بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 195

لا تنتظمها- في مفرداتها- نصوص شرعية خاصة ثابتة، لعدم إمكان وضع حدود ثابتة لمفردات هذه القضايا. و إنّما يلحظ الحاكم في الحكم مصلحة الوقت و الظرف فقط، و لكن هذه الأحكام مع ذلك تندرج في أحكام كلّية شرعية يستند عليها الفقيه في التطبيق، و يتولّى أمر تطبيقها.

فإنّ الأمر بإعداد القوّة لمواجهة العدو و إرهابه، حكم كلّي شرعي، يستند عليه الفقيه في إعداد تنظيم عسكري خاص تتطلّبه مصلحة الوقت و الظرف، و يتولّى تنفيذه و تطبيقه بين المسلمين بما منحه الإسلام من حقّ و سلطة في مجال التنفيذ. و نلاحظ بعد ذلك في كلمة (الحوادث الواقعة) و (مجاري الامور)، أنّ المقصود منهما لا يمكن أن يكون الحوادث و الامور التي تتّصل بحياة الأفراد، دون أن ترتبط بمصلحة اجتماعية، و إنّما تخصّ هذه الكلمة الحوادث و الامور التي تتّصل بحياة المجتمع و بشئون القيادة و الحكم، و ما يرتبط بالمصلحة الاجتماعية بشكل من الأشكال. فلا تعني هذه الروايات إذن؛ مراجعة الفقهاء في القضايا الشخصية التي لا تتّصل بالحياة الاجتماعية، و بشئون القيادة و الحكم و بالمصلحة الاجتماعية، كما لو أراد أحد الزواج من امرأة، أو الإنفاق على فقير، أو السعي في إيجاد عمل لإنسان عاطل، أو شراء أو بيع. فإنّ أمثال هذه القضايا لا تخصّ السلطة الحاكمة، و لا تتعلّق بشئون القيادة و الزعامة، و ليست من الامور و الحوادث الاجتماعية التي تتولّاها السلطة عن الناس عادة. فيجوز للمسلمين ممارسة أمثال هذه الامور التي لا ترتبط بشئون الحكم و الإدارة و القيادة اتصالا وثيقا، بصفة شخصية، دون حاجة إلى مراجعة جهاز الحكومة الإسلامية في ذلك. و يناط غير ذلك من شئون الحياة الاجتماعية و الإدارية، و قضايا الحكم و السياسة و الحرب بالحكم و جهاز الحكومة.


صفحه 196

النموذج الثاني من الروايات أحاديث التنزيل

و هي أحاديث و روايات كثيرة تدلّ على أن الفقهاء يرثون الأنبياء، و يخلفونهم في القيادة على المجتمع، و أنّهم يقومون بين المسلمين مقام الأنبياء من بني إسرائيل، و ينزلون من الامّة منزلة الأئمة في وجوب الانقياد لهم، و في نفوذ حكمهم و وجوب الرجوع إليهم، و هي كثيرة نقتصر على ذكر بعضها:

1- عن أبي عبد اللّه الصادق7قال: قال رسول اللّه6: «الفقهاء امناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا»[1].

2- عن أبي البختري عن أبي عبد اللّه7قال: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء»[2].

3- عن الإمام الرضا7، قال: «منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل»[3].

4- عن رسول اللّه6، قال: «علماء امّتي كسائر الأنبياء قبلي»[4].

[1]الكافي- كتاب فضل العلم: باب 13، الحديث 5.

[2]قال السيد حسين الموسوي في الدرّة النجفية: ص 331:

معنى الوراثة هي الخلافة، و القيام في مقام المورث، و من المعلوم أنّ مقام الأنبياء هو الرئاسة و حفظ الامّة، و صلاح الرعيّة و تبليغ الشريعة و حفظها، فكذا العلماء بنصّ الرّواية، لأنّ ذلك مقتضى الوراثة.

[3]العوائد: ص 186.

[4]المصدر السابق.


صفحه 197

5- عن أمير المؤمنين7عن رسول اللّه6أنّه قال: «اللّهمّ ارحم خلفائي، قيل: و من خلفاؤك يا رسول اللّه؟ قال: الذين يأتون من بعدي و يروون حديثي و سنّتي».

و هناك أحاديث اخرى بهذا المضمون، بإمكان القارئ الرجوع إليها في الموسوعات الحديثية و الفقهية.

أقسام الولاية

يختلف الفقهاء في أمر ولاية الفقيه إلى طائفتين اثنتين:

طائفة ترى عمومية و شمول ولاية الفقيه، و أنّ الفقيه في عصر الغيبة يتولّى ما يتولّاه الإمام في عصر الحضور من امور المسلمين، و يكون أولى بالمسلمين من أنفسهم، في كل مجال يتولّاه الإمام، و يكون أولى فيه بالمسلمين من أنفسهم.

و هذه هي (الولاية العامة) التي يذهب إليها جمع من الفقهاء، كالمحقّق الكركي، و المحقّق النراقي في العوائد، و من المعاصرين الإمام الخميني (قدّس سرّه).

و طائفة اخرى من الفقهاء، يذهبون إلى أنّ الفقيه يتولّى فقط الامور التي نقطع بأنّ الإسلام يطلبها على كل حال من امور و شئون المجتمع، ممّا يختل نظام حياة الناس من دونه، و لا بدّ منه على كل حال في تنظيم حياة الناس و شئونهم و نقطع بمشروعيّة وجوده في الخارج، و حتى لو لم يكن حاكم يتولّى امور المسلمين وجب على المسلمين القيام به كفاية، كالشئون الأمنية و البلدية و الاقتصادية و الصحية و الدفاعية و التعليمية و التموينية و ما إلى ذلك دون ما يشكّ في مشروعيّته، لو لم تتمّ دلالة نصوص الولاية و الحكومة كزواج الصغيرة لغير الأب و الجدّ.


صفحه 198

و هذه و أمثالها هي الامور التي لا بدّ منها في حياة الناس، و يطلبها الإسلام على كل حال على نحو الكفاية أو العين، و هي تتوقّف- في مجال التنفيذ عادة- على وجود جهاز للحكم و رئيس لهذا الجهاز، يتولّى امور الحكم و النظام، و لا يمكن بحسب العادة و الطبيعة أن تحقق من دون وجود جهاز متكامل للحكم.

و الفقيه هو القدر المتيقّن ممّن يصح أن يتولّى أمر هذا الجهاز، و ينهض بولاية الأمر، بمعنى أنّه لا بدّ من أحد يتولّى أمر الحكم، و هو مردد بين أن يكون واحدا من عدول المؤمنين و منهم الفقهاء، أو يكون الفقهاء وحدهم هم المؤهلين للنهوض بهذا الأمر، و عليه فإنّ الفقيه هو القدر المتيقّن ممّن يصح منه أن يتولّى امور الحكم و الدولة.

و هذه الامور و الشئون يصطلح عليها الفقهاء بالامور (الحسبية)[1]، التي تختلّ الحياة الاجتماعية من دونها، و يطلبها الإسلام على كل حال، حتى لو لم يكن هناك فقيه، يجب على سائر المؤمنين القيام بها بقدر الإمكان، حتى من غير وجود نظام للحكم.

كلمات الفقهاء في الامور الحسبية:

1- يقول الشيخ الأنصاري;بعد مناقشة الرأي الأول في ولاية الفقيه،

[1]للامور الحسبية معنيان: فقد يقصد بالامور الحسبية شئون الرقابة الاجتماعية، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. و هذا هو المقصود من (ولاية الحسبية) في التاريخ الإسلامي، و قد يقصد به كلّ ما يطلبه الشارع على نحو الكفاية ممّا تقوّم به حياة المجتمع، و يختل من دونه المجتمع، و يدخل في قوله تعالى:وَ تَعٰاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوىٰ. و نحن نقصد بالامور الحسبية المعنى الثاني هنا.


صفحه 199

و هو عموم الولاية:

و على أي تقدير فقد ظهر ممّا ذكرناه، أنّ ما دلّت عليه هذه الأدلّة هو ثبوت الولاية للفقيه في الامور التي يكون مشروعية إيجادها في الخارج مفروغا عنها، بحيث لو فرض عدم الفقيه كان على الناس القيام بها كفاية، و أمّا ما يشكّ في مشروعيته، كالحدود لغير الإمام، و تزويج الصغيرة لغير الأب و الجدّ، و ولاية المعاملة على مال الغائب بالعقد عليه، و فسخ العقد الخياري عنه، و غير ذلك، فلا يثبت من تلك الأدلّة مشروعيتها للفقيه[1].

2- و يقول المحقق النراقي في (العوائد):

إنّ كل فعل متعلّق بامور العباد في دينهم أو دنياهم، و لا بدّ من الإتيان به، و لا مفرّ منه، أمّا عقلا أو عادة، من جهة توقف امور المعاد و المعاش لواحد أو جماعة عليه، و إناطة انتظام امور الدين و الدنيا به، أو شرعا، من جهة ورود أمر به، أو إجماع أو نفي ضرر، أو أضرار، أو عسر، أو حرج، أو فساد على مسلم، أو دليل آخر، أو ورود الإذن فيه من الشارع، و لم يجعل وظيفة لمعيّن واحد، أو جماعة، و لا لغير معيّن، أي واحد لا يعنيه، بل علم لا بدّ من الإتيان به أو الإذن فيه، و لم يعلم المأمور به و لا المأذون فيه، فهو وظيفة الفقيه، و له التصرّف فيه و الإتيان به[2].

3- و يقول آية اللّه البروجردي كما في تقريرات تلميذه آية اللّه المنتظري: و بالجملة كون الفقيه العادل منصوبا من قبل الأئمة:، لمثل تلك الامور‌

[1]المكاسب للشيخ الأعظم الأنصاري: ص 154.

[2]العوائد للشيخ أحمد النراقي: ص 188.


صفحه 200

العامة المهمة التي يبتلى بها العامة ممّا لا إشكال فيه إجمالا بعد ما بيّناه[1].

4- و يقول المحقق النائيني بهذا الصدد، كما في تقريرات بحثه في المكاسب بقلم المحقق الخوانساري:

و بالجملة، الامور التي يعلم من الشارع مطلوبيتها في جميع الأزمان، و لم يؤخذ في دليلها صدورها من شخص خاص، فمع وجود الفقيه هو المتعيّن للقيام بها. أما لثبوت ولايته عليها بالأدلّة العامة، أو لكونه المتيقن من بين المسلمين، أو لئلا يلزم الهرج و المرج، فيعتبر قيام الفقيه به مباشرة، أو إذنه، أو استنابته مع تعذّره، فيقوم به سائر المسلمين[2].

5- و يقول آية اللّه السيّد الخوئي (قدّس سرّه) كما في التنقيح في تقرير دليل القائلين بالولاية العامة:

إنّ الامور الراجعة إلى الولاية ممّا لا مناص من أن تتحقق في الخارج ... لا مناص من أن ترجع الامور إلى الفقيه الجامع للشرائط، لأنّه القدر المتيقّن ممّن يحتمل أن يرخص الشارع فيها، كما لا يحتمل أن يهملها لأنّها لا بدّ من أن تقع في الخارج. فمع التمكّن من الفقيه لا يحتمل الرجوع فيها إلى الغير، لأنّه إذا لم يمكن الرجوع إليه في مورد ثبتت الولاية لعدول المؤمنين. ثمّ يقول السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في مناقشة هذا الدليل:

إنّ الامور المذكورة، و إن كانت حتمية التحقق في الخارج، و هي المعبّر عنها بالامور الحسبية، لأنّها بمعنى الامور القربية التي لا مناص من‌

[1]البدر الزّاهر في صلاة الجمعة و المسافر لآية اللّه المنتظري: ص 57.

[2]منية الطالب تقريرات بحث المحقق النائيني: 1/ 329.


صفحه 201

تحققها خارجا، كما أنّ الفقيه هو القدر المتيقّن- كما مرّ- إلّا أنّه لا يستكشف بذلك أنّ الفقيه له الولاية المطلقة في عصر الغيبة، كالولاية الثابتة للنبي6، أو الأئمة:. فإنّ تلك الامور (الامور الحسبية) لا يمكن للشارع إهمالها، كما لا يمكن أن يرخّص فيها لغير الفقيه دون الفقيه، فيستنتج بذلك أنّ الفقيه هو القدر المتيقّن في تلك التصرّفات[1].

و لا خلاف بين الفقهاء في أمر ولاية الفقيه في دائرة الامور الحسبية، التي تشمل مجمل القضايا التي تنهض بها الحكومات عادة. و أمّا المقدار الذي يختلف فيه الفقهاء من أمر (ولاية الفقيه) فهو في الولاية العامة للفقيه في الامور التي شكّ في مشروعيّتها في حالة عدم تماميّة ولاية الفقيه، و هذه المساحة يختصّ بها الأئمّة:، من امور المسلمين، و هذا هو الذي يضعه بعض الفقهاء موضع الشك في الدراسات الفقهية.

أمّا المسائل و الشئون التي يحتاج إليها المسلمون في معاشهم و معادهم، و دنياهم و آخرتهم و لا ينتظم من دونها دينهم و لا دنياهم، فلا خلاف بين الفقهاء في أنّ الفقيه هو الذي يتولّاها، و هو ما يسمّى بالامور الحسبية كما ذكرنا. و هذا الحدّ من (ولاية الفقيه) موضع إجماع الفقهاء.

قال المحقّق الكركي في جامع المقاصد: اتّفق أصحابنا على أنّ الفقيه العادل الجامع لشرائط الفتوى، المعبّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية، نائب من قبل أئمة الهدى:في حال الغيبة[2].

[1]التنقيح في الاجتهاد و التقليد: ص 422- 423.

[2]جامع المقاصد للمحقق الكركي. و عبارة المحقق الكركي أوسع من الولاية في دائرة الامور الحسبية، و أقرب إلى الولاية العامة منها إلى الولاية في الامور الحسبية.


صفحه 202

و إذا شئنا أن نفرّق بين شطري ولاية الفقيه، الشطر المتفق عليه بين الفقهاء و الذي أسميناه ب‌ (الامور الحسبية)، و الشطر المختلف فيه. فإنّ بإمكاننا أن نقول: كلّ ما كان وجوبه و مشروعيته مطلقة، و علمنا أنّ الإسلام يريده و يطلبه، و لا يعلّق طلبه و إيجابه على شي‌ء، و لكن وجوده في الخارج يتوقّف عادة على الدولة الإسلامية و ولي الأمر، فهو من الامور الحسبية التي يتفق جميع الفقهاء على ولاية الفقيه فيها.

و أمّا ما كان يحتمل أن يكون وجوبه و مشروعيته موقوفا على حضور الإمام، فهو من الشطر الثاني الذي يختلف فيه الفقهاء، على رأيين: سلبي و إيجابي.

مثلا لا يشترط في وجوب المحافظة على الأمن و الاستقرار في المجتمع، و في إقامة المشاريع و المؤسسات الاجتماعية و الثقافية و الصحية و الاقتصادية، و في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ... وجود الإمام و حضوره، فهي واجبة على كل حال، و وجوبها مطلق و غير مقيّد بحضور الإمام. و إن كان وجود هذه الامور في القطّاع العام يتوقّف عادة على وجود حكومة إسلامية، و لا يمكن تحقيقها في الغالب من دون وجود جهاز للحكم و نظام حاكم في المجتمع بصورة كاملة و وافية، لأنّ طبيعة هذه الأعمال طبيعة اجتماعية و ليست طبيعتها طبيعة فرديّة.

و لمّا كانت هذه الامور ضرورية في حياة المجتمع، و كانت الحياة الاجتماعية تختل من دونها، و لمّا كانت طبيعة هذه الامور طبيعة اجتماعية، تتوقّف على وجود نظام حاكم و حكومة إسلامية ... فإنّ النتيجة المنطقية لهذه المقدّمات، هي وجوب إقامة دولة إسلامية، مقدّمة لتنفيذ هذه الامور‌