدة جديدة ينتقل إليها القائد برسالته و عمله و أنصاره. فأخذ النبي6يعرض نفسه للحجّاج، الذين يأتون لحجّ بيت اللّه الحرام في موسم الحج من كل سنة. و يعرض عليهم الرسالة بمفاهيمها، و أفكارها الجديدة، و يدعوهم إلى الإيمان بها.
و لم يكن الغرض من هذه المحاولة فقط، أن يكسب النبي6أنصارا جددا للرسالة، و إنّما كان النبي6يبتغي أيضا من وراء هذه المحاولة، أن يجد القاعدة الجديدة التي كان يفكّر بها خارج مكّة.
الهجرة:
و قد قدّر اللّه لرسوله بعد كل هذه المحاولات، أن يجد في حجّاج يثرب و في يثرب غايته التي كان ينشدها.
فانتقل النبي6إلى يثرب برسالته و أصحابه بعد أن مهّد لذلك، و في يثرب أقام النبي6المجتمع الإسلامي الذي يخطّط له الإسلام و يحكمه. و هنا تبدأ المرحلة الثانية من حياة النبي6و جهاده، و هي مرحلة تختلف كل الاختلاف عن المرحلة الاولى من حياة النبي6و عمله. ففي هذه المرحلة تدخل الدعوة مرحلة تسلّم الحكم، و يتسلّم النبي6كقائد أوّل لهذه الدعوة زمام الحكم في المجتمع الجديد، بكل ما يرتبط بالحكم من شئون القضاء و الإدارة و السياسة و المال و الاقتصاد و الجيش. و يدخل المدينة حاكما يقرّ له المجتمع بهذا الحق و ينقاد له.
و كان هذا إعلانا بانتهاء فترة، و بدء مرحلة اخرى من العمل، و إعلانا لطبيعة هذه الدعوة و أصالة الحاكمية فيها و رأيها في الحكم، و أنّوَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ.
و قد كان هذا المعنى واضحا للمسلمين من المهاجرين و الأنصار، الذين أقاموا هذا المجتمع، فلم يستغرب أحد منهم أن يقيم النبي6دولة، و أن يتولّى في هذا المجتمع شئون الحكم و الإدارة و السياسة و الحرب.
و كان واضحا لغير المسلمين أيضا. فقد عرفوا من طبيعة هذه الرسالة، أنّها رسالة حاكمة، و أنّ النبي6إذا ما تحوّل إلى المدينة فسيدخلها حاكما، و يتسلّم فيها زمام الحكم و الإدارة و الحرب و السلم و المال.
الموقف الجديد:
و قد تغيّر شيء كثير من موقف هذا الدين تجاه اعدائه و مناوئيه. فبينما كان الموقف في مكّة يتّسم بكثير من اللّين و المرونة من جانب المسلمين، تحوّل الموقف في المدينة إلى موقف القوّة و ردّ العنف بالعنف و الاعتداء بمثله، و كان من الطبيعي جدّا، أن ينطوي التخطيط النبوي على هذا التفكيك في المرحلة، من حيث موقف المسلمين إزاء أعدائهم و مناوئيهم. فقد كان المسلمون في مكّة ضعفاء و لا يقوون على مواجهة الاعتداء بمثله. و أيّ عنف في المواجهة من جانب المسلمين، كان يؤدّي إلى احتدام الصراع بين الرسالة الجديدة و الجاهلية الحاقدة، و إلى القضاء على الطليعة المؤمنة التي كانت تحمل مسئولية الرسالة في تلك المرحلة من حياة النبي6.
و حينما تحوّل المسلمون إلى المدينة، تغيّر الوضع و أصبح المسلمون