و قد اتّسعت رقعة نفوذ الإسلام، و وجد العدد الكافي من المؤمنين برسالته، و الرصيد الكافي لإقامة المجتمع الإسلامي الذي كان يخطّط له النبي6، ضمن هذه المرحلة في صبر و حكمة. و إذا كانت مكّة لا تصلح أن تكون القاعدة المطلوبة، فلا بدّ من التفكير في قاعدة جديدة ينتقل إليها القائد برسالته و عمله و أنصاره. فأخذ النبي6يعرض نفسه للحجّاج، الذين يأتون لحجّ بيت اللّه الحرام في موسم الحج من كل سنة. و يعرض عليهم الرسالة بمفاهيمها، و أفكارها الجديدة، و يدعوهم إلى الإيمان بها.
و لم يكن الغرض من هذه المحاولة فقط، أن يكسب النبي6أنصارا جددا للرسالة، و إنّما كان النبي6يبتغي أيضا من وراء هذه المحاولة، أن يجد القاعدة الجديدة التي كان يفكّر بها خارج مكّة.
الهجرة:
و قد قدّر اللّه لرسوله بعد كل هذه المحاولات، أن يجد في حجّاج يثرب و في يثرب غايته التي كان ينشدها.
فانتقل النبي6إلى يثرب برسالته و أصحابه بعد أن مهّد لذلك، و في يثرب أقام النبي6المجتمع الإسلامي الذي يخطّط له الإسلام و يحكمه. و هنا تبدأ المرحلة الثانية من حياة النبي6و جهاده، و هي مرحلة تختلف كل الاختلاف عن المرحلة الاولى من حياة النبي6و عمله. ففي هذه المرحلة تدخل الدعوة مرحلة تسلّم الحكم، و يتسلّم النبي6كقائد أوّل لهذه الدعوة زمام الحكم في المجتمع الجديد، بكل ما يرتبط بالحكم من شئون القضاء و الإدارة و السياسة و المال و الاقتصاد و الجيش. و يدخل المدينة حاكما يقرّ له المجتمع بهذا الحق و ينقاد له.
و كان هذا إعلانا بانتهاء فترة، و بدء مرحلة اخرى من العمل، و إعلانا لطبيعة هذه الدعوة و أصالة الحاكمية فيها و رأيها في الحكم، و أنّوَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ.
و قد كان هذا المعنى واضحا للمسلمين من المهاجرين و الأنصار، الذين أقاموا هذا المجتمع، فلم يستغرب أحد منهم أن يقيم النبي6دولة، و أن يتولّى في هذا المجتمع شئون الحكم و الإدارة و السياسة و الحرب.
و كان واضحا لغير المسلمين أيضا. فقد عرفوا من طبيعة هذه الرسالة، أنّها رسالة حاكمة، و أنّ النبي6إذا ما تحوّل إلى المدينة فسيدخلها حاكما، و يتسلّم فيها زمام الحكم و الإدارة و الحرب و السلم و المال.
الموقف الجديد:
و قد تغيّر شيء كثير من موقف هذا الدين تجاه اعدائه و مناوئيه. فبينما كان الموقف في مكّة يتّسم بكثير من اللّين و المرونة من جانب المسلمين، تحوّل الموقف في المدينة إلى موقف القوّة و ردّ العنف بالعنف و الاعتداء بمثله، و كان من الطبيعي جدّا، أن ينطوي التخطيط النبوي على هذا التفكيك في المرحلة، من حيث موقف المسلمين إزاء أعدائهم و مناوئيهم. فقد كان المسلمون في مكّة ضعفاء و لا يقوون على مواجهة الاعتداء بمثله. و أيّ عنف في المواجهة من جانب المسلمين، كان يؤدّي إلى احتدام الصراع بين الرسالة الجديدة و الجاهلية الحاقدة، و إلى القضاء على الطليعة المؤمنة التي كانت تحمل مسئولية الرسالة في تلك المرحلة من حياة النبي6.
و حينما تحوّل المسلمون إلى المدينة، تغيّر الوضع و أصبح المسلمون
يكوّنون قوّة في الجزيرة العربية.
إذن فلا بدّ أن يتغيّر الموقف من لين إلى عنف، و من ضعف إلى قوّة، و لا بدّ أن يتكيّف المسلمون مع الوضع الجديد الذي تتطلّبه المرحلة.
فليس من رسالة الإسلام في شيء، استعمال العنف في الموصول إلى غاياته و أهدافه، بل الإقناع هو الأداة المفضّلة لهذه الرسالة في تحقيق الشخصية الإسلامية و المجتمع الإسلامي، إلّا أنّه إذا قدّر لهذا الدين أن يصطدم بعقبة من العقبات التي تضعها الجاهلية في طريق هذه الرسالة، و بمشكلة من المشاكل التي تسبّبها الجاهلية لهذا الدين، فإنّ الدعوة لا تتردّد في إزاحة هذه العقبة عن طريقها، و تذليل هذه المشكلة بكل ما لديها من قوّة، و بكل ما تملك من عنف، فقد كانت الجاهلية تريد أن تزاحم كلمة اللّه، و حكمه و سلطانه في المجتمع، و تتحكّم في مصير المجتمع و علاقاته، و تأخذ بيدها زمان المبادرة في ذلك كلّه.
و أي لين أو مرونة في مواجهة العدو في هذه المرحلة، و يؤدّي من دون ريب إلى فسح المجال له بمصادرة الغايات و الأهداف التي يتوخاها هذا الدين في تحكيم كلمة اللّه، و تحكيم شريعته و دينه على وجه الأرض.
و ذلك فقد كان الإسلام في هذه المرحلة جدّيا في مواجهة المشركين و اليهود، و في تفويت الفرض عليهم، و في تصفية قواعدهم. فقد كانت مسألة الحكم صراعا بين الإسلام و الجاهلية.
و كان لا بدّ في هذا الصّراع من شيء كثير من القوة، و من الجدّية و من العنف أيضا، حينما كان الأمر يتطلّب العنف و الجدّ.
التخطيط العسكري:
و قد كانت الحروب التي خاضها النبي6في مواجهة قريش، و القبائل العربية الموالية لها في الجزيرة، آية في التخطيط العسكري، و قمّة في القيادة. و التخطيط و الإدارة مسألتان جوهريتان في هذا الدين، و القيادة و الحكم جزءان أصيلان من منهج هذا الدين.
فقد بدأ النبي6يخطّط للاستيلاء على الجزيرة، و تحكيم شريعة اللّه فيها منذ أن دخل المدينة، و كانت قريش تعتبر عقبة كبيرة في سبيل تحقيق هذه الغاية، كما كان اليهود يعتبرون العقبة الثانية، و قد كان يلتف حول قريش بعض القبائل المخالفة لها.
فبدأ النبي6بالعمل على تصفية قواعد العدو، و كانت مكّة من أقوى هذه القواعد التي كانت تصمد في وجه النبي6.
الحصار الاقتصادي:
و للقضاء على صمود مكّة و قوّتها، بادر النبي6بتهديد الطرق التجارية، التي كانت تربط مكّة بالشام، و التي كانت تقع على ساحل البحر الأحمر. و قد كان هذا الطريق هو العصب الذي يمدّ مكّة بكل ما تريده من متطلّبات الحياة في ذلك الوقت، من سلاح و عتاد و تجارة، و قد كانت تجارة قريش تعتبر موردا مادّيا و معنويا لها في أوساط الجزيرة، فقد كانت القبائل العربية المحيطة بمكّة، تقصد مكّة بما لديها من مال و حاصلات زراعية و مواشي، لتشتري من مكّة ما تحتاجه من سلاح و بضائع مستوردة من الشام.
و حين خطّط النبي6لتهديد هذا الطريق، و تهديد تجارة قريش، كان يعلم أنّه قد وجّه بذلك ضربة قوية لشخصية قريش، من الناحية المادّية و المعنوية، و فعلا نفّذ النبي6هذا التخطيط في حرب بدر، و نجح المخطّط في تهديد تجارة قريش.
و لئن عادت قريش في عام مقبل لاستعادة مكانتها، و إعادة الأمن إلى تجارتها، و أصيب المسلمون ببعض الخسارة في هذه الحرب (حرب أحد)، فإنّ الطريق لم يعد لقريش، و لم تسلم قريش على تجارتها، و انتكست اقتصاديا و معنويا، كذلك حيث انقطعت عنها البضائع التي كانت تأتي بها تجارتها من الشام، و فقدت أسواق مكّة مركزيتها التجارية.
و لئن لم ينتبه المسلمون يومذاك، إلى أهمية العمل الذي قام به النبي6من ناحية سياسية و عسكرية، و تأثيره الكبير في شلّ الحياة الاقتصادية لمكّة، فقد عرفت أوروبا بعد قرون أهميّة هذا العمل في إحراج العدو، و إرهاقه و مباشرة الضغط عليه اقتصاديا. و عرفت هذه العملية بعد ذلك ب (الحصار الاقتصادي)، و استعملها نابليون ضدّ بريطانيا، كما استعملت مرّات اخرى من قبل القادة العسكريين في الحروب.
تصفية قواعد المشركين و اليهود:
و بعد أن تمّ للنبي6إرهاق العدو و إذلاله، و بعد أن فشلت آخر محاولة للعدو في التجمّع للقضاء على المعسكر الإسلامي في حرب (الأحزاب). بدأ بضرب قاعدة العدو، و تصفية ما تبقى له من النفوذ في الجزيرة، و سقطت القاعدة أمام الزّحف الإسلامي.
و صفح النبي6عن كل جرائم قريش و عدوانها في كرم و نبل،
و استمرّ الزّحف على سائر مراكز تجمّع العدو في أطراف الجزيرة، و انهارت هذه المراكز واحدا بعد آخر، أمام الجيش الإسلامي الفاتح ... و استسلمت الجزيرة للدّين الجديد، و فرضت الدعوة سلطانها على أطراف الجزيرة.
تحصين القاعدة الإسلامية:
و في خلال هذه الأعمال، كان النبي6يعمل لتحصين المدينة، بتطهيرها من العناصر المخرّبة و المنافقين و اليهود، الذين كانوا يكيدون للإسلام و للمسلمين.
فكان النبي6يعمل في وقت واحد لضرب معاقل العدو و قواعده في الجزيرة، و بتحصين القاعدة الإسلامية في الجزيرة، و تطهيرها من المنافقين و اليهود، و يمارس خلال هذه المهمة و تلك مسئولياته الرسالية في الدعوة، و تربية الشخصية الإسلامية، و تكوين المجتمع الإسلامي، و ترسيخ العقيدة الإسلامية في النفوس.
و استطاع النبي6بعد هذا الشوط الطويل الذي قطعة في ثلاث و عشرين سنة بعد البعثة من اخضاع الجزيرة كلّها لشريعة اللّه، و الاستيلاء فيها على زمام الحكم، و إدارة المجتمع بما في ذلك من شئون الإدارة و المال و الجيش و القضاء.
و انقادت الجزيرة بكل أطرافها للدعوة، و استسلمت لها في انقياد، و انتظمت في مجتمع واحد يحكمه الإسلام.
هذا إجمال من تفصيل عن الجانب القيادي من حياة النبي6، و التخطيط الذي امتدّ على مدى ربع قرن من حياة6.
و الذي يدرس السيرة النبويّة، و الأعمال التي قام بها النبي6بإمعان و دقّة، في مكّة و في المدينة، يجد أنّها كانت تنتظم جميعا في مخطّط واحد، و ينتهي هذا المخطّط إلى تسلّم الحكم في الجزيرة، و تحكيم شريعة اللّه فيها، و إشاعة الدعوة الإسلامية و ترسيخها في نفوس الناس ... هذا و رسول اللّه6معصوم، يعصمه اللّه من الزلل، و يوحي إليه بأمره و حكمه، و يسدّده في كلّ خطوة و عمل.
كما يرى أنّ مسألة الحكم، كانت مسألة جوهرية في هذه الرسالة، و ليست مسألة مؤقتة، أو أمرا هامشيا في هذا الدين.
و أنّ هذا الدين لا تنتهي رسالته عند دعوة الناس و إبلاغهم شريعة اللّه و أحكامه، و ردعهم عن الخضوع للأوثان و العبادة لغير اللّه.
بل إنّ من صميم هذه الرسالة، أن يتولّى المنهج الإلهي الحكم في حياة الناس، و ليس هذا الدين مجموعة من (الاقتراحات الطيّبة) و (النصائح و المواعظ الدينية) التي تلقى على المنابر و يتلقاها الناس بالقبول، و يعرض على غيرهم من الناس في سلام، و إنّما هو منهج في التشريع و مشروع للتنفيذ، و مخطّط للتحكيم، و دعوة و دولة، و قوّة و صلابة في تحقيق ذلك كلّه.
الدعوة و الدولة في هذا الدين:
و إذا كانت (الدعوة) قد سبقت (الدولة) في حياة النبي6، فإنّ ذلك لا يعني أنّ الدولة لم تكن حاجة أساسية في هذا الدين، أو جاءت عرضا و بالصّدفة. فإنّ كلّ شيء في حياة النبي6، يشهد بأنّ هذه الدعوة كانت ملتحمة بفكرة الدولة، و أنّ هذه الدعوة لم يتأتّ لها أن تغزو جزءا كبيرا من
الأرض، و أن تنشر النور و الوعي في كل مكان، لو لا أن كانت دولة تسندها.
و قد كان من ضمن المخطط الكبير، أن يسبق الدعوة وجود الدولة، و أن يسبق هذه الدولة تغيير نفسي عميق للناس، و بناء للشخصية الإسلامية، على اسس عقائدية متينة، لتكون الدولة دولة عقائدية هادفة، ذات رسالة إلهية في تاريخ هذا الإنسان.
فلو لا الدعوة لم تكن الدولة التي أقامها هذا الدين قادرة على تحقيق رسالة اللّه على وجه الأرض، و لم تكن هذه الدولة ذات رسالة تغييرية في حياة الإنسان، و لم تكن إلّا شيئا من هذه الحكومات التي تتعاقب على الحكم، و لا تترك في الحياة الاجتماعية غير هذا الصخب و الضجيج و العبث بمصالح الناس.
فقد عاشت الدعوة في مكّة ثلاثة عشر عاما من دون دولة، فلم يؤمن بها غير قلّة في مكّة، و عاشت هذه الفترة في أزمة و محنة قاسية. و لم تنتقل الدعوة إلى المدينة، حيث وجدت الفرصة الكفاية لإقامة الدولة، حتى استجابت الجزيرة كلّها للدعوة، و انطلقت رسل الدعوة إلى خارج الجزيرة، و لم يمرّ عليها قرن، حتى انفتحت للدعوة أقطار واسعة في آسيا و إفريقيّة و أوروبا أيضا.
و ليس ذلك إلّا لهذا الالتحام الوثيق بين الدعوة و الدولة في الإسلام؛ لأنّ أمر الدولة و الحاكمية من صميم هذا الدين و جوهره، و ليس شيئا طارئا عليه، حصل صدفة في حياة النبي6و بعده، دون أن يكون هناك مخطّط واسع لتحقيق هذه الدولة.