بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 183

و النموذج الأول من هذه النماذج، هو الروايات الدالة على إرجاع الناس إلى الفقهاء في القضايا العامة، و فيما يحدث بين المسلمين من خلاف و في مجاري الامور و الحوادث الواقعة.

و النموذج الثاني، هو الروايات الدالة على أنّ الفقهاء يقومون مقام الأنبياء و الأئمة، و يرثون مكانتهم في الحياة الاجتماعية، و يخلفونهم في قيادة المجتمع و إدارته.

النموذج الأول من الرّوايات- روايات الولاية-

و هي الروايات الدالة على نصب الفقهاء حكاما على الناس في مسائل الحياة الاجتماعية، من قبل الأئمة:، و إرجاع الناس إليهم في الشئون الاجتماعية، و في قضايا الحكم و الإدارة، نقتصر على ذكر ثلاث روايات منها:

1- عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري، أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط‌

التي ألقاها في النجف الأشرف و طبعت فيها، و قد تناول (قدّس سرّه) في هذه المحاضرات الرّوايات الدّالة على ولاية الفقيه بالبحث و الدرس من حيث المتن و السند بصورة وافية و دقيقة.

و لمّا كانت هذه الروايات قد درست من قبل سماحته دراسة علمية مستوعبة، فلا نرى ضرورة في ذكر هذه الروايات جميعا بالتفصيل، و إنّما نقتصر على ذكر بعضها، و نحيل القارئ إلى هذه المحاضرات، فيما لو كان يطلب تفصيلا أكثر في هذا الموضوع.


صفحه 184

مولانا صاحب الزّمان7:

«أمّا ما سألت عنه أرشدك اللّه و ثبّتك ... إلى أن قال: و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه»[1].

و (الحوادث الواقعة) هي الأحداث التي تتطلّب مواقف سياسية موحّدة، و القضايا التي تتطلّب إجراءات جديدة، و التي يكون أمرها بيد الحاكم، و ذلك كالحروب و الطوارئ، و التحوّلات الاجتماعية التي تتطلّب إجراءات اجتماعية و قيادية.

و هذه الأحداث و القضايا بشكل عام، تتطلّب موقفا مركزيا واحدا و حاكما يفرض رأيه، و ينقاد له المجتمع، و يحقّق وحدة الموقف الذي هو أهم ما في هذا الأمر.

فهناك اذن «حوادث» تتطلّب مواقف جمعية يحدّدها الحاكم، بما له من السلطنة التنفيذية في المجتمع. و بإزاء هذه الحوادث، فهناك مسائل تتطلّب‌

[1]رواه الشيخ أبو جعفر الطوسي;في كتاب (الغيبة) عن جماعة، عن جعفر بن محمّد بن قولويه و أبي غالب الزراري و غيرهما، كلّهم عن محمّد بن يعقوب عن إسحاق بن يعقوب.

راجع وسائل الشيعة 18/ 101 الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 9.

و السند صحيح إلى محمّد بن يعقوب، فإنّ فقهاءنا;دأبوا على قبول الروايات التي يرويها (الشيخ) و (الكليني) عن جماعة من أصحابنا.

و لكن إسحاق بن يعقوب صاحب الكتاب الذي أوصله محمّد بن عثمان العمري إلى الإمام (عج)، و سلّمه توقيع الإمام (عج) ليس له ذكر في كتب الرجال، إلّا أنّ رواية محمّد بن يعقوب;عنه للتوقيع الشريف يوحي بوثاقة إسحاق بن يعقوب عند الكليني;.


صفحه 185

أحكاما يحدّدها الشارع، و ليس لأحد أن يتصرّف فيها في قليل أو كثير. و الحاكم الشرعي، لا يملك فيها إلّا بيان الحكم الشرعي حسبما ينتهي إليه نظره و اجتهاده.

و بين الأمرين بون بعيد، و السؤال في الحديث عن الحوادث الواقعة، التي تتطلّب أحكاما و مواقف و إجراءات من قبل السلطة الحاكمة، أو الحكام الشرعي حسبما تقتضيه المصلحة العامة، و ليس سؤالا عن المسائل الشرعية التي يكثر الابتلاء بها.

فإنّ كلمة (الحوادث الواقعة)، تكاد تكون صريحة في ذلك، بالإضافة إلى أنّ الرجوع إلى رواة الحديث، فيما يبتلي به الفرد من المسائل الشرعية في عصر الغيبة، كان من الامور الواضحة. و من المستبعد جدّا أن يكون السائل أراد ذلك بسؤاله.

2- عمر بن حنظلة، قال: سألت أبا عبد اللّه7عن رجلين من أصحابنا، بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة أ يحلّ ذلك؟ قال:

«من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل، فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له، فإنّما يأخذه سحتا، و إن كان حقا ثابتا له؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، و ما أمر اللّه أن يكفر به».

قال:يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ[1]. قلت: فكيف يصنعان؟

[1]النساء: 60.


صفحه 186

قال: «ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فليرضوا به حكما فإنّي جعلته عليكم حاكما»[1].

و من الواضح أنّ الرجوع إلى السلطان، أو الحاكم الجائر ليس لغرض معرفة الحق من الباطل، فإنّ السائل على علم بانحراف هؤلاء الحاكمين‌

[1]رواه في وسائل الشيعة 18/ 98- 99، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 1. و روى الشيخ الأنصاري جزءا منه في المكاسب: 2/ 154 في بحث ولاية الفقيه.

و السند كما يلي: محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة.

و روى السند تامّ من غير جهة عمر بن حنظلة.

و أمّا (عمر) فلم ترد في توثيقه شهادة من أصحاب الجرح و التعديل إلّا أنّ الشهيد;وثّقه في (الدراية: ص 44)، كما في نقد الرجال: ص 253 و روى في الكافي: 3/ 275 باب وقت الظهر و العصر عن عليّ بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس عن يزيد بن خليفة قال:

قلت لأبي عبد اللّه7: إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال أبو عبد اللّه7: «إذا لا يكذب علينا»، إلّا أنّ (يزيد بن خليفة) الوارد في سند الحديث لم يوثّق و معروف بالوقف.

و لكن ثبتت رواية صفوان بن يحيى عن عمر بن حنظلة، و صفوان بن يحيى أحد الذين أجمع أصحابنا، كما يقول الشيخ الجليل أبو عمرو الكشيّ;في كتاب الرجال على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء و تصديقهم. رجال الكشّي: ص 423.

و قال شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي: ميّزت الطائفة بين ما يرويه محمّد بن أبي عمير و صفوان بن يحيى و أحمد بن محمّد بن أبي نصر (البزنطي) و غيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنّهم لا يروون و لا يرسلون إلّا عمّن يوثق به، و بين ما اسند إلى غيرهم، و لذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم.

و ذكر ذلك من المتأخرين محمّد بن الحسن الحرّ العاملي;في خاتمة الوسائل: الفائدة الثامنة: 20/ 90 و الوحيد البهبهاني;في التعليقة على منهج المقال: ص 10.


صفحه 187

جميعا، و إنّما يكون لغرض انقاذ الحق و تنفيذه عن طريق الحاكم، و بالسلطة التي يملكها الحاكم، و إرغام المعتدي للإذعان للحق.

و يحظر الإمام7عليه و على عامّة المؤمنين أن يرجعوا إلى هؤلاء، و يعتبر المال الذي يأخذه بموجب حكم الحاكم سحتا، و إن كان من حقّه المشروع. ثمّ يأمر الإمام7أن يرجع المسلمون فيما يثار بينهم من خلاف، إلى الفقهاء الذين نظروا في حلال هذا الدين و حرامه، و عرفوا أحكامه لينفّذوا فيهم أحكام اللّه و حدوده.

و يمنح الفقيه هذا الحق الذي يستطيع بموجبه أن ينفّذ حكمه في المعتدي. و يأخذ منه الحق. و يوجب على الامّة الانقياد له «فإنّي جعلته عليكم حاكما».

فتحكيم الفقهاء و الرجوع إليهم- إذن- يأتي في الحديث قبال مقاطعة الحكّام الجائرين و المنحرفين.

فإنّ المقصود بالسؤال، ليس الجانب التشريعي من قضاء القضاة الجائرين و أحكامهم، فإنّ السائل لا يمكن أن يخطر على باله، أن يكون قضاء هؤلاء القضاة مقياسا للحق. و إنّما المقصود بالسؤال هو الرجوع إلى هؤلاء القضاة، من أجل انقاذ حقّ مشروع، فيما لو كان هؤلاء القضاة يحكمون وفق المقاييس الشرعية.

و إذا كان يجب مقاطعة هؤلاء الحكّام حتى في تنفيذ إنقاذ حقّ مشروع، و كان يجب الرجوع إلى الفقهاء في ذلك كلّه، فإنّ الفقهاء يحلّون من المجتمع محلّ هؤلاء القضاة و الحكّام، بالصلاحيات المخوّلة إليهم، و يكون الإرجاع إلى الفقهاء في نفس الشئون و الامور التي كان يتولّاها الحكّام الجائرون،


صفحه 188

و يكون الفقيه حاكما بنفس المعنى، و يكون حكمه نافذا، يجب الانقياد له و امتثاله على المؤمنين، كما كان الحكّام من أصحاب السلطة الزمنية يتمتّعون بهذا الحقّ في نظر الناس، و يجوز له تنفيذ حكمه بالقوّة، كما كان الحكّام يرون لأنفسهم ذلك.

و بذلك تكون الرواية صريحة في اعتبار الفقيه حاكما يتمتّع من قبل الشارع بسلطة تنفيذية، يجوز له بموجبها تنفيذ ما يصدره من حكم، و يجب على الامّة أن تنقاد له و تطيع.

و ممّا يدلّ على ولاية الفقيه في ممارسة القضايا التي تتعلّق بشئون الحكم من الامور الحسبية و ولاية المظالم و تنفيذ العقوبات و المحافظة على أموال القصّر و السفهاء و غير ذلك: أنّ القضاة المنصوبين من قبل الخلفاء في العصر الأموي و العبّاسي، كانوا يمارسون مثل هذه الأعمال، و كانت تخوّلهم السلطة الحاكمة المركزية في ذلك الوقت ممارسة هذه المهام. فكان القاضي قيّما على أموال الأيتام و القصّر، و كان يأمر بتنفيذ العقوبات و مطاردة المجرمين و يتولّى الامور الحسبية.

و طبيعة المقابلة بين قضاة البلاط، و القضاة المنصوبين من قبل أهل البيت:من الفقهاء، و المنع عن مراجعة اولئك و إرجاع الناس إلى هؤلاء ... تقضي أنّ على القضاة المنصوبين من قبلهم:- قضاء عامّا أو خاصّا- نفس المسئوليات التي كانت تناط بقضاة البلاط. و ذلك حتى يتأتّى لهؤلاء القضاة أن يسدّوا الحاجات التي كان يسدّها أولئك القضاة.

و يؤيد ذلك الرواية التالية المرويّة عن الإمام الباقر7:

روى الكليني في الكافي عن محمد بن إسماعيل بن بزيغ، قال: مات‌


صفحه 189

رجل من أصحابنا، و لم يوص، فرفع أمره إلى قاضي الكوفة، فصيّر عبد الحميد القيّم بماله. و كان الرجل خلّف ورثة صغارا، و متاعا و جواري. فباع عبد الحميد المتاع. فلمّا أراد بيع الجواري ضعف قلبه على بعضهنّ. إذ لم يكن الميّت صيّر إليه وصيّته، و كان قيامه فيها بأمر القاضي، لأنّهنّ فروج.

قال فذكرت ذلك لأبي جعفر7، و قلت له: يموت الرجل من أصحابنا، و لا يوصي إلى أحد، و يخلف جواري، فيقيم القاضي رجلا منّا ليبيعهنّ- أو قال- يقوم بذلك رجل منّا، فيضعف قلبه لأنّهنّ فروج، فما ترى في ذلك؟

قال: فقال: «إذا كان القيّم به مثلك أو مثل عبد الحميد، فلا بأس»[1].

3- حسن بن علي بن شعبة، عن أبي عبد اللّه الحسين7، عن أمير المؤمنين7: «مجاري الامور و الأحكام على أيدي العلماء، باللّه الامناء على حرامه و حلاله»[2].

و الرواية طويلة اقتصرنا فيها على موضع الشاهد، و من التأمل في مجموع الرواية يتّضح أنّ المقصود بالعلماء هنا الفقهاء، و ليس الأئمّة:، كما يحتمل ذلك بعض الفقهاء[3].

[1]وسائل الشيعة: 12/ 270 كتاب التجارة، باب 16 من أبواب عقد البيع، ح 2.

[2]تحف العقول: ص 169، باب ما روي عن الحسين بن علي7.

[3]و التعبير عن الفقهاء (بالعلماء باللّه) دون (العلماء بأحكام اللّه) لغرض يعرف من صدر الحديث، حيث يتناول الحديث الإنكار على الأحبار الذين أقرّوا الناس على ما كانوا يرتكبون من منكرات رغم علمهم بأحكام اللّه، و هذا السياق يقتضي التعبير عن العلماء الذين تناط بهم مجاري الامور و الأحكام علماء باللّه و امناء على حلاله و حرامه.


صفحه 190

و المقصود من مجاري الامور و الأحكام، هو السلطة التنفيذية و منصب الإفتاء التي سبق أن أشرنا إليهما في صلاحيات الحاكم و سلطاته. فإنّ المقصود بالامور هو الشئون الاجتماعية التي يتولّى إدارتها الحاكم، و يرجع الناس إليه فيها، و يتغيّر الحكم فيها حسب اختلاف الظروف و المصالح الاجتماعية، و هي بالطّبع تختلف عن الأحكام الشرعية الثابتة التي يتولّى فيها الفقيه أمر استخراجها من الأدلّة الشرعية و الإفتاء بها إلى الناس. و بذلك فالرواية تدلّ على إناطة الحكومة و الإفتاء بالفقهاء، و تنصيبهم حكاما على المسلمين في الشئون الاجتماعية، التي لا بدّ أن يتولّاها جهاز اجتماعي حاكم في المجتمع.

يقول العلّامة حسين بن نصر اللّه الموسوي: دلّت الرواية على أنّ العلماء لهم الرئاسة المطلقة، و السلطة الثابتة في امور الرعية و إجراء الأحكام الشرعية، حيث نصّ على أنّ مجاري الامور بيدهم. و من المعلوم أنّ الامور جمع محلّى باللام، و هو مفيد للعموم، فلا اختصاص في رئاستهم بأمر دون أمر، بل لهم الرئاسة في جميع امور الرعية[1].

نظرة في أحاديث الولاية:

هناك أحاديث و روايات كثيرة بهذا المضمون الأحاديث بهذا المضمون كثيرة، و لسنا بصدد استقصائها و عرضها. و هي و إن كان بعضها لا يخلو من مناقشة في سندها، إلّا أنّ تكرّر هذا المضمون في أحاديث كثيرة تطمئن الباحث إلى صحّة صدور هذا المضمون. و أمّا من حيث المضمون و الدلالة، فإنّ هذه الأحاديث و الروايات جميعا، تتّفق في تنزيل الفقهاء منزلة الأنبياء‌

[1]المسائل النجفية: ص 331.