و الكفر، و كان للإمام الراحل الخميني;الدور القياديّ البارز في هذه الحركة.
و لا تنقص من قيمة هذا الدور و هذا الحجم إطلاقا بعض الأخطاء السياسية و الاجتماعية التي ارتكبها قادة الثورة و رجالها من العلماء و غيرهم.
فلا بدّ في كل ثورة من الأخطاء .. و كل ثورة تمرّ عبر بحر من الفتن، و لا يمكن أن تسلم الثورة عبر هذه الفتن من الأخطاء. و ليس المهم حدوث هذه الأخطاء في وقتها، و إنما المهم هو جرد الثورة بصورة مستمرة، و تصحيح مسيرها، و تصحيح الأخطاء التي تقع فيها، و تثبيت المكاسب الحضارية و السياسية التي حقّقتها الثورة.
و نعود مرّة اخرى إلى القيمة الحضارية و السياسية للعلماء في امّتنا، فنقول: في هذه الثورة تبادلت (القيادة) و (القاعدة) الثقة، و شعر الناس بأنّ قيادتهم تشاركهم في همومهم و تتحسّس آلامهم، حتى لو كانت تعجز عن إزالتها أو تخفيفها، و وقفت الامّة إلى جانب قيادتها في الأزمات الشديدة، و في أقسى أيام الحصار الاقتصادي و السياسي و الإعلامي.
و أحسّ الناس بأنّ قيادتهم تحترم إرادتهم و تراثهم و مواريثهم الحضارية، و كان الناس قد ألفوا منذ زمن طويل هجر القيادة و تنكّرها لإرادتهم و مواريثهم الحضارية و تراثهم.
و نوجز القول و نقول: إنّ هذه الثورة أعادت الناس إلى أنفسهم، بعد أن كانت الأنظمة الحاكمة و المرتبطة بعجلة الغرب و الشرق قد سلختهم عن أنفسهم.
و تلك قيمة حضارية كبيرة. و من خلال هذا التصوّر نستطيع أن نفهم و نتحدث عن مركز العالم الديني و موقعه السياسي و الاجتماعي في الامّة.
الموقع التوجيهي و القيادي للعالم الديني في المجتمع:
يمارس العالم الديني في مجتمعنا دورا توجيهيّا و قياديّا خطيرا.
و هذا الموقع يتطلّب حضورا فاعلا و مؤثّرا في وسط الامّة. فلا يستطيع العلماء أن يمارسوا مثل هذا الدور الخطير في الامّة، إذا كانوا منعزلين عن الامّة و عن حياتها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية، و عن حركتها و طموحها و آمالها و آلامها.
و تبادلهم الامّة أغلى ما عندها، و أغلى ما عند الامّة هي (الثقة) و (الطاعة). و لو لا أنّ الامّة تمنح (الثقة) و (الطاعة) للعلماء لم يكن بإمكان العلماء أن يمارسوا دورا فعّالا من خلال هذا الموقع الخطير.
مصادر الثقة:
و لم تكتسب المؤسسة الدينية هذه الثقة و بهذه الدرجة من الامّة من دون سبب، فإن الامّة لا تمنح الثقة إلّا ضمن حساب دقيق.
فقد يكتسب أحد ثقة جماعة من الناس بصورة أو اخرى، من دون سبب كاف، و لكن من غير الممكن أن شخصا أو مؤسسة تكتسب ثقة امة من الناس بصورة اعتباطية و من غير سبب كاف و بصورة مستمرة، رغم كل العوامل السلبية.
و عند ما نبحث عن الأسباب التي دعت الناس إلى أن يضعوا ثقتهم في (العلماء) بهذه الصورة نلتقي بسببين أساسيين:
السبب الأول: هو توجيه أهل البيت:الامّة باحترام العلماء و وضع الثقة فيهم، و الرجوع إليهم، و الأخذ بتوجيهاتهم، و الاحتفاف بهم، و التزامهم، و تبنّيهم.
و السبب الثاني: هو تاريخ المؤسّسة الدينية، و هذا التاريخ يضرب بجذوره في عمق الماضي و تستحضره ذاكرة الامّة.
و الذين يستحضرون هذا التاريخ يعرفون جيدا أنّ المؤسسة الدينية سلمت خلال هذا التاريخ الطويل من الغيبة الكبرى إلى اليوم من الانحراف و الشطط و الانتهازية و التلاعب، و استثمار ثقة الناس في المصالح الشخصيّة.
و هذا التاريخ حاضر في ذاكرة الامّة ضمن أرقام و قضايا واقعية.
و ليس معنى ذلك أن التاريخ لم يشهد عضوا في هذه المؤسسة شطّ أو انحرف. فقد حصل هذا الأمر بالتأكيد، و المناقشة فيه مناقشة في البديهيات.
و لكن الأمر الذي حدث إلى جنب ذلك، إن كلّ عنصر شطّ أو انحرف من داخل المؤسسة الدينية عزلته هذه المؤسسة عن نفسها أو عزله الناس بأنفسهم عن المؤسسة.
و لعل هذا الوعي المبكّر لتشخيص حالات الانحراف في أعضاء المؤسسة الدينية، و الموقف العمليّ السريع تجاه هذه العناصر و عزلها عن هذه المؤسسة و تجريدها عن صلاحياتها و أدوارها هو من جملة أسباب حصانة المرجعية و الحوزة العلمية.
و يدخل في هذا الباب النماذج المعاصرة التي يعرفها الناس في حياتهم
من العلماء العاملين الموجودين في كل زمان و في كل قطر تقريبا، ممّن عرفهم الناس عن كثب و عرفوا فيهم الصلاح و التقوى و الجديّة و الإخلاص و نكران الذات، و الزهد و الإعراض عن الدنيا، و الاهتمام بشئون الناس، و القوّة و الجرأة و الثبات و الصمود.
و هؤلاء العلماء لهم حضور فاعل بطبيعة الحال في حياة الناس، يعرفهم الناس و يلتقونهم و يتعاملون معهم، و يأخذون منهم و يمنحونهم ثقتهم. و يدخلون الحياة السياسية و الاجتماعية من أوسع أبوابها. و مع ذلك لا يسجّل لهم التاريخ سقوطا عند هذه المزالق، كما يسجّل لغيرهم، و لا يفقدون رغم كل النقد و التجريح، ثقة الناس و اعتمادهم، و يبقى هؤلاء عناصر صلبة في تيّار العمل السياسي و الاجتماعي و الحركي، لا يمكن ترويضهم بإرهاب و لا إغراء.
و عند ما يتلاقى هذان العنصران، ثقة الجمهور بقيادته، و صلابة عناصر القيادة و استقامتها، تكتسب المؤسسة الدينية قيمة كبرى، و تعتبر مصدر خطر كبير بالنسبة للمؤسسات الاستكبارية التي تطمع في الوصول إلى مآرب سياسية و اقتصادية في العالم الإسلامي.
و أقول مرة اخرى: ليس معنى ذلك كله أنّ المؤسسة الدينية تخلو من عناصر ضعيفة تستغل ثقة الناس استغلالا شخصيا، و تستفيد من احترام الناس و ثقتهم في شئون شخصيّة.
فإنّ وجود هذه العناصر ضمن المؤسسة الدينية حقّ و واقع و طبيعي في نفس الوقت، و وجود هذه القيمة الكبيرة للعالم الديني و للمؤسسة الدينية عموما أيضا صحيح و واقع، و لا سبيل للمناقشة في هذه أو تلك.
و من الخطأ التفريط في هذا الموقع الاجتماعي بما يحمل من قوّة و بما يكسب من ثقة الناس، كما أنّ من الخطأ تجنّب الحوار و النقد الموضوعي البنّاء لهذه المؤسسة.
كيف نتعامل مع المؤسسة الدينية؟:
أمامنا ثلاثة أنماط من التعامل مع هذه المؤسسة:
الأول: التعامل من خلال الثقة المطلقة لكل شرائح المؤسّسة الدينية.
و الثاني: النقد الذي لا يتجنّب صاحبه فيه حالة التسقيط و الإلغاء.
و الثالث: النقد الموجّه المسئول الذي يطلب فيه صاحبه نقاط الضعف و يوضحها للتسديد و النصح و ليس للتسقيط و الإلغاء.
و الفرق بين الاسلوب الثاني و الثالث واضح لا يخفى على الناقد و لا على القارئ.
فإنّ النمط الثاني من التعامل نمط غير مسئول من النقد، بينما النمط الثالث نمط مسئول من النقد.
و الناقد غير المسئول لا يهمّه إلّا تثبيت نقاط الضعف على هذه المؤسسة مهما كان الثمن، و مهما آل إليه الأمر، بينما الناقد الأخير يهمّه النصح و التسديد، و معالجة نقاط الضعف، فهو يحرص على الكيان من حيث الأساس، و يحرص في نفس الوقت على إصلاح و تسديد نقاط الضعف في هذا الكيان ... و هذا هو النقد المسئول و الموجّه في مقابل النقد غير المسئول و غير الموجّه.
و لست أشك أنّ المؤسسة الدينية بحاجة إلى كثير من النقد، كما لست
أشك أنّ النقد غير المسئول و غير الموجّه ضرره أكثر من نفعه، بل لا يأتي بغير الضرر، لأنّ النقد اللّامسئول عمل تخريبي في مركز من أهم مراكز القوّة في المجتمع يؤدي إلى تشكيك الناس و سلب ثقتهم عن هذا المركز، دون استبداله بمثله فضلا عن استبداله بخير منه.
و هذا الاسلوب من النقد نابع من أحد أمرين:
أما عدم وعي لمراكز القوّة في المجتمع و ضرورتها.
أو اللّامبالاة و عدم الاهتمام بوجود هذه المراكز.
و الثاني أسوأ من الأوّل.
دور العلماء في إحباط المؤامرات الثلاثة على العالم الإسلامي
لكي نعرف قيمة الدور الذي نهض به العلماء في تاريخنا السياسي و الفكري المعاصر، لا بدّ أن نشير إشارة سريعة إلى المؤامرات الثلاثة الكبرى التي حلّت بالإسلام و المسلمين في تاريخنا الفكري و السياسيّ المعاصر و القريب منه ... عندئذ نستطيع أن نقيّم الدور الذي نهض به العلماء في هذه المرحلة من التاريخ، و نحدّد اسلوب النقد الذي نسمح به لأنفسنا في نقد نقاط الضعف الموجودة في هذه المؤسسة.
و هذه المؤامرات هي:
1- التحريف.
2- التغريب.
3- الاستبداد السياسي.
1- التحريف:
حركة التحريف المعاصرة حركة واسعة و هي في الظاهر فكريّة عقائديّة، إلّا أنّها في خلفياتها سياسيّة.
و الأهداف التي يحققها التحريف في المجتمع الإسلامي هي:
أ- النيل من نقاوة الفكر الإسلامي و أصالته.
ب- تشويش الساحة الإسلامية بإثارة المشاكل الفكرية فيها و خلق جوّ من الاضطرابات و القلق الفكري في هذه الساحة.
ج- إيجاد أقلّيات عقائدية و فكرية في المجتمع الإسلامي، تنفذ من خلالها الأنظمة التي تحكم الامّة بالاستبداد و الإرهاب، و تتخذ منها أدوات لإثارة المشاكل و المتاعب في صفوف الامّة، و بالتالي إحكام القبضة السياسية على الامّة.
و لو استقرأنا التاريخ الإسلامي القريب و البعيد وجدنا أنّ هذه الأقليّات التي أوجدتها الانحرافات الفكرية خلقت كثيرا من المشاكل في حياة الامّة، كالفرق المنحرفة من الصوفية و القاديانية و الشيخية، و الغلاة، و البابية و البهائية و النواصب و الآغاخانية و غيرهم.
و قد كان للعلماء دور بارز في مكافحة هذه الانحرافات الفكرية و التقليل من حجمها و خسائرها.
فإنّ بعض هذه الفرق كان يمسّ اصول الالوهية كالغلاة، و بعضها كان يمسّ النبوة و المعاد و العدل، و منها ما كان يمسّ شريعة اللّه و حدوده من الحلال و الحرام.