مكّة، بدأ النبي6بإعداد الطلائع المؤمنة لتحمّل هذه المسئولية و القيام بها، في سرّية و خفاء، فلم يعلن النبي الرسالة إعلانا، و إنّما كان يتكتّم بها، و لم يمارس عمله، إلّا في كتمان و حذر شديدين، حرصا على الرسالة التي لم تترسّخ بعد في المجتمع الجاهلي، و لم تقطع بعد شوطا من الطريق الطويل، أن تتعرّض لأذى المشركين و معارضتهم، التي كان يقدّر صاحب الرسالة أن تكون قويّة و شديدة، و تحمل كل أحقاد الجاهلية و أضغانها.
فلم تكن الدعوة في هذه المرحلة من وجودها، تتحمّل معارضة قويّة، كتلك المعارضة التي أعلنتها قريش في وجه الرسالة الجديدة بعد إعلانها، و كان من الحكمة أن يتحفّظ النبي6ما أمكنه التحفّظ، من أن يعرّض هذا الدين لضغط من جانب قريش، أو حرب من جانب اليهود.
و توافر لهذا الدين- خلال فترة سريّة العمل- العدد الكافي من الطلائع التي تحمل مسئولية هذه الرسالة بجدارة و قوّة، و في إيمان و إخلاص كبيرين. و كان محل اجتماع هذه الطليعة بقائدها خلال هذه الفترة في الغالب، دار أرقم بن أبي الأرقم، الذي جعل من بيته مهدا لالتقاء النبي القائد6بطلائعه المؤمنين به، و في هذه الدار كان النبي6يوجّه أصحابه، و يوزّع عليهم المسئوليات في حدود ما تقتضيه المرحلة من عمل، ثمّ ينتشرون في مكّة قاعدة الدعوة الاولى، ليمارسوا مهامهم و مسئولياتهم.
إعلان الدعوة:
و إذ وجد النبي6العدد الكافي الذي يضطلع بهذه المهمّة، و يحمي الرسالة، و يدافع عنها، بدأ بإعلان الدعوة في مكّة بالتدريج، و بدأ بتسفيه قريش فيما يعملون من عبادة الأصنام و في أعرافهم و تقاليدهم.
و قد أثار ذلك موجة من النقد العنيف في وجه النبي6و أصحابه، و عرّضهم لأذى قريش و تعذيبها. و كانت قريش قد لمحت في هذا الوقت، خطر هذه الرسالة على كيانها و وجودها، ممّا دعاها إلى أن تقف بقوّة في وجه الرسالة الجديدة، للقضاء عليها قبل أن تترسّخ في مجتمع مكّة.
سياسة اللّاعنف:
و لم يكن من الحكمة في هذه المرحلة، أن يردّ النبي6الأذى بالمثل و القوّة بالقوّة، و العنف بالعنف؛ فقد كانت الرسالة لا تزال تقطع بدايات الطريق. و رغم أنّها كانت قد قطعت شوط السرّية في العمل، فإنّها لم تكن تقوى على مواجهة العنف بالعنف، و تصعيد المواجهة و الحرب مع قريش.
و لم يجد النبي6بدّا، من أن يردّهم باللّين و يتغاضى عمّا يصيبه من الأذى، و يأمر أصحابه بالصبر و اللّين و التغاضي.
و كانت هذه السياسة- سياسة اللّاعنف في مواجهة العنف الذي كانت تستعمله قريش- تؤذي قريش و تربكها أكثر من أي شيء آخر، و تقطع عليها سبيل العنف و المقاومة المسلّحة. و رغم كلّ ذلك، فقد كانت قريش تصعّد المقاومة، و تعرّض أصحاب النبي6للتعذيب و الأذى أكثر من ذي قبل.
و قد بلغت هذه المواجهة قمّتها في مقاطعة قريش للنبي6، و أهل بيته و أصحابه فترة طويلة من الزمن، تحمّل المسلمون خلالها كثيرا من الأذى و العنت.
التخطيط لإعداد قاعدة جديدة:
و كل ذلك دعا النبي6أن يخطّط لإعداد قاعدة جديدة للدعوة، حتى
إذا ما اشتدت الأزمة، و تعرّضت الرسالة لخطر جدّي، ينتقل إليها و يجعلها قاعدة لعمله و منطلقا للرسالة، فتوجّه النبي6إلى الطائف ليبشّر فيها برسالته، و ليجد فيها أنصارا و أعوانا، يهيّئون المنطقة لتكون القاعدة الجديدة التي كانت تشغل تفكير النبي القائد6في هذه الفترة.
و إذ لم يقدّر للنبيّ6أن يجد في هذه المنطقة غايته، وجّه جمعا من أصحابه إلى الحبشة، ليهيّئوا هذه المنطقة، لتكون المنطلق الجديد للدعوة.
و لم تكن الغاية من هذه الهجرة، أن يريح النبي6أصحابه من أذي قريش و تعذيبهم، كما يحسب بعض المؤرّخين لسيرة النبي6. فقد بعث النبي6جمعا من كبار أصحابه، و ممّن كانت تحميهم عشائرهم، و مكانتهم في مكّة من ملاحقة قريش و أذاها، من أمثال جعفر بن أبي طالب و غيره، و أبقى في مكّة آخرين من الضعفاء، الذين لم تكن تحميهم عشيرة أو مكانة.
و قد أدركت قريش ما كان يريده النبي6من وراء هذه الهجرة، فبعثت إلى الحبشة نفرا منهم بهدايا يحملونها إلى ملك الحبشة، لإحباط المهمّة التي بعث النبي6أصحابه من أجلها.
و لم يترك رسول اللّه6الأمر مع ذلك، فقد كانت فكرة الانتقال بالدعوة إلى قاعدة جديدة تشغل تفكير النبي6، فقد وجد6أنّ مكّة لا تصلح أن تكون القاعدة الحصينة التي تتطلّبها الدعوة، و لا بدّ لهذه الرسالة من قاعدة جديدة تتمتّع بالحصانة الكافية، و لا تجد قريش إليها سبيلا.
فمكّة قد شعرت بالخطر بوضوح، و هي على و شك أن تنقضّ على الدعوة بكل قواها و إمكاناتها.
و قد اتّسعت رقعة نفوذ الإسلام، و وجد العدد الكافي من المؤمنين برسالته، و الرصيد الكافي لإقامة المجتمع الإسلامي الذي كان يخطّط له النبي6، ضمن هذه المرحلة في صبر و حكمة. و إذا كانت مكّة لا تصلح أن تكون القاعدة المطلوبة، فلا بدّ من التفكير في قاعدة جديدة ينتقل إليها القائد برسالته و عمله و أنصاره. فأخذ النبي6يعرض نفسه للحجّاج، الذين يأتون لحجّ بيت اللّه الحرام في موسم الحج من كل سنة. و يعرض عليهم الرسالة بمفاهيمها، و أفكارها الجديدة، و يدعوهم إلى الإيمان بها.
و لم يكن الغرض من هذه المحاولة فقط، أن يكسب النبي6أنصارا جددا للرسالة، و إنّما كان النبي6يبتغي أيضا من وراء هذه المحاولة، أن يجد القاعدة الجديدة التي كان يفكّر بها خارج مكّة.
الهجرة:
و قد قدّر اللّه لرسوله بعد كل هذه المحاولات، أن يجد في حجّاج يثرب و في يثرب غايته التي كان ينشدها.
فانتقل النبي6إلى يثرب برسالته و أصحابه بعد أن مهّد لذلك، و في يثرب أقام النبي6المجتمع الإسلامي الذي يخطّط له الإسلام و يحكمه. و هنا تبدأ المرحلة الثانية من حياة النبي6و جهاده، و هي مرحلة تختلف كل الاختلاف عن المرحلة الاولى من حياة النبي6و عمله. ففي هذه المرحلة تدخل الدعوة مرحلة تسلّم الحكم، و يتسلّم النبي6كقائد أوّل لهذه الدعوة زمام الحكم في المجتمع الجديد، بكل ما يرتبط بالحكم من شئون القضاء و الإدارة و السياسة و المال و الاقتصاد و الجيش. و يدخل المدينة حاكما يقرّ له المجتمع بهذا الحق و ينقاد له.
و كان هذا إعلانا بانتهاء فترة، و بدء مرحلة اخرى من العمل، و إعلانا لطبيعة هذه الدعوة و أصالة الحاكمية فيها و رأيها في الحكم، و أنّوَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ.
و قد كان هذا المعنى واضحا للمسلمين من المهاجرين و الأنصار، الذين أقاموا هذا المجتمع، فلم يستغرب أحد منهم أن يقيم النبي6دولة، و أن يتولّى في هذا المجتمع شئون الحكم و الإدارة و السياسة و الحرب.
و كان واضحا لغير المسلمين أيضا. فقد عرفوا من طبيعة هذه الرسالة، أنّها رسالة حاكمة، و أنّ النبي6إذا ما تحوّل إلى المدينة فسيدخلها حاكما، و يتسلّم فيها زمام الحكم و الإدارة و الحرب و السلم و المال.
الموقف الجديد:
و قد تغيّر شيء كثير من موقف هذا الدين تجاه اعدائه و مناوئيه. فبينما كان الموقف في مكّة يتّسم بكثير من اللّين و المرونة من جانب المسلمين، تحوّل الموقف في المدينة إلى موقف القوّة و ردّ العنف بالعنف و الاعتداء بمثله، و كان من الطبيعي جدّا، أن ينطوي التخطيط النبوي على هذا التفكيك في المرحلة، من حيث موقف المسلمين إزاء أعدائهم و مناوئيهم. فقد كان المسلمون في مكّة ضعفاء و لا يقوون على مواجهة الاعتداء بمثله. و أيّ عنف في المواجهة من جانب المسلمين، كان يؤدّي إلى احتدام الصراع بين الرسالة الجديدة و الجاهلية الحاقدة، و إلى القضاء على الطليعة المؤمنة التي كانت تحمل مسئولية الرسالة في تلك المرحلة من حياة النبي6.
و حينما تحوّل المسلمون إلى المدينة، تغيّر الوضع و أصبح المسلمون
يكوّنون قوّة في الجزيرة العربية.
إذن فلا بدّ أن يتغيّر الموقف من لين إلى عنف، و من ضعف إلى قوّة، و لا بدّ أن يتكيّف المسلمون مع الوضع الجديد الذي تتطلّبه المرحلة.
فليس من رسالة الإسلام في شيء، استعمال العنف في الموصول إلى غاياته و أهدافه، بل الإقناع هو الأداة المفضّلة لهذه الرسالة في تحقيق الشخصية الإسلامية و المجتمع الإسلامي، إلّا أنّه إذا قدّر لهذا الدين أن يصطدم بعقبة من العقبات التي تضعها الجاهلية في طريق هذه الرسالة، و بمشكلة من المشاكل التي تسبّبها الجاهلية لهذا الدين، فإنّ الدعوة لا تتردّد في إزاحة هذه العقبة عن طريقها، و تذليل هذه المشكلة بكل ما لديها من قوّة، و بكل ما تملك من عنف، فقد كانت الجاهلية تريد أن تزاحم كلمة اللّه، و حكمه و سلطانه في المجتمع، و تتحكّم في مصير المجتمع و علاقاته، و تأخذ بيدها زمان المبادرة في ذلك كلّه.
و أي لين أو مرونة في مواجهة العدو في هذه المرحلة، و يؤدّي من دون ريب إلى فسح المجال له بمصادرة الغايات و الأهداف التي يتوخاها هذا الدين في تحكيم كلمة اللّه، و تحكيم شريعته و دينه على وجه الأرض.
و ذلك فقد كان الإسلام في هذه المرحلة جدّيا في مواجهة المشركين و اليهود، و في تفويت الفرض عليهم، و في تصفية قواعدهم. فقد كانت مسألة الحكم صراعا بين الإسلام و الجاهلية.
و كان لا بدّ في هذا الصّراع من شيء كثير من القوة، و من الجدّية و من العنف أيضا، حينما كان الأمر يتطلّب العنف و الجدّ.
التخطيط العسكري:
و قد كانت الحروب التي خاضها النبي6في مواجهة قريش، و القبائل العربية الموالية لها في الجزيرة، آية في التخطيط العسكري، و قمّة في القيادة. و التخطيط و الإدارة مسألتان جوهريتان في هذا الدين، و القيادة و الحكم جزءان أصيلان من منهج هذا الدين.
فقد بدأ النبي6يخطّط للاستيلاء على الجزيرة، و تحكيم شريعة اللّه فيها منذ أن دخل المدينة، و كانت قريش تعتبر عقبة كبيرة في سبيل تحقيق هذه الغاية، كما كان اليهود يعتبرون العقبة الثانية، و قد كان يلتف حول قريش بعض القبائل المخالفة لها.
فبدأ النبي6بالعمل على تصفية قواعد العدو، و كانت مكّة من أقوى هذه القواعد التي كانت تصمد في وجه النبي6.
الحصار الاقتصادي:
و للقضاء على صمود مكّة و قوّتها، بادر النبي6بتهديد الطرق التجارية، التي كانت تربط مكّة بالشام، و التي كانت تقع على ساحل البحر الأحمر. و قد كان هذا الطريق هو العصب الذي يمدّ مكّة بكل ما تريده من متطلّبات الحياة في ذلك الوقت، من سلاح و عتاد و تجارة، و قد كانت تجارة قريش تعتبر موردا مادّيا و معنويا لها في أوساط الجزيرة، فقد كانت القبائل العربية المحيطة بمكّة، تقصد مكّة بما لديها من مال و حاصلات زراعية و مواشي، لتشتري من مكّة ما تحتاجه من سلاح و بضائع مستوردة من الشام.
و حين خطّط النبي6لتهديد هذا الطريق، و تهديد تجارة قريش، كان يعلم أنّه قد وجّه بذلك ضربة قوية لشخصية قريش، من الناحية المادّية و المعنوية، و فعلا نفّذ النبي6هذا التخطيط في حرب بدر، و نجح المخطّط في تهديد تجارة قريش.
و لئن عادت قريش في عام مقبل لاستعادة مكانتها، و إعادة الأمن إلى تجارتها، و أصيب المسلمون ببعض الخسارة في هذه الحرب (حرب أحد)، فإنّ الطريق لم يعد لقريش، و لم تسلم قريش على تجارتها، و انتكست اقتصاديا و معنويا، كذلك حيث انقطعت عنها البضائع التي كانت تأتي بها تجارتها من الشام، و فقدت أسواق مكّة مركزيتها التجارية.
و لئن لم ينتبه المسلمون يومذاك، إلى أهمية العمل الذي قام به النبي6من ناحية سياسية و عسكرية، و تأثيره الكبير في شلّ الحياة الاقتصادية لمكّة، فقد عرفت أوروبا بعد قرون أهميّة هذا العمل في إحراج العدو، و إرهاقه و مباشرة الضغط عليه اقتصاديا. و عرفت هذه العملية بعد ذلك ب (الحصار الاقتصادي)، و استعملها نابليون ضدّ بريطانيا، كما استعملت مرّات اخرى من قبل القادة العسكريين في الحروب.
تصفية قواعد المشركين و اليهود:
و بعد أن تمّ للنبي6إرهاق العدو و إذلاله، و بعد أن فشلت آخر محاولة للعدو في التجمّع للقضاء على المعسكر الإسلامي في حرب (الأحزاب). بدأ بضرب قاعدة العدو، و تصفية ما تبقى له من النفوذ في الجزيرة، و سقطت القاعدة أمام الزّحف الإسلامي.
و صفح النبي6عن كل جرائم قريش و عدوانها في كرم و نبل،