بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 173

المرحلة من التصدي للعمل السياسي و المواجهة لطال الحديث و الكلام.

و لو أننا أرّخنا هذه المواقف و الحركات و الأعمال لاقتضى الأمر إلى تدوين مجلدات من التاريخ. و قد أولت الجماهير المرجعية الدينية خلال هذه المعارك و المواقف و المواقع ثقة كبيرة يندر مثلها في التاريخ السياسي المعاصر. و هذه الثقة و العلاقة القوية بين الجمهور و الفقهاء هي التي مكنتهم من مواصلة التحرك بعكس التيار خلال هذه الفترة من تاريخ المرجعية.

مرحلة تسلّم الحكم و ممارسة الولاية

- 3- و تطور هذا العمل السياسي و الحركي و الجهادي الذي نهضت به مرجعية الشيعة إلى الثورة الإسلامية الكبرى التي أسقطت حكم الشاه و أنهت اسرة (بهلوي) في إيران و مكّنت المرجعية الشيعية من تسلّم الحكم في إيران ضمن نظرية فقهية محددة المعالم، و ثابتة الاصول من الناحية الفقهية بعنوان «ولاية الفقيه».

و هذه النظرية و إن كانت حديثة العهد بالتنفيذ، و لم تدخل مرحلة الممارسة و الفعلية إلّا في وقت متأخر، إلّا أنّ الدراسة التاريخية لهذه النظرية تكشف لنا عن عمق تاريخي لهذه النظرية في اصولها الاولى يرجع إلى عصر أهل البيت:.

و من الناحية التنظيرية نلتقي بدراسات فقهية مدونة و كاملة عن (ولاية الفقيه) قبل أكثر من قرن، و من هذه الدراسات البحث العلمي القيم الذي كتبه المحقق و الباحث الفقيه الشيخ أحمد النراقي (;تعالى) ضمن أبحاث‌


صفحه 174

كتابه الفقهي القيم «العوائد» و هو استاذ الشيخ مرتضى الأنصاري;.

و هذا العمق النظري- على الأقل- لمسألة ولاية الفقيه في الفقه الشيعي، يكشف لنا عن العلاقة التاريخية بين المرجعية و الولاية و الحكم على الصعيدين النظري بصورة واسعة، و العملي في الدائرة الممكنة و الميسرة.

و إنّ انتصار الثورة الإسلامية و قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (;تعالى) لم يكن حدثا عفويا و صدفة من صدف التاريخ، إذا كان في التاريخ صدف، و إنّما كان نتيجة لتاريخ طويل من العمل و الحركة. و دخلت المرجعية في هذه المرحلة ساحة الصراع الدولي من أوسع الأبواب، و أصبحت فجأة في مواجهة المؤمرات الدولية و الصراع الدولي بصورة مباشرة، و استهدفت من قبل الشرق و الغرب، في حديث طويل يعرفه من يلمّ بالوضع السياسي المعاصر في العالم.

و لو لا الجذور التاريخية و العقيدية المتينة و العميقة لهذه الدولة الجديدة لسقطت أمام زوبعة المؤامرات الدولية التي واجهتها خلال هذه المدة. و لكن للّه تعالى شأن في هذه الدولة الفتية، و له عزّ شأنه إرادة في أمر هذه الدولة، فلا يمكن أن يثبت في الحسابات الماديّة المعقولة نظام سياسي في هذه المنطقة الحساسة، و في وسط هذه العواصف من المؤامرات لو لا إرادة اللّه تعالى و أمره، و الأمر للّه تعالى وحده.

و نأمّل نحن أن توطئ هذه الدولة المباركة لقيام الدولة الكريمة التي بشّر بها الأنبياء:و التي ينهض بها المهدي7من آل محمد6و ينشر فيها العدل في أرجاء الأرض إن شاء اللّه تعالى.


صفحه 175

مسألة الولاية على الصعيد الفقهي العام

من الناحية الفقهية لا أعتقد أنّ ثمّة مشكلة فقهية في مسألة الولاية و الطاعة.

فإنّ الخلاف المعروف بين الفقهاء في أمر (ولاية الفقيه) لا يتصل بهذه المسألة، و لا علاقة له بمسألة الارتباط بالولاية و الطاعة و البيعة سواء كان الرأي الفقهي في مسألة ولاية الفقيه بالإيجاب أو بالسلب.

فإنّ الخلاف المعروف في مسألة ولاية الفقيه يتلخص في أنّ الفقاهة هل تكسب صاحبها الولاية أم لا؟

و هذه مسألة يختلف فيها الفقهاء بين رأيين مختلفين، فينفي الشيخ الأنصاري و طائفة من تلامذة مدرسته ولاية الفقيه بهذا المعنى، و منهم آية اللّه السيد الخوئي;، و يذهب جمع آخر من الفقهاء إلى إثبات الولاية للفقهاء‌


صفحه 176

كالشيخ أحمد النراقي استاذ الشيخ الأنصاري، و منهم الإمام الخميني;من المعاصرين.

و بموجب هذا الرأي يحقّ لكل فقيه أن يمارس الولاية في شئون المسلمين ما لم تتزاحم الولايات، فإذا تزاحمت الولايات نفّذ الحكم السابق من هذه الولايات بمقتضى القواعد الاصولية.

و الفقهاء المعاصرون بين مؤيد لها و معارض، يرى أنّ الأدلة التي يذكرها المؤيدون لولاية الفقيه لا تنهض بهذه النتيجة.

و هذه مسألة تختلف في الموضوع و الحكم عن مسألة الولاية و وجوب طاعة ولي الأمر. و لا أعتقد أنّ فقيها من الفقهاء يذهب إلى جواز مخالفة ولي الأمر و جواز الانفصال عنه في هذا الفرض.

فإنّ البديل لهذا الحكم هو تعطيل الحدود الإلهية و النظام و الأمن الاجتماعيين. أو إقرار ولاية الظالمين المفسدين للنظام و الأمن و المجتمع.

و إذا سقط كل من هذين البديلين من الاعتبار، فلا محالة ينحصر الأمر في الفرض الأوّل و هو مبايعة و طاعة ولي الأمر و الارتباط به. و لا أعتقد أنّ فقيها يخرج عن هذه البديهية الفقهية.

فإنّ إلغاء السيادة و الحاكميّة في المجتمع رأسا يؤدي إلى تعطيل الحياة كلها، فضلا عن تعطيل حدود اللّه و شريعته. و هو أمر لا يمكن أن يلتزم به أحد، و هذا هو أحد البديلين.

و البديل الآخر هو إقرار الأنظمة العلمانية و الحكام الظلمة و تشريعاتهم و أحكامهم و الالتزام بها.


صفحه 177

و هذا البديل يواجه عقبتين أساسيتين، إحداهما عقبة واقعية، و الأخرى نظرية.

أمّا الواقعية، فهي أنّ هؤلاء الحكام يدخلون في ممارساتهم اليومية للحكم في مخالفات شرعية كثيرة و يرتكبون الكثير من المظالم و المنكرات.

و من يقرأ تاريخ هذه الحكومات و الأنظمة المعاصرة منها و المتقدمة لا يشك في هذه الحقيقة. و يكفي أن نلقي نظرة سريعة على الأنظمة القائمة في حياتنا السياسية اليوم؛ لئلا ندخل في جدل علمي غير مثمر في هذه البديهية.

و افتراض وجود نظام سياسي غير إسلامي يحقق العدل الذي يريده اللّه تعالى، و ينظم حركة عجلة حياة المجتمع من دون أن يدخل ممارسات محرّمة، و يرتكب المظالم و المنكرات افتراض غير واقعي لا يصح من الناحية العلمية أن نتوقف عنده.

و هذه الأنظمة و هؤلاء الحكّام موضوع حكمين شرعيين لا يختلف فيه الفقهاء.

الحكم الأول: و هو أيسرها، حرمة التعاون مع الظلمة و حرمة التحاكم إليهم- إلّا بالعنوان الثانوي- و حرمة دعمهم و تأييدهم و إسنادهم بكل أشكال الدعم و الإسناد.

و الحكم الثاني: و هو أشقهما و أصعبهما، وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بعرضهما العريض، الذي يبتدئ بالتغيير و فرض المعروف باليد (الثورة المسلحة لقلب النظام)، و يمتد عبر مرحلة العصيان المدني، و مرحلة المقاطعة السياسية و الإدارية و الاقتصادية، و مرحلة‌


صفحه 178

الإجهار بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الشجب و الردع، و آخره الإنكار بالقلب، و هو أدنى درجات الإيمان.

و هذه هي العقبة العملية التي تجعل معايشة هذه الأنظمة أمرا ممتنعا و محرّما من الناحية الشرعية.

فإنّ معايشة هذه الأنظمة و قبول سيادتها من أبرز و أصرح مصاديق الركون إلى الظالمين الذي نهانا اللّه تعالى عنه بقوله تعالى:وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ[1].

أمّا العقبة الثانية فهي العقبة النظرية، و تتلخص هذه العقبة في مسألة (توحيد الولاية) و انحصار الولاية في حياة الإنسان في اللّه تعالى. و فيمن يأذن و يأمر به اللّه.

و سلب الولاية من غير اللّه تعالى و غير أولياء اللّه الذين أمر اللّه تعالى بطاعتهم، و عدم مشروعية أية ولاية اخرى، مهما كانت الأسباب. و هذه مسلّمة قرآنية لا يرقى إليها الشك، و لها علاقة مباشرة بقضية (التوحيد) في القرآن:

يقول تعالى:أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ فَاللّٰهُ هُوَ الْوَلِيُّ[2].

و يقول تعالى:أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبٰادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيٰاءَ[3].

[1]هود: 113.

[2]الشورى: 9.

[3]الكهف: 102.


صفحه 179

و يقول تعالى:وَ مٰا كٰانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مِنْ أَوْلِيٰاءَ[1].

و يقول تعالى:قُلْ أَ غَيْرَ اللّٰهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فٰاطِرِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ[2].

و يقول تعالى:اتَّبِعُوا مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لٰا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ[3].

و هذه كلّها آيات بيّنات محكمات من كتاب اللّه، صريحات في توحيد الولاية للّه تعالى، و إلغاء شرعية أيّ ولاء آخر غير ولاء اللّه تعالى و من يأمر اللّه تعالى بولايته.

و ليس من شك أنّ معايشة الأنظمة غير الإسلامية تتضمّن التسليم لولاية الحكّام الظلمة و قبولها و التحاكم إليهم.

و قد نهانا اللّه تعالى في كتابه عن طاعتهم، و التسليم و الانقياد لهم، و نهانا عن التحاكم إليهم، و أمرنا بأن نكفر بهم، و نرفضهم، و حرّم علينا الإقرار بولايتهم، و سلب شرعية الحكم و الولاية عنهم.

يقول تعالى:أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مٰا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلٰالًا بَعِيداً[4].

و هذه الآية الكريمة تقرّر بشكل قطعي حرمة التحاكم إلى الطاغوت‌

[1]هود: 20.

[2]الأنعام: 14.

[3]الأعراف: 3.

[4]النساء: 60.


صفحه 180

و وجوب الكفر به، و يستنكر القرآن التحاكم إلى الطاغوت في الوقت الذي امروا بأن يكفروا به.

و ليس من شك أنّ الحكّام الذين يحكمون بغير ما أنزل اللّه من أبرز و أوضح مصاديق الطاغوت.

و يقول تعالى:وَ لٰا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لٰا يُصْلِحُونَ[1].

و يقول تعالى:وَ لٰا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنٰا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنٰا وَ اتَّبَعَ هَوٰاهُ وَ كٰانَ أَمْرُهُ فُرُطاً[2].

و يقول تعالى:فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لٰا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً[3].

و يقول تعالى:وَ مَنْ يُشٰاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدىٰ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً[4].

و بناء على ذلك، فلا تصح معايشة ولاية الظالم الذي أمرنا اللّه تعالى برفضه، و حرّم علينا طاعته و التحاكم إليه. و هذه هي العقبة النظرية للبديل الثاني.

و مع سقوط هذين البديلين عن الاعتبار و عدم وجود بديل ثالث لا يبقى أمامنا غير خيار شرعي واحد، و هو الارتباط بمحور الولاية (الفقيه‌

[1]الشعراء: 151- 152.

[2]الكهف: 28.

[3]الإنسان: 24.

[4]النساء: 115.