كالشيخ أحمد النراقي استاذ الشيخ الأنصاري، و منهم الإمام الخميني;من المعاصرين.
و بموجب هذا الرأي يحقّ لكل فقيه أن يمارس الولاية في شئون المسلمين ما لم تتزاحم الولايات، فإذا تزاحمت الولايات نفّذ الحكم السابق من هذه الولايات بمقتضى القواعد الاصولية.
و الفقهاء المعاصرون بين مؤيد لها و معارض، يرى أنّ الأدلة التي يذكرها المؤيدون لولاية الفقيه لا تنهض بهذه النتيجة.
و هذه مسألة تختلف في الموضوع و الحكم عن مسألة الولاية و وجوب طاعة ولي الأمر. و لا أعتقد أنّ فقيها من الفقهاء يذهب إلى جواز مخالفة ولي الأمر و جواز الانفصال عنه في هذا الفرض.
فإنّ البديل لهذا الحكم هو تعطيل الحدود الإلهية و النظام و الأمن الاجتماعيين. أو إقرار ولاية الظالمين المفسدين للنظام و الأمن و المجتمع.
و إذا سقط كل من هذين البديلين من الاعتبار، فلا محالة ينحصر الأمر في الفرض الأوّل و هو مبايعة و طاعة ولي الأمر و الارتباط به. و لا أعتقد أنّ فقيها يخرج عن هذه البديهية الفقهية.
فإنّ إلغاء السيادة و الحاكميّة في المجتمع رأسا يؤدي إلى تعطيل الحياة كلها، فضلا عن تعطيل حدود اللّه و شريعته. و هو أمر لا يمكن أن يلتزم به أحد، و هذا هو أحد البديلين.
و البديل الآخر هو إقرار الأنظمة العلمانية و الحكام الظلمة و تشريعاتهم و أحكامهم و الالتزام بها.
و هذا البديل يواجه عقبتين أساسيتين، إحداهما عقبة واقعية، و الأخرى نظرية.
أمّا الواقعية، فهي أنّ هؤلاء الحكام يدخلون في ممارساتهم اليومية للحكم في مخالفات شرعية كثيرة و يرتكبون الكثير من المظالم و المنكرات.
و من يقرأ تاريخ هذه الحكومات و الأنظمة المعاصرة منها و المتقدمة لا يشك في هذه الحقيقة. و يكفي أن نلقي نظرة سريعة على الأنظمة القائمة في حياتنا السياسية اليوم؛ لئلا ندخل في جدل علمي غير مثمر في هذه البديهية.
و افتراض وجود نظام سياسي غير إسلامي يحقق العدل الذي يريده اللّه تعالى، و ينظم حركة عجلة حياة المجتمع من دون أن يدخل ممارسات محرّمة، و يرتكب المظالم و المنكرات افتراض غير واقعي لا يصح من الناحية العلمية أن نتوقف عنده.
و هذه الأنظمة و هؤلاء الحكّام موضوع حكمين شرعيين لا يختلف فيه الفقهاء.
الحكم الأول: و هو أيسرها، حرمة التعاون مع الظلمة و حرمة التحاكم إليهم- إلّا بالعنوان الثانوي- و حرمة دعمهم و تأييدهم و إسنادهم بكل أشكال الدعم و الإسناد.
و الحكم الثاني: و هو أشقهما و أصعبهما، وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بعرضهما العريض، الذي يبتدئ بالتغيير و فرض المعروف باليد (الثورة المسلحة لقلب النظام)، و يمتد عبر مرحلة العصيان المدني، و مرحلة المقاطعة السياسية و الإدارية و الاقتصادية، و مرحلة
الإجهار بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الشجب و الردع، و آخره الإنكار بالقلب، و هو أدنى درجات الإيمان.
و هذه هي العقبة العملية التي تجعل معايشة هذه الأنظمة أمرا ممتنعا و محرّما من الناحية الشرعية.
فإنّ معايشة هذه الأنظمة و قبول سيادتها من أبرز و أصرح مصاديق الركون إلى الظالمين الذي نهانا اللّه تعالى عنه بقوله تعالى:وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ[1].
أمّا العقبة الثانية فهي العقبة النظرية، و تتلخص هذه العقبة في مسألة (توحيد الولاية) و انحصار الولاية في حياة الإنسان في اللّه تعالى. و فيمن يأذن و يأمر به اللّه.
و سلب الولاية من غير اللّه تعالى و غير أولياء اللّه الذين أمر اللّه تعالى بطاعتهم، و عدم مشروعية أية ولاية اخرى، مهما كانت الأسباب. و هذه مسلّمة قرآنية لا يرقى إليها الشك، و لها علاقة مباشرة بقضية (التوحيد) في القرآن:
يقول تعالى:أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ فَاللّٰهُ هُوَ الْوَلِيُّ[2].
و يقول تعالى:أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبٰادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيٰاءَ[3].
[1]هود: 113.
[2]الشورى: 9.
[3]الكهف: 102.
و يقول تعالى:وَ مٰا كٰانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مِنْ أَوْلِيٰاءَ[1].
و يقول تعالى:قُلْ أَ غَيْرَ اللّٰهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فٰاطِرِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ[2].
و يقول تعالى:اتَّبِعُوا مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لٰا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيٰاءَ[3].
و هذه كلّها آيات بيّنات محكمات من كتاب اللّه، صريحات في توحيد الولاية للّه تعالى، و إلغاء شرعية أيّ ولاء آخر غير ولاء اللّه تعالى و من يأمر اللّه تعالى بولايته.
و ليس من شك أنّ معايشة الأنظمة غير الإسلامية تتضمّن التسليم لولاية الحكّام الظلمة و قبولها و التحاكم إليهم.
و قد نهانا اللّه تعالى في كتابه عن طاعتهم، و التسليم و الانقياد لهم، و نهانا عن التحاكم إليهم، و أمرنا بأن نكفر بهم، و نرفضهم، و حرّم علينا الإقرار بولايتهم، و سلب شرعية الحكم و الولاية عنهم.
يقول تعالى:أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مٰا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلٰالًا بَعِيداً[4].
و هذه الآية الكريمة تقرّر بشكل قطعي حرمة التحاكم إلى الطاغوت
[1]هود: 20.
[2]الأنعام: 14.
[3]الأعراف: 3.
[4]النساء: 60.
و وجوب الكفر به، و يستنكر القرآن التحاكم إلى الطاغوت في الوقت الذي امروا بأن يكفروا به.
و ليس من شك أنّ الحكّام الذين يحكمون بغير ما أنزل اللّه من أبرز و أوضح مصاديق الطاغوت.
و يقول تعالى:وَ لٰا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ* الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لٰا يُصْلِحُونَ[1].
و يقول تعالى:وَ لٰا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنٰا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنٰا وَ اتَّبَعَ هَوٰاهُ وَ كٰانَ أَمْرُهُ فُرُطاً[2].
و يقول تعالى:فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لٰا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً[3].
و يقول تعالى:وَ مَنْ يُشٰاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدىٰ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً[4].
و بناء على ذلك، فلا تصح معايشة ولاية الظالم الذي أمرنا اللّه تعالى برفضه، و حرّم علينا طاعته و التحاكم إليه. و هذه هي العقبة النظرية للبديل الثاني.
و مع سقوط هذين البديلين عن الاعتبار و عدم وجود بديل ثالث لا يبقى أمامنا غير خيار شرعي واحد، و هو الارتباط بمحور الولاية (الفقيه
[1]الشعراء: 151- 152.
[2]الكهف: 28.
[3]الإنسان: 24.
[4]النساء: 115.
المتصدي) و هو القدر المتيقن ممن نعلم بأنّ اللّه تعالى أذن لهم في ولاية المسلمين في عصر الغيبة، و الالتزام بطاعته و مبايعته، و السعي لتمكينه و بسط يده و سلطانه، إذا كان قائما و متصديا بالفعل. أو السعي لنصب الفقيه الكفوء العدل للولاية، إذا لم يكن ناهضا بأمر الولاية و الحكم بالفعل، و إزالة العقبات و تمكينه من الحكم و الولاية. و أعتقد أنّ طرح المسألة بهذه الصيغة يحقق لنا وحدة الرأي الفقهي في مسألة الولاية، بغض النظر عن اختلاف الفقهاء من الرأي في مسألة ولاية الفقيه.
و قد قلنا إن هذه المسألة لا ترتبط بتلك المسألة، و الخلاف المعروف في مسألة (ولاية الفقيه) ليس بمعنى الخلاف في مسألة الارتباط بالولاية، و من الممكن أن نستحصل على وحدة الرأي الفقهي في مسألة الارتباط بالولاية مع وجود هذا الخلاف في مسألة ولاية الفقيه أو حتى مع اختيار الرأي السلبي من مسألة ولاية الفقيه.
فإنّ الرأي السلبي في تلك المسألة لا يصحح الموقف السلبي من مسألة الارتباط بالولاية.
و قد انطلقت في تكوين هذا الرأي من مجموع من المسلّمات الفقهية؛ لذلك أعتقد أنّ بالإمكان أن نجعل من هذا الرأي أساسا لوحدة النظر بين الفقهاء المعاصرين في مسألة الارتباط بالولاية.
أدلّة ولاية الفقيه:
و إذا اتّضح ما تقدّم من أمر الحاكمية في هذا الدين و أصالتها، ننتقل إلى البحث عن ولاية الفقيه، فإنّ طبيعة المنهجة التي رسمناها لهذا الكتاب، تقتضينا أن نبحث- بعد التأكد من أصالة الحاكمية في هذا الدين- عن الأدلّة
التي تثبت ولاية الفقيه و حقّه في الحكم، و حرمة تولّي هذا الأمر من قبل أحد غير الفقهاء و العارفين بأحكام اللّه و حدوده.
فإنّ مسئولية الحاكم، هي العمل لتحقيق أحكام اللّه و حدوده في المجتمع، و إقامة حكم اللّه و تطبيق شريعته، و لهذا السبب كان ممّا يجب أن يتّصف به الحاكم، هو الفقاهة في دين اللّه و أحكامه و شرائعه.
و نعني بالفقاهة- ما قدّمنا له من تعريف سابقا- و هو فهم أحكام اللّه و حدوده من أدلّتها التفصيلية، باجتهاد و رأي من دون تقليد، فلا يتاح للحاكم أن يحكم بما أنزل اللّه، لو لم يكن فقيها فيما أنزل اللّه من حكم.
و لا يجوز أن يتولّى شئون المسلمين، لو لم يكن عالما بما أوجب اللّه في ذلك، من حدود و شريعة.
و لذلك كلّه، فإنّ من الطبيعي أن ينحصر الحق في الحكم و الولاية، في الفقيه دون غيره من فئات المجتمع، و أن يكون الفقيه، هو وحده الذي يتسلّم السلطة التنفيذية في المجتمع الإسلامي باستحقاق.
و لا بدّ أن نستنطق بعد ذلك الروايات و الأحاديث التي تؤكّد هذا المعنى، و تدلّ بصراحة على انحصار هذا الحق في الفقيه الذي يفهم الأحكام الإلهية، و الوظائف من الأدلّة الفقهية التفصيلية، عن رأي و اجتهاد، و هذه الأحاديث كثيرة، نستعرض منها نموذجين بإيجاز، و نحيل القارئ لاطّلاع تفصيلي أكثر، إلى الموسوعات الحديثية و الفقهية[1].
[1]و لدراسة تفصيلية في ذلك، نوصي القرّاء بمراجعة المحاضرات القيّمة التي ألقاها آية اللّه العظمى الإمام الخميني (قدّس سرّه)، في محاضرته عن ولاية الفقيه و الحكم الإسلامي
و النموذج الأول من هذه النماذج، هو الروايات الدالة على إرجاع الناس إلى الفقهاء في القضايا العامة، و فيما يحدث بين المسلمين من خلاف و في مجاري الامور و الحوادث الواقعة.
و النموذج الثاني، هو الروايات الدالة على أنّ الفقهاء يقومون مقام الأنبياء و الأئمة، و يرثون مكانتهم في الحياة الاجتماعية، و يخلفونهم في قيادة المجتمع و إدارته.
النموذج الأول من الرّوايات- روايات الولاية-
و هي الروايات الدالة على نصب الفقهاء حكاما على الناس في مسائل الحياة الاجتماعية، من قبل الأئمة:، و إرجاع الناس إليهم في الشئون الاجتماعية، و في قضايا الحكم و الإدارة، نقتصر على ذكر ثلاث روايات منها:
1- عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري، أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط
التي ألقاها في النجف الأشرف و طبعت فيها، و قد تناول (قدّس سرّه) في هذه المحاضرات الرّوايات الدّالة على ولاية الفقيه بالبحث و الدرس من حيث المتن و السند بصورة وافية و دقيقة.
و لمّا كانت هذه الروايات قد درست من قبل سماحته دراسة علمية مستوعبة، فلا نرى ضرورة في ذكر هذه الروايات جميعا بالتفصيل، و إنّما نقتصر على ذكر بعضها، و نحيل القارئ إلى هذه المحاضرات، فيما لو كان يطلب تفصيلا أكثر في هذا الموضوع.