بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 162

ضمن هذا المخطّط، كان يختلف عن الاسلوب الذي كان يمارسه الإمام الصادق من أهل البيت. غير أنّ اختلاف الاسلوب كان نابعا من اختلاف في مرحلة العمل، و ملابسات الظرف الاجتماعي. و لا يصعب على القارئ أن يكتشف وحدة الهدف، و التخطيط و العمل، لتصحيح ما انحرف من خطّ الحكم الإسلامي، و ممارسة الحاكميّة في حياة الناس، بالصورة التي يرتضيها اللّه تعالى ضمن هذه الفترة التاريخية عند أهل البيت:.

فقد عاش الأئمة من أهل البيت:إلى عهد الإمام الحسين7، محنة انحراف الجهاز الذي يتولّى الحكم بين المسلمين، فكان العمل منصبّا على استعادة الحكم إلى مجراه الإسلامي الصحيح.

و منذ هذا العصر- أي أواسط العصر الأموي- تسرّب الانحراف من الحكم إلى جسم الامّة، بصورة خطيرة، و أصبح الحاكمون يعملون لإسناد موقعهم السياسي، و تمييع المعارضة السياسية بكلّ ما يتأتى لهم من إشاعة الفحشاء و الفساد و الانحراف في صفوف المسلمين، و يستعينون ببعض من يهون عليهم أمر دينهم من العلماء في تحريف هذا الدين و تشويه معالمه.

و واجه أهل البيت:هذه الحالة بوعي و جهاد طويل، للمحافظة على الصورة الحقيقية لهذه الرسالة، و صيانتها من التشويه و الانحراف، و المحافظة على هذه الامّة، و إيجاد تغيير جذري عميق في جسم الامّة، و تكوين طليعة واعية تعي هذا الدين وعيا صحيحا؛ لتكون نواة للمستقبل استعدادا لإعادة الحكم إلى مجراه الصحيح، و تسلّم الحاكميّة في هذه الامّة.

و لا تهمّ بعد ذلك مسألة التوقيت، و متى يقوم الحكم على القواعد الصحيحة التي يريدها اللّه، و إنّما المهم التخطيط الواعي، و العمل المخلص‌


صفحه 163

للّه، و الصّبر و المثابرة، و ضبط النفس و الأعصاب في مراحل العمل الطويلة الشاقة.

و ليس بوسعنا- هنا- أن نلخّص الأدوار التي اجتازها أهل البيت:، و التخطيط الواعي الذي وضعوه لمواجهة الواقع الاجتماعي و تعديله و تغييره في هذه الأدوار، و العمل المكثّف الذي قام به أهل بيت رسول اللّه6في هذه الفترة في النطاق التربوي الخاص. و لا يسع صدر هذا الحديث لأكثر من هذا الحدّ، إلّا أنّنا نخرج على كل حال، من هذا الاستعراض السريع بنتيجة قاطعة، هي أنّ أهل البيت:، كانوا يعملون دائما لإعادة الحكم الإسلامي إلى مجراه الصحيح، و إرساء هذا الحكم على قواعد صلبة من هذه الرسالة و المؤمنين بها.

و بعد، فقد أطلنا الحديث بعض الشي‌ء في هذا الجانب من مسألة ولاية الفقيه، و استرسلنا كثيرا مع تاريخ هذا الدين، و ظهوره في الجزيرة العربية، و الملابسات التي أحاطت ظهور هذا الدين، و توسّعه في الجزيرة، و على وجه الأرض، و لم يكن هذا الاسترسال عفوا من الحديث، و استرسالا في التاريخ غير مقصود، و إنّما قصدت إلى ذلك قصدا. فإنّ كل غموض يلابس فكرة ولاية الفقيه في نظري، تعود جذوره إلى غموض في فهم حقّ هذا الدين في الحكم، و أصالة الحاكمية فيه. و إذا اكتسب هذا الجانب من القضية الوضوح الكافي، فإنّ من السهولة بمكان أن نفهم سائر أطراف القضية.


صفحه 164

مراحل التاريخ السياسي للمرجعية عند الشيعة الإمامية من التقية إلى تسلّم الحكم

لم أعثر فيما قرأت على دراسة للتاريخ السياسي لمرجعية الشيعة و فقهائها، عدا دراسة واحدة لأحد الكتّاب الفضلاء، و لست اريد أن أعجل في نقد هذه الدراسة قبل أن تخرج من المطبعة، و لكن ما لا بدّ من ذكره في هذه المقالة أنّ الكاتب رحّل التاريخ السياسي لمرجعية الشيعة وفق مراحل نموها العلمي و الفقهي.

و اتصور أنّ المنهج العلمي مرحلية العمل السياسي لمرجعية الشيعة في التاريخ يختلف عن مرحلية العمل الفقهي لمرجعية الشيعة و فقهائهم، و لكل من هذين الخطين، الخط السياسي و الخط الفقهي لمرجعية الشيعة، تاريخه الخاص به و مراحله الخاصة كما أنّ لكل تاريخ خصائصه و ملامحه.

و لست أحب أن أقف أكثر من هذا التلميح عند هذه النقطة فأقول:


صفحه 165

بوسعنا أن نقسم مراحل التاريخ السياسي لمرجعية الشيعة إلى ثلاث مراحل سياسية:

1- مرحلة التقية (المعارضة السرية).

2- مرحلة التصدي العلني للمعارضة.

3- مرحلة الولاية و تسلّم الحكم.

و نحن عند ما نستعرض التاريخ السياسي لمرجعية الشيعة قد لا نعدم فترات من التاريخ تتداخل فيها هذه المراحل السياسية كلها أو بعضها، و لكن ما لا يتفق في تاريخ مرجعية الشيعة أن تخلو فترة من فترات هذا التاريخ من واحدة من هذه المراحل الثلاث.

من التقية إلى إعلان المعارضة

- 1- لا أستطيع أن اشخّص بالدقة الفترة التي انتهت عندها حالة التقية عند الشيعة في تاريخ الإسلام، و في تاريخ الصراع السياسي و المذهبي، و لكني أستطيع أن أقول إنّ التقية كانت في بدايتها (سياسية، مذهبية)، و كان النظام السياسي في العصرين الاموي و العباسي، و ما تعقّبه بعد ذلك من العصور، يمارس سياسة إرهابية مزدوجة، مذهبية و سياسية تجاه الشيعة.

و طالت هذه الفترة، و قست، و مارس الحكام ضد الزعامة الشيعية (المرجعية) ألوانا من الإرهاب و الضغط و الاضطهاد.

و بالتدريج خفت حدة الإرهاب المذهبي و الطائفي، و برز التشيع من حالة الكتمان و التقية إلى السطح من الناحية الفقهية و الأصولية و ربما نجد في‌


صفحه 166

عصر الشيخ المفيد و السيدين الرضي و المرتضى و الشيخ الطوسي في العصر العباسي ملامح لبدايات هذه المرحلة الجديدة، إلّا أنّ الإرهاب السياسي للشيعة ظل على حدته و قوته، و قد تعرض في هذه المرحلة بالذات الشيخ الطوسي لإرهاب سياسي مركّز و تعرض الشيعة لفتنة طائفية سياسية في الكرخ من بغداد.

و مهما يكن من أمر فقد امتدّ الإرهاب السياسي لشيعة أهل البيت و امتدت إلى جنبه حالة التقية إلى وقت متأخّر جدا.

و كانت السمة البارزة للشيعة خلال هذه الفترة الطويلة و الممتدة من التقية هي (الرفض)، و الرفض تعبير سياسي أكثر من أن يكون تعبيرا مذهبيا.

و هذه الكلمة تعني: المعارضة الدائمة الصامتة أحيانا اخرى و المعلنة أحيانا لكل الأنظمة التي مارست الولاية و الحكم على بلاد المسلمين منذ العصر الأموي إلى العصر الحاضر، و نفي شرعية هذه الأنظمة، و رفض الاعتراف بها. و هذا الرفض المستمر كان يكلّف المرجعية الشيعية كثيرا، و كان سببا للاضطهاد المستمر و الدائم للزعامة الشيعية، و حتى بعد أن انفرجت ظروف التعصب الطائفي الخانق، استمر الإرهاب و الاضطهاد السياسي. و هذا الاضطهاد السياسي و الطائفي التاريخي علّم الشيعة أمرين كان لا بدّ لهم منهما، و هما «السرية» و «التنظيم».

فإنّ العمل السياسي في ظروف الاضطهاد لا يتم من دون (السرية)، و هذا هو مبدأ التقية الذي عرف به الشيعة على امتداد تاريخهم السياسي. و السرية كما تمكّن القيادات السياسية من المحافظة على أصل العمل، فإنها‌


صفحه 167

في المقابل تقلل من فاعلية العمل و نفوذه و تأثيره، و لذلك فلا بدّ من اعتماد مبدأ آخر للعمل السياسي يجبر هذا الضعف و هو مبدأ (الطاعة الدقيقة و الولاية و الارتباط التنظيمي بأولياء الامور)، و أولياء الامور عند الشيعة هم أئمة أهل البيت:في حالة حضورهم و الفقهاء في عصر الغيبة.

و مهما اختلف رأي الفقهاء في أمر (ولاية الفقيه) بين السلب و الإيجاب، فإنّ السيرة المستمرة للشيعة الإمامية في عصر الغيبة إلى اليوم هي طاعة الفقهاء و الارتباط بهم بصورة عملية.

و هذا الارتباط بالطاعة يأخذ صفة تنظيمية دقيقة عن طريق شبكة الوكلاء الذين كانوا يمثلون الأئمة:في عصر الحضور و المراجع و الفقهاء في عصر الغيبة. و هذه الشبكة تنظم أمر ارتباط الامّة بالمرجعية بشكل منظم و دقيق، و في نفس الوقت من الناحية السياسية يحمي الكيان السياسي للطائفة من التسلّل و نفوذ العناصر الغريبة. و إنّ اشتراط العدالة في الوكلاء و أئمة الجماعة و الجمعة و العلماء الذين يمارسون دورا اجتماعيا و سياسيا، يؤمّن هذه النقطة إلى حد كبير، و هذا هو مبدأ (التنظيم).

و قد كان لهذين المبدأين السياسيّين دور كبير في حماية القيادات الشيعية طوال فترة الاضطهاد السياسي و العقائدي.

و مهما يقل من شي‌ء، و مهما يكن من أمر في هذه الفترة، فلا يختلف المؤرخون الذين يؤرخون هذه الفترة من تاريخ المرجعية الشيعة، أنّ العمل السياسي كان من أبرز سمات هذه المرحلة المظلمة في تاريخ الشيعة، فقد كان يجري تحت الأرض في المساحة الشيعية عمل سياسي ضخم في هذه الفترة رغم كل الظلم و الاضطهاد الذي أصاب الشيعة. و ما ملاحقة‌


صفحه 168

الشخصيات الشيعية و اضطهادهم و سجنهم، و تفتيت العوائل و الاسر الشيعية العريقة، و قتل العلماء و مطاردتهم إلّا نتيجة لهذا العمل السياسي الكبير الذي كان يجري تحت الأرض بعيدا عن عيون السلطات الأمنية في الأنظمة المعاصرة لهذه الفترة.

و الذي يتابع أدوار تاريخ هذه المرحلة، سيلفت نظره كثرة الفقهاء الشهداء، حتى إنّ الشيخ عبد الحسين الأميني;الباحث و المتتبع المعروف كتب كتابا عن الشهداء من الفقهاء في هذه المرحلة من تاريخ الشيعة أسماه ب‌ (شهداء الفضيلة).

و هذه المرحلة تمتد إلى وقت متأخر رغم تحسن الظروف السياسية في بعض الفترات، و لكن يبقى (الإرهاب و التقية) هو الطابع العام لهذه المرحلة التاريخية الطويلة و الصعبة.

و لم يؤرخ أحد التاريخ السياسي لهذه المرحلة بصورة واسعة و دقيقة، و هي مرحلة جديرة بالتكفير و الدراسة و العناية العلمية. و من المؤسف حقّا أن يضيع نتيجة هذا الإهمال العلمي تاريخ حافل بالجهاد و العمل السياسي الهادف؛ و لو أرّخ العلماء هذه الفترة في دراسة علمية دقيقة لعلم الناس ما لفقهاء الشيعة من دور كبير في خدمة الإسلام الأصيل الذي بعث اللّه به رسوله6، في المساحة الشيعية و السنية معا في غمار الانحرافات السياسية و انحرافات الحكام و ظلمهم و طيشهم من الذين حكموا باسم الإسلام، و مارسوا كل قبيح و فساد في تاريخ الإسلام باسم الإسلام إرضاء لأهوائهم و شهواتهم و تثبيتا لدعائم حكمهم و سلطانهم.

و فقهاء الشيعة في هذه الفترة المظلمة كانوا يقومون بدور كبير في‌


صفحه 169

حفظ أصالة الإسلام و نقائه، و عزل جماهير الامّة (دينيا) عن الحكام، و نفي الشرعية عنهم و الفصل بينهم و بين الدين، لا بين السياسة و الدين.

و مهما يكن من أمر فهذه مرحلة من أخصب مراحل المرجعية الشيعية، و في نفس الوقت من أصعبها و أشقّها. و كما تعرّض الشيعة و فقهاؤهم لظلم الحكّام و الأنظمة في هذه الفترة، كذلك ظلمتهم أقلام المؤرخين فلم يؤرّخوا التاريخ الحافل ذا الحركة و العمل لفقهاء الشيعة في هذه المرحلة من التاريخ. و لو لا مفردات نوعية من الجهاد و الحركة و العمل لفقهاء الشيعة وصلت إلينا لاندثرت هذه المرحلة بكاملها، و ضاع بذلك تراث عريق من العلم و العمل. و كان بودّي أن لا افارق الحديث عن هذه المرحلة حتى افصّل الحديث عنها تفصيلا، غير أنّي مضطر أن ارغم القلم على تجاوز هذه المرحلة، على أمل أن يقيّض اللّه تعالى من العلماء و الكتّاب و المؤرخين من يؤرخ هذه المرحلة، و يعطيها حقها من تاريخ و جهاد و صبر و مقاومة عبر جهاد علمائها المخلصين.

و لو لا جهود فقهاء الشيعة و مقاومتهم و عملهم الدءوب خلال هذه الفترة لا نزوت مدرسة أهل البيت:تاريخيا في هذه المرحلة، و تحوّلت إلى مذهب فكري و سياسي معزول و باطني بين الحياة و الاندثار، كما هو الشأن في طائفة من المذاهب التي حاربها الحكام، و لم يكن يشفع لهذا المذهب ارتباطه بأهل البيت:، الذي أنزل اللّه تعالى الكتاب و الوحي في بيوتهم. و ينجلي هذا الليل المظلم، بكل بشاعته و ظلمه لتدخل القيادات الشيعية مرحلة التصدي العلني للمعارضة السياسية و مقارعة الأنظمة المعتدية و المنحرفة، و لننظر في هذه المرحلة السياسية الجديدة من تاريخ الشيعة و جهادهم السياسي.