الأرض، و أن تنشر النور و الوعي في كل مكان، لو لا أن كانت دولة تسندها.
و قد كان من ضمن المخطط الكبير، أن يسبق الدعوة وجود الدولة، و أن يسبق هذه الدولة تغيير نفسي عميق للناس، و بناء للشخصية الإسلامية، على اسس عقائدية متينة، لتكون الدولة دولة عقائدية هادفة، ذات رسالة إلهية في تاريخ هذا الإنسان.
فلو لا الدعوة لم تكن الدولة التي أقامها هذا الدين قادرة على تحقيق رسالة اللّه على وجه الأرض، و لم تكن هذه الدولة ذات رسالة تغييرية في حياة الإنسان، و لم تكن إلّا شيئا من هذه الحكومات التي تتعاقب على الحكم، و لا تترك في الحياة الاجتماعية غير هذا الصخب و الضجيج و العبث بمصالح الناس.
فقد عاشت الدعوة في مكّة ثلاثة عشر عاما من دون دولة، فلم يؤمن بها غير قلّة في مكّة، و عاشت هذه الفترة في أزمة و محنة قاسية. و لم تنتقل الدعوة إلى المدينة، حيث وجدت الفرصة الكفاية لإقامة الدولة، حتى استجابت الجزيرة كلّها للدعوة، و انطلقت رسل الدعوة إلى خارج الجزيرة، و لم يمرّ عليها قرن، حتى انفتحت للدعوة أقطار واسعة في آسيا و إفريقيّة و أوروبا أيضا.
و ليس ذلك إلّا لهذا الالتحام الوثيق بين الدعوة و الدولة في الإسلام؛ لأنّ أمر الدولة و الحاكمية من صميم هذا الدين و جوهره، و ليس شيئا طارئا عليه، حصل صدفة في حياة النبي6و بعده، دون أن يكون هناك مخطّط واسع لتحقيق هذه الدولة.
بعد عصر الرّسالة
وضوح الرّؤية:
لم يختلف المسلمون في أمر كما اختلفوا في أمر الخلافة و الحكم بعد رسول اللّه6، و لم تحدث فتنة بين المسلمين كما حدث بعد رسول اللّه6.
و قد ذهب المسلمون في هذه الفتنة، مذاهب شتّى من الرأي و المعتقد، إلّا أنّ الّذي يلفت النظر حقّا في هذه الفتنة، التي لم تخمد جذوتها بعد، أنّ المسلمين مهما اختلفوا في شيء، فلم يختلفوا في أصل وجوب إقامة الحكم الإسلامي بين المسلمين، و مبايعة حاكم من بين المسلمين، يحكم بينهم بكتاب اللّه و سنّة رسوله6.
و هو أمر عجيب حقّا، ملفت للنّظر، فقد كانت المسألة من الوضوح عند المسلمين حدا لا يقبل أدنى تشكيك. فلم يحدّثنا التاريخ، أنّ واحدا من المسلمين كان يقول، أو يرى في السقيفة التي احتدم المسلمون فيها في أمر الخلافة؛ أن لا حاجة إلى خليفة أو حاكم، و بوسع المسلمين أن يعيشوا كما كانوا يعيشون في الجاهلية من غير خلافة أو إمامة إسلامية.
و فيما بعد هذا اليوم أيضا، لم يحدّثنا تاريخ المذاهب و النّحل أن حدث بين المسلمين خلاف في هذه المسألة.
و استمرّت مسألة أصالة الحاكمية في الإسلام، و وجوب الالتفاف حول الحاكم الإسلامي و مبايعته و طاعته أمرا لا يشكّ فيه أحد، و إن كان الشكّ يراود المسلمين كثيرا، فيمن كانوا ينصبون أنفسهم أئمة و قيّمين على
المسلمين، و في الشروط التي تؤهّل أصحابها لتسلّم الحكم فيما بين المسلمين[1].
و مهما كان من انحراف الأجهزة التي تولّت الحكم على امتداد التاريخ الإسلامي، و بعدها عن الأصالة الإسلامية و المفاهيم و المقاييس الإسلامية في الحكم، فإنّ المسلمين بقوا يؤمنون رغم كل هذه الانحرافات، أنّ الحاكمية لا يجوز أن تنحرف عن هذا الدين، و حتى الحكام الذين كانوا يتناوبون على الحكم في اتجاه منحرف عن هذا الدين، كانوا يحكمون باسم هذا الدين، و كان الفقه الإسلامي هو القانون الذي يحقّ له أن يحكم حياة الناس في شئونهم الفرديّة و الاجتماعية، و علاقاتهم الداخلية و الخارجية.
و لا يعني ذلك تبريز هذا الانحراف في الحكم في عصور الخلافة الإسلاميّة، إلّا أنّ أصالة الحاكمية في هذا الدين كانت تحظى- حتى سقوط الخلافة العثمانية- بوضوح كامل لدى جمهور المسلمين، و لم يكن أحد من المسلمين يفكّر يومذاك، أنّ الدين شيء و الدولة شيء غريب عن الدين، و لا يتّصل به بسبب، و أنّ من الجائز أن يحافظ المسلمون على دينهم بينما يحكمهم حاكم كافر، و ينظّم حياتهم قانون غريب عن تراث هذه الامّة و فقهها.
التآمر على هذا الدين:
و لم يختف هذا الوضوح، إلّا بعد جهد كبير بذله الاستعمار في تغيير
[1]عدا فرقة واحدة من الخوارج تعرف بالنجدات، و قد اندثرت تأريخيا، و لا وجود لها اليوم، كانت ترى أن لا حاجة للمسلمين إلى إمام. راجع شرح المقاصد للتفتازاني: 5/ 235.
ملامح هذا الدين لدى العامّة من المسلمين، و تحويله إلى دين يشبه المسيحية (التي تؤمن بها أوروبا و إفريقيّة) يقنع من الأرض بما تحيطه جدران الكنائس، و يقنع من حياة الناس بالساعات القليلة التي يقضيها الناس في هذه الكنائس من أيّام الآحاد، و يقنع من الإسهام في الحياة الاجتماعية، بما تتطلّبه التقاليد الاجتماعية حين يموت أحد و يجري تشييعه و دفنه.
و قد حاول الاستعمار أن يعطي نفس الطابع للإسلام في نظر المسلمين، و يفقده أصالته و حيويته، و اهتمامه الكبير بمسائل الحياة و شئونها، و يفصل الدين عن الدولة و عن شئون الحياة الاخرى.
و منذ ذلك التاريخ أخذ هذا الوضوح بالاختفاء، و أخذ المسلمون- في الغالب- لا يعون من الدين إلّا هذه الطقوس التي تجري أحيانا عن إيمان و إخلاص، و تجري أحيانا اخرى كعادات و تقاليد اجتماعية لا بدّ من الإتيان بها. و لا يستعيد المسلمون كيانهم و شخصيتهم على وجه الأرض، و لا يمكن أن تنطلق هذه الدعوة في تحقيق رسالة اللّه، إلّا حينما يعي المسلمون حقيقة دينهم، و واقع هذه الرسالة، و إلّا حينما ينبثق من هذا الوعي قوّة إسلامية على وجه الأرض، و كيان اجتماعي و سياسي ذو جذور و أبعاد رسالية و عقائدية.
موقف أهل البيت من مسألة الحكم:
من نافلة القول أن نتحدّث عن انحراف الأجهزة التي تولّت الولاية و الحاكمية في المسلمين، في فترات طويلة من خلافة المسلمين.
ففي العصر الأموي و العصر العبّاسي و العصور التي تلت هذا العصر، بلغ انحراف الخلافة الإسلامية، حدّا لا يصحّ و لا يمكن الدفاع عنها.
و قد تصدّى أهل بيت رسول اللّه6، لتصحيح هذا الوضع الشّاذ في
جهاز الحكم الإسلامي، و تعديل مسيرة الحكم الإسلامي. و لا نحتاج إلى كثير من العناء و البحث، لنكتشف أبعاد الدور القيادي و التخطيط الهادف الذي كان يمارسه و ينفّذه أهل البيت:في إعداد الامّة، في حركة تغييرية واسعة، لرفض سلطان الباطل، و المطالبة بإعادة الحكم الإسلامي إلى مجراه الصحيح. و آية هذه الحركة الواعية في تاريخ أهل البيت:، للمطالبة بتقويم ما انحرف من مسيرة الحكم، ثورة الحسين من أهل البيت:.
فهو7كان يصرّح معلنا أهداف حركته الكبرى:
«إنّي لم أخرج أشرا و لا بطرا، و لا مفسدا و لا ظالما، و إنّما خرجت لطلب الإصلاح في امّة جدّي اريد أن آمر بالمعروف و أنهى عن المنكر و أسير بسيرة جدّي و أبي عليّ بن أبي طالب».
و يرفض بيعة يزيد بقوّة و إصرار، و يرفض أن يكون (يزيد بن معاوية) أهلا لإمامة المسلمين، و هو من تعرفه الامّة معاقرا للخمر، لاعبا للقمار، سفّاكا للدماء، محلّلا لما حرّمه اللّه على عباده.
و الأئمة الذين تسلّموا مسئولية الإمامة بعد الحسين7، من أهل البيت، لم يختلف موقفهم من انحراف الحكومات المعاصرة لهم، إلّا بقدر ما يتعلّق بضرورات المرحلة و متطلّباتها.
فقد كان أهل البيت:إذن يخطّطون لتقويم جهاز الحكم الإسلامي، و تعديل ما انحرف منه، و تسلّم الحكم و الولاية، و القيمومة على حياة المسلمين.
و ليس من شكّ أنّ الاسلوب الذي كان يمارسه الإمام الحسين7،
ضمن هذا المخطّط، كان يختلف عن الاسلوب الذي كان يمارسه الإمام الصادق من أهل البيت. غير أنّ اختلاف الاسلوب كان نابعا من اختلاف في مرحلة العمل، و ملابسات الظرف الاجتماعي. و لا يصعب على القارئ أن يكتشف وحدة الهدف، و التخطيط و العمل، لتصحيح ما انحرف من خطّ الحكم الإسلامي، و ممارسة الحاكميّة في حياة الناس، بالصورة التي يرتضيها اللّه تعالى ضمن هذه الفترة التاريخية عند أهل البيت:.
فقد عاش الأئمة من أهل البيت:إلى عهد الإمام الحسين7، محنة انحراف الجهاز الذي يتولّى الحكم بين المسلمين، فكان العمل منصبّا على استعادة الحكم إلى مجراه الإسلامي الصحيح.
و منذ هذا العصر- أي أواسط العصر الأموي- تسرّب الانحراف من الحكم إلى جسم الامّة، بصورة خطيرة، و أصبح الحاكمون يعملون لإسناد موقعهم السياسي، و تمييع المعارضة السياسية بكلّ ما يتأتى لهم من إشاعة الفحشاء و الفساد و الانحراف في صفوف المسلمين، و يستعينون ببعض من يهون عليهم أمر دينهم من العلماء في تحريف هذا الدين و تشويه معالمه.
و واجه أهل البيت:هذه الحالة بوعي و جهاد طويل، للمحافظة على الصورة الحقيقية لهذه الرسالة، و صيانتها من التشويه و الانحراف، و المحافظة على هذه الامّة، و إيجاد تغيير جذري عميق في جسم الامّة، و تكوين طليعة واعية تعي هذا الدين وعيا صحيحا؛ لتكون نواة للمستقبل استعدادا لإعادة الحكم إلى مجراه الصحيح، و تسلّم الحاكميّة في هذه الامّة.
و لا تهمّ بعد ذلك مسألة التوقيت، و متى يقوم الحكم على القواعد الصحيحة التي يريدها اللّه، و إنّما المهم التخطيط الواعي، و العمل المخلص
للّه، و الصّبر و المثابرة، و ضبط النفس و الأعصاب في مراحل العمل الطويلة الشاقة.
و ليس بوسعنا- هنا- أن نلخّص الأدوار التي اجتازها أهل البيت:، و التخطيط الواعي الذي وضعوه لمواجهة الواقع الاجتماعي و تعديله و تغييره في هذه الأدوار، و العمل المكثّف الذي قام به أهل بيت رسول اللّه6في هذه الفترة في النطاق التربوي الخاص. و لا يسع صدر هذا الحديث لأكثر من هذا الحدّ، إلّا أنّنا نخرج على كل حال، من هذا الاستعراض السريع بنتيجة قاطعة، هي أنّ أهل البيت:، كانوا يعملون دائما لإعادة الحكم الإسلامي إلى مجراه الصحيح، و إرساء هذا الحكم على قواعد صلبة من هذه الرسالة و المؤمنين بها.
و بعد، فقد أطلنا الحديث بعض الشيء في هذا الجانب من مسألة ولاية الفقيه، و استرسلنا كثيرا مع تاريخ هذا الدين، و ظهوره في الجزيرة العربية، و الملابسات التي أحاطت ظهور هذا الدين، و توسّعه في الجزيرة، و على وجه الأرض، و لم يكن هذا الاسترسال عفوا من الحديث، و استرسالا في التاريخ غير مقصود، و إنّما قصدت إلى ذلك قصدا. فإنّ كل غموض يلابس فكرة ولاية الفقيه في نظري، تعود جذوره إلى غموض في فهم حقّ هذا الدين في الحكم، و أصالة الحاكمية فيه. و إذا اكتسب هذا الجانب من القضية الوضوح الكافي، فإنّ من السهولة بمكان أن نفهم سائر أطراف القضية.
مراحل التاريخ السياسي للمرجعية عند الشيعة الإمامية من التقية إلى تسلّم الحكم
لم أعثر فيما قرأت على دراسة للتاريخ السياسي لمرجعية الشيعة و فقهائها، عدا دراسة واحدة لأحد الكتّاب الفضلاء، و لست اريد أن أعجل في نقد هذه الدراسة قبل أن تخرج من المطبعة، و لكن ما لا بدّ من ذكره في هذه المقالة أنّ الكاتب رحّل التاريخ السياسي لمرجعية الشيعة وفق مراحل نموها العلمي و الفقهي.
و اتصور أنّ المنهج العلمي مرحلية العمل السياسي لمرجعية الشيعة في التاريخ يختلف عن مرحلية العمل الفقهي لمرجعية الشيعة و فقهائهم، و لكل من هذين الخطين، الخط السياسي و الخط الفقهي لمرجعية الشيعة، تاريخه الخاص به و مراحله الخاصة كما أنّ لكل تاريخ خصائصه و ملامحه.
و لست أحب أن أقف أكثر من هذا التلميح عند هذه النقطة فأقول: