و المقصود من مجاري الامور و الأحكام، هو السلطة التنفيذية و منصب الإفتاء التي سبق أن أشرنا إليهما في صلاحيات الحاكم و سلطاته. فإنّ المقصود بالامور هو الشئون الاجتماعية التي يتولّى إدارتها الحاكم، و يرجع الناس إليه فيها، و يتغيّر الحكم فيها حسب اختلاف الظروف و المصالح الاجتماعية، و هي بالطّبع تختلف عن الأحكام الشرعية الثابتة التي يتولّى فيها الفقيه أمر استخراجها من الأدلّة الشرعية و الإفتاء بها إلى الناس. و بذلك فالرواية تدلّ على إناطة الحكومة و الإفتاء بالفقهاء، و تنصيبهم حكاما على المسلمين في الشئون الاجتماعية، التي لا بدّ أن يتولّاها جهاز اجتماعي حاكم في المجتمع.
يقول العلّامة حسين بن نصر اللّه الموسوي: دلّت الرواية على أنّ العلماء لهم الرئاسة المطلقة، و السلطة الثابتة في امور الرعية و إجراء الأحكام الشرعية، حيث نصّ على أنّ مجاري الامور بيدهم. و من المعلوم أنّ الامور جمع محلّى باللام، و هو مفيد للعموم، فلا اختصاص في رئاستهم بأمر دون أمر، بل لهم الرئاسة في جميع امور الرعية[1].
نظرة في أحاديث الولاية:
هناك أحاديث و روايات كثيرة بهذا المضمون الأحاديث بهذا المضمون كثيرة، و لسنا بصدد استقصائها و عرضها. و هي و إن كان بعضها لا يخلو من مناقشة في سندها، إلّا أنّ تكرّر هذا المضمون في أحاديث كثيرة تطمئن الباحث إلى صحّة صدور هذا المضمون. و أمّا من حيث المضمون و الدلالة، فإنّ هذه الأحاديث و الروايات جميعا، تتّفق في تنزيل الفقهاء منزلة الأنبياء
[1]المسائل النجفية: ص 331.
و الأئمة في مسئولياتهم و واجباتهم، و تعتبرهم (خلفاء) و (ورثة) و (امناء) للأنبياء.
و ممّا لا شكّ فيه أنّ مسئولية الأنبياء و بخاصة اولى العزم منهم، لم تكن تبليغ أحكام اللّه و دعوة الناس إلى دين اللّه فحسب، و إنّما كان من مسئوليتهم أيضا تولّي السلطة في حياة المجتمع، و قيادة المجتمع، و تنظيم حياته و علاقاته، كما كان يجب على الناس الانقياد لهم و الرجوع إليهم فيما يتصل بشئون السلطة و الحكم و الإدارة. و قد بحثنا عن هذا الجانب في حياة النبي6بشكل واسع في مقدّمة هذا البحث، و رأينا أنّ الجانب القيادي، كان يعتبر جانبا كبيرا من اهتمامات النبي6و مسئولياته.
و إذا كان الأمر كذلك، فإنّ هذه المجموعة من الروايات تنزل الفقهاء منزلة الأنبياء. فتعتبرهم (امناء) للأنبياء و (ورثة) لهم و (خلفاءهم) و (بمنزلتهم). و هذه الصّفات جميعا، و هذه العناية بشأن الفقهاء، بهذا الشكل من التأكيد و التكرار، لا يمكن أن يقصد به الفضل أو المنزلة في الحياة الاخرى، أو أيّ شيء من هذا القبيل.
و اقتران (الفقاهة) ب (النبوّة) في الروايات برابطة الخلافة تارة، و بعلاقة الوراثة اخرى، و الأمانة ثالثة، و المنزلة رابعة، ذو مدلول أعمق و أشمل من ذلك كلّه، و يتناول كل السلطات و الصلاحيات التي أناطها اللّه تعالى بالأنبياء و الأئمة:عدا الامور التي تخصّهم.
و من أظهر هذه السلطات و الصلاحيات و أهمّها، هي صلاحية الحكم في المجتمع و تولّي السلطة فيه.
و يتّضح الأمر كثيرا لو عرضنا هذه التعابير جميعا على العرف العام
من الناس، و ألغينا الاحتمالات و التشكيكات التي لا يأخذها العرف بنظر الاعتبار.
و ذلك فيما لو صرّح حاكم قبل وفاته، بأنّ فلانا بمنزلتي و وارثي و أميني و خليفتي، فهل يمكن أن يرتاب أحد من الناس في أنّ الحاكم يريد إناطة السلطة و الحكومة به بعد وفاته؟
و إذا كان الأمر بهذا الحدّ من الوضوح في الفهم العرفي العام، فلما ذا لا يجوز التمسّك بهذه الروايات جميعا، و بغيرها ممّا يتّفق معها في المضمون في إثبات ولاية الفقيه، و حقّه في تولّي السلطة الاجتماعية في المجتمع.
و هناك مجموعات اخرى من الروايات تشبه هاتين المجموعتين من الروايات في هذا المضمون، و تدلّ على ولاية الفقيه و حقّه في التنفيذ، و وجوب الانقياد له من قبل الامّة.
و بإمكان القارئ أن يرجع إلى هذه الروايات في الجوامع الحديثية بشكل مفصّل.
نظرة اخرى في أحاديث الولاية:
من مراجعة الروايات المتقدّمة، يتبيّن أنّ الفقيه يتولّى من حياة المجتمع (مجاري الامور) و (الحوادث الواقعة). و هذه الامور و الحوادث، هي التي يلي أمرها الفقيه من حياة المجتمع، و ينفّذ فيها على المسلمين حكمه و رأيه. و لا بدّ من إلقاء بعض الضوء على ذلك؛ ليتّضح ما هو المقصود من هذه الامور و الحوادث.
و أوّل ما يلفت النظر في ذلك، أنّ المقصود من الامور التي يتولاها
الفقيه شيء غير الأحكام الشرعية.
فإنّ رجوع الناس إلى الرواة و الفقهاء في الأحكام الشرعية، ليس من الامور الخافية التي يسأل عنها إسحاق بن يعقوب، و إنما المقصود ب (الحوادث الواقعة) و (مجاري الامور) التي يرجع الناس فيها إلى العلماء، هي الشئون الاجتماعية و الإدارية التي ترك الإسلام أمرها للفقيه الحاكم، يتولّى أمرها حسبما تقتضيه المصلحة الاجتماعية.
و بذلك، فإنّ (مجاري الامور) و (الحوادث الواقعة)، تقع في النقطة المقابلة من الأحكام الشرعية، التي تحدّد جزءا كبيرا من تصرّفات المسلمين- قاعدة و رعايا- في حدود شرعية دقيقة.
ففي الحياة الاجتماعية نوعان من المسائل:
نوع من هذه المسائل ورد فيها أحكام شرعية ثابتة، و لا يمكن أن تتبدّل بحال، و ليس للفقيه حقّ في إجراء أي تغيير عليها: كحرمة الربا، و الاحتكار، و وجوب إخراج الزكاة، و الخمس من المال، و وقوع الطلاق عن رغبة الرجل دون المرأة، و غير ذلك من الأحكام الشرعية الثابتة التي تتناول جانبا كبيرا من حياة الفرد و حياة المجتمع.
و نوع آخر من المسائل الاجتماعية لم يحدّد الشارع لها حكما شرعيّا ثابتا، نظرا لارتباطها الوثيق بالظروف الاجتماعية المتبدّلة، و عدم وجود وضع ثابت لها، ممّا يتطلّب أحكاما و مواقف مختلفة باختلاف الظروف و الحالات التي تطرأ على المجتمع؛ كالضرائب المالية التي تفرضها الدولة على رءوس الأموال- عد الزّكاة و الخمس- في الحالات الضرورية، كما لو تعرّضت الامّة لكارثة طبيعية، أو تعرّضت لهجوم من جانب الأعداء، و يتطلّب
الأمر فرض ضرائب مالية عدا ضريبة الخمس و الزّكاة على المتمكّنين من ذوي الدخول الكبيرة من جانب الحاكم الإسلامي لمواجهة الحالة الطارئة. و كإلزام الناس بنظام خاص تتطلّبه المصلحة الاجتماعية في العمل و التجارة و الدراسة و السير و السكنى.
فقد تقتضي المصلحة الاجتماعية أن تتوقف ممارسة الأفراد لمهنة من المهن الحرّة؛ كالطبابة و الصيدلة مثلا، على موافقة الجهات المعنية في الدولة، و قد تقتضي المصلحة الاجتماعية المنع من استيراد بضاعة من البضائع، لغرض عدم الإنتاج الداخلي، أو لغير ذلك من الأسباب، و قد تقتضي إرغام الناس على التلقيح ضدّ بعض الأمراض المعدية، خوفا من انتشار المرض. و غير ذلك من الحوادث و الامور التي لا يمكن تحديدها في إطار ثابت من الأحكام الشرعية، نظرا لاختلاف الظروف و المصلحة.
فإنّ مثل هذه الحوادث و الامور، تتطلّب مرونة و تبدّلا في الحكم حسب اختلاف الظروف و المصالح الوقتية، ممّا يجعل ربطها بأحكام شرعية ثابتة أمرا غير ممكن. و هذه الامور هي المقصودة ب (مجاري الامور) و (الحوادث الواقعة) التي ورد ذكرها في الروايتين الاولى و الثالثة، و قد أناط الإسلام أمر هذه الحوادث بالولاة من الفقهاء، و منحهم حقا في الحكم في أمثال هذه القضايا، بما تتطلّبه مصلحة الوقت و الظرف، و أمر المسلمين بالرجوع إليهم و الانقياد لهم، فيما يتعلّق بهذه القضايا التي تتولّى السلطة تنظيمها و تنسيقها عادة في الدول، و اعتبر حكمهم نافذا على المسلمين، لا يجوز مخالفته في شيء.
و من الواضح أن الأحكام التي يصدرها الحاكم في مثل هذه القضايا،
لا تنتظمها- في مفرداتها- نصوص شرعية خاصة ثابتة، لعدم إمكان وضع حدود ثابتة لمفردات هذه القضايا. و إنّما يلحظ الحاكم في الحكم مصلحة الوقت و الظرف فقط، و لكن هذه الأحكام مع ذلك تندرج في أحكام كلّية شرعية يستند عليها الفقيه في التطبيق، و يتولّى أمر تطبيقها.
فإنّ الأمر بإعداد القوّة لمواجهة العدو و إرهابه، حكم كلّي شرعي، يستند عليه الفقيه في إعداد تنظيم عسكري خاص تتطلّبه مصلحة الوقت و الظرف، و يتولّى تنفيذه و تطبيقه بين المسلمين بما منحه الإسلام من حقّ و سلطة في مجال التنفيذ. و نلاحظ بعد ذلك في كلمة (الحوادث الواقعة) و (مجاري الامور)، أنّ المقصود منهما لا يمكن أن يكون الحوادث و الامور التي تتّصل بحياة الأفراد، دون أن ترتبط بمصلحة اجتماعية، و إنّما تخصّ هذه الكلمة الحوادث و الامور التي تتّصل بحياة المجتمع و بشئون القيادة و الحكم، و ما يرتبط بالمصلحة الاجتماعية بشكل من الأشكال. فلا تعني هذه الروايات إذن؛ مراجعة الفقهاء في القضايا الشخصية التي لا تتّصل بالحياة الاجتماعية، و بشئون القيادة و الحكم و بالمصلحة الاجتماعية، كما لو أراد أحد الزواج من امرأة، أو الإنفاق على فقير، أو السعي في إيجاد عمل لإنسان عاطل، أو شراء أو بيع. فإنّ أمثال هذه القضايا لا تخصّ السلطة الحاكمة، و لا تتعلّق بشئون القيادة و الزعامة، و ليست من الامور و الحوادث الاجتماعية التي تتولّاها السلطة عن الناس عادة. فيجوز للمسلمين ممارسة أمثال هذه الامور التي لا ترتبط بشئون الحكم و الإدارة و القيادة اتصالا وثيقا، بصفة شخصية، دون حاجة إلى مراجعة جهاز الحكومة الإسلامية في ذلك. و يناط غير ذلك من شئون الحياة الاجتماعية و الإدارية، و قضايا الحكم و السياسة و الحرب بالحكم و جهاز الحكومة.
النموذج الثاني من الروايات أحاديث التنزيل
و هي أحاديث و روايات كثيرة تدلّ على أن الفقهاء يرثون الأنبياء، و يخلفونهم في القيادة على المجتمع، و أنّهم يقومون بين المسلمين مقام الأنبياء من بني إسرائيل، و ينزلون من الامّة منزلة الأئمة في وجوب الانقياد لهم، و في نفوذ حكمهم و وجوب الرجوع إليهم، و هي كثيرة نقتصر على ذكر بعضها:
1- عن أبي عبد اللّه الصادق7قال: قال رسول اللّه6: «الفقهاء امناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا»[1].
2- عن أبي البختري عن أبي عبد اللّه7قال: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء»[2].
3- عن الإمام الرضا7، قال: «منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل»[3].
4- عن رسول اللّه6، قال: «علماء امّتي كسائر الأنبياء قبلي»[4].
[1]الكافي- كتاب فضل العلم: باب 13، الحديث 5.
[2]قال السيد حسين الموسوي في الدرّة النجفية: ص 331:
معنى الوراثة هي الخلافة، و القيام في مقام المورث، و من المعلوم أنّ مقام الأنبياء هو الرئاسة و حفظ الامّة، و صلاح الرعيّة و تبليغ الشريعة و حفظها، فكذا العلماء بنصّ الرّواية، لأنّ ذلك مقتضى الوراثة.
[3]العوائد: ص 186.
[4]المصدر السابق.
5- عن أمير المؤمنين7عن رسول اللّه6أنّه قال: «اللّهمّ ارحم خلفائي، قيل: و من خلفاؤك يا رسول اللّه؟ قال: الذين يأتون من بعدي و يروون حديثي و سنّتي».
و هناك أحاديث اخرى بهذا المضمون، بإمكان القارئ الرجوع إليها في الموسوعات الحديثية و الفقهية.
أقسام الولاية
يختلف الفقهاء في أمر ولاية الفقيه إلى طائفتين اثنتين:
طائفة ترى عمومية و شمول ولاية الفقيه، و أنّ الفقيه في عصر الغيبة يتولّى ما يتولّاه الإمام في عصر الحضور من امور المسلمين، و يكون أولى بالمسلمين من أنفسهم، في كل مجال يتولّاه الإمام، و يكون أولى فيه بالمسلمين من أنفسهم.
و هذه هي (الولاية العامة) التي يذهب إليها جمع من الفقهاء، كالمحقّق الكركي، و المحقّق النراقي في العوائد، و من المعاصرين الإمام الخميني (قدّس سرّه).
و طائفة اخرى من الفقهاء، يذهبون إلى أنّ الفقيه يتولّى فقط الامور التي نقطع بأنّ الإسلام يطلبها على كل حال من امور و شئون المجتمع، ممّا يختل نظام حياة الناس من دونه، و لا بدّ منه على كل حال في تنظيم حياة الناس و شئونهم و نقطع بمشروعيّة وجوده في الخارج، و حتى لو لم يكن حاكم يتولّى امور المسلمين وجب على المسلمين القيام به كفاية، كالشئون الأمنية و البلدية و الاقتصادية و الصحية و الدفاعية و التعليمية و التموينية و ما إلى ذلك دون ما يشكّ في مشروعيّته، لو لم تتمّ دلالة نصوص الولاية و الحكومة كزواج الصغيرة لغير الأب و الجدّ.