تحققها خارجا، كما أنّ الفقيه هو القدر المتيقّن- كما مرّ- إلّا أنّه لا يستكشف بذلك أنّ الفقيه له الولاية المطلقة في عصر الغيبة، كالولاية الثابتة للنبي6، أو الأئمة:. فإنّ تلك الامور (الامور الحسبية) لا يمكن للشارع إهمالها، كما لا يمكن أن يرخّص فيها لغير الفقيه دون الفقيه، فيستنتج بذلك أنّ الفقيه هو القدر المتيقّن في تلك التصرّفات[1].
و لا خلاف بين الفقهاء في أمر ولاية الفقيه في دائرة الامور الحسبية، التي تشمل مجمل القضايا التي تنهض بها الحكومات عادة. و أمّا المقدار الذي يختلف فيه الفقهاء من أمر (ولاية الفقيه) فهو في الولاية العامة للفقيه في الامور التي شكّ في مشروعيّتها في حالة عدم تماميّة ولاية الفقيه، و هذه المساحة يختصّ بها الأئمّة:، من امور المسلمين، و هذا هو الذي يضعه بعض الفقهاء موضع الشك في الدراسات الفقهية.
أمّا المسائل و الشئون التي يحتاج إليها المسلمون في معاشهم و معادهم، و دنياهم و آخرتهم و لا ينتظم من دونها دينهم و لا دنياهم، فلا خلاف بين الفقهاء في أنّ الفقيه هو الذي يتولّاها، و هو ما يسمّى بالامور الحسبية كما ذكرنا. و هذا الحدّ من (ولاية الفقيه) موضع إجماع الفقهاء.
قال المحقّق الكركي في جامع المقاصد: اتّفق أصحابنا على أنّ الفقيه العادل الجامع لشرائط الفتوى، المعبّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية، نائب من قبل أئمة الهدى:في حال الغيبة[2].
[1]التنقيح في الاجتهاد و التقليد: ص 422- 423.
[2]جامع المقاصد للمحقق الكركي. و عبارة المحقق الكركي أوسع من الولاية في دائرة الامور الحسبية، و أقرب إلى الولاية العامة منها إلى الولاية في الامور الحسبية.
و إذا شئنا أن نفرّق بين شطري ولاية الفقيه، الشطر المتفق عليه بين الفقهاء و الذي أسميناه ب (الامور الحسبية)، و الشطر المختلف فيه. فإنّ بإمكاننا أن نقول: كلّ ما كان وجوبه و مشروعيته مطلقة، و علمنا أنّ الإسلام يريده و يطلبه، و لا يعلّق طلبه و إيجابه على شيء، و لكن وجوده في الخارج يتوقّف عادة على الدولة الإسلامية و ولي الأمر، فهو من الامور الحسبية التي يتفق جميع الفقهاء على ولاية الفقيه فيها.
و أمّا ما كان يحتمل أن يكون وجوبه و مشروعيته موقوفا على حضور الإمام، فهو من الشطر الثاني الذي يختلف فيه الفقهاء، على رأيين: سلبي و إيجابي.
مثلا لا يشترط في وجوب المحافظة على الأمن و الاستقرار في المجتمع، و في إقامة المشاريع و المؤسسات الاجتماعية و الثقافية و الصحية و الاقتصادية، و في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ... وجود الإمام و حضوره، فهي واجبة على كل حال، و وجوبها مطلق و غير مقيّد بحضور الإمام. و إن كان وجود هذه الامور في القطّاع العام يتوقّف عادة على وجود حكومة إسلامية، و لا يمكن تحقيقها في الغالب من دون وجود جهاز للحكم و نظام حاكم في المجتمع بصورة كاملة و وافية، لأنّ طبيعة هذه الأعمال طبيعة اجتماعية و ليست طبيعتها طبيعة فرديّة.
و لمّا كانت هذه الامور ضرورية في حياة المجتمع، و كانت الحياة الاجتماعية تختل من دونها، و لمّا كانت طبيعة هذه الامور طبيعة اجتماعية، تتوقّف على وجود نظام حاكم و حكومة إسلامية ... فإنّ النتيجة المنطقية لهذه المقدّمات، هي وجوب إقامة دولة إسلامية، مقدّمة لتنفيذ هذه الامور
و تمهيدا للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و إجراء حدود اللّه و أحكامه. فلا يمكن تنفيذ الامور الحسبية هذه بصورة كاملة من دون وجود دولة إسلامية.
و لكنّ هذه الامور لمّا كان وجوبها و مشروعيتها مطلقة، و غير مقيّدة بشيء، فلا يسقط وجوبها و مشروعيتها عند فقدان الدولة الإسلامية، فيجب السعي لإقامتها، و في حالة العجز عن إقامة الدولة الإسلامية، تجب بالمقدار الميسور، بصورة فردية أو قريبة من الصورة الفردية.
و أمّا القسم الثاني من الولاية، فنحتمل فيها أن يكون وجوبها و مشروعيتها مشروطا و موقوفا على حضور الإمام، و ممارسته للولاية و الحكم. فإذا كان الإمام حاضرا و مبسوط اليد و نافذ القدرة، وجب عليه عند ذلك، و إلّا سقط وجوبها، و سقطت مشروعيتها، لأنّ وجوبها و مشروعيّتها في الفرض، وجوب مشروط و مشروعية مشروطة، أو يحتمل فيه ذلك على الأقل، و ما لم يتحقق الشرط لا يتحقق الوجوب.
و هذا من الوجوب المشروط في مقابل الحالة الاولى، التي كانت من الوجوب المطلق، و مثال القسم الأول شئون (الدفاع)، و مثال القسم الثاني شئون الجهاد الابتدائي،، فنحن نحتمل- على الأقل أن يكون وجوب الجهاد (الابتدائي)، وجوبا مشروطا بحضور الإمام و نفوذ قدرته و بسط يده، كما يتوقّف وجوب الحجّ مثلا على الاستطاعة، فإذا انتفت الاستطاعة لم يثبت الوجوب من أوّل الأمر.
بينما لا نحتمل ذلك في (الدفاع)، فإنّ وجوبه بالتأكيد مطلق و غير مقيّد بشيء، و الإسلام يطلب من المسلمين أن يدافعوا عن أنفسهم من دون شرط
و لا قيد. فإذا كان أمر الدفاع يتوقّف على وجود دولة للإسلام و قوّة للدفاع، وجب على المسلمين إقامة هذه الدولة و توفير هذه القوّة، و حتى لو عجزوا عن إقامة الدولة وجب عليهم الدفاع عن بلاد المسلمين بالميسور من ذلك.
الحكم و الفتوى:
و قد جرت العادة على تسمية الأوامر التي يصدرها الحكام فيما يتعلّق بشئون الولاية ب (الحكم). و كلمة (الحكم) تأتي هنا في قبال (الفتوى). و يختلف عن الفتوى في طبيعته و آثاره.
فالفتوى إخبار عن الحكم الشرعي، يقوم به الفقيه، بناء على المستندات الفقهية التي يملكها في الكشف عن حكم الشارع في قضيّة ما.
بينما الحكم ليس إخبارا عن حكم الشارع، و إنّما هو إنشاء للحكم يقوم به الفقيه الحاكم.
و يختلف الحكم عن الفتوى من حيث الأثر أيضا، فإنّ الحكم ينفذ على كافة المسلمين، و يجب عليهم امتثاله، فيما إذا كان الحاكم صالحا للحكم، دون فتوى الفقيه، حيث لا تنفذ إلّا على مقلّديه دون غيرهم.
كما أنّ الفتوى تنقض بالحكم، و لا ينقض الحكم بالفتوى.
فإنّ الغرض من الحكم المنع من حدوث الفوضى في المجتمع، و توحيد المجتمع في رأي واحد و حكم واحد.
و إذا كانت الفتوى تنقض الحكم، فلا يمكن أن تنقطع الفوضى في المجتمع، لاختلاف المجتهدين في الرأي غالبا، و اختلاف مبانيهم في الفتوى.
و الفتوى ليس حجّة في الموضوعات، إذ ليس للمفتي إلّا أن يخبر عن الأحكام الشرعية الكلية، و المقلّد هو الذي ينظر في الموضوعات، و أمر تشخيص الموضوعات موكّل إلى نظر العرف دون المجتهد.
و ذلك بعكس الحكم، حيث يكون حجّة في الموضوعات، فينفذ حكم الحاكم في ثبوت الهلال، و حريّة شخص و كفر شخص، و كون الأرض مسجدا أو غير ذلك.
فإذا حكم بحرّية شخص، فلا يجوز شراؤه و استبعاده، و إذا حكم بكون الأرض مسجدا، فلا يجوز شراؤه و بيعه و إهداؤه و غير ذلك، كما إذا حكم بثبوت هلال شوّال فلا يجوز صوم ذلك اليوم.
و قد ورد في كلمات بعض الفقهاء اختصاص الحكم بموارد الخصومة[1]، و ليس ذلك صحيحا، لتعلّق الحكم بثبوت الهلال، و بغير ذلك من الامور التي لا تقع موردا للخصومة، و لا تعرض على القضاء.
و لا يسعنا المجال هنا في تشريح الحكم و توضيح الفرق بينه و بين الفتوى، أكثر ممّا ذكرناه، و بإمكان الباحث أن يرجع إلى الموسوعات الفقهية في استيضاح أكثر لمعنى الحكم و الفرق بينه و بين الفتوى[2].
[1]قال الشهيد;في القواعد (1/ 320، قاعدة رقم 114) في قاعدة الفرق بين الفتوى و الحكم: بأنّ الحكم: إنشاء إطلاق أو إلزام في المسائل الاجتهادية و غيرها، مع تقارب المدارك فيها، ممّا يتنازع فيه الخصمان لمصالح المعاش.
و خصّ بذلك الحكم في موارد الخصومة. و ليس ذلك بصحيح كما ذكرنا ذلك في المتن. و في كلام الشهيد مواضع اخرى للمناقشة لا يهمّنا التعرّض لها هنا.
[2]من المصادر المفيدة في هذا الباب، كتاب القضاء للعلّامة الكني: ص 201- 252.
على أنّ المسألة ليست محرّرة تحريرا منهجيا وافيا في الكتب الفقهية بشكل يرضي الباحث. و الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين.
محمّد مهدي الآصفي
مصادر البحث
1 القرآن الكريم
2 إبطال القياس: ابن حزم الأندلسي.
3 أجود التقريرات: السيد أبو القاسم الخوئي.
4 الإحكام في اصول الأحكام: ابن حزم الأندلسي (ت/ 456 ه).
دار الحديث- القاهرة، الطبعة الثانية 1413 ه/ 1992 م.
5 إرشاد الفحول: محمّد بن علي بن محمّد الشوكاني (ت/ 1255 ه).
دار الفكر- بيروت، الطبعة الاولى.
6 الاصول العامّة للفقه المقارن: محمّد تقي الحكيم.
دار الأندلس- بيروت، الطبعة الاولى 1963 م.
7 بحار الأنوار: الشيخ محمّد باقر المجلسي (ت/ 1111 ه).
دار إحياء التراث العربي- بيروت، الطبعة الثانية 1403 ه/ 1983 م.
8 البدر الزاهر في صلاة الجمعة و المسافر: حسين علي المنتظري النجفآبادي.
مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامي- قم، 1362 ه ش.
9 تاريخ بغداد: أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت/ 463 ه).
دار الكتب العلمية- بيروت.
10 تاريخ التشريع الإسلامي: الشيخ محمّد الخضري.
11 تحف العقول: الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني (من أعلام القرن الرابع).
منشورات المطبعة الحيدرية- النجف الأشرف، الطبعة الخامسة 1380 ه/ 1961 م.
12 تذكرة الحفّاظ: شمس الدين محمّد الذهبي (ت/ 748 ه).
دار الكتب العلمية- بيروت.
13 التنقيح في الاجتهاد و التقليد: السيّد أبو القاسم الخوئي.
مؤسّسة آل البيت:.
14 الثقلان: الشيخ محمّد حسين المظفر.
15 جامع المقاصد: الشيخ علي بن الحسين الكركي (ت/ 940 ه).
مؤسّسة آل البيت:لإحياء التراث- قم، الطبعة الاولى 1408 ه.
16- جريدة صوت العراق.
العدد 106، لندن 22/ 2/ 1992.
17 حاشية المشكيني على كفاية الاصول: الميرزا أبو الحسن المشكيني الأردبيلي.
تحقيق الشيخ سامي الخفاجي، منشورات دار الحكمة- قم، الطبعة الاولى 1415 ه
18 حلية الأولياء: أبو نعيم الأصبهاني أحمد بن عبد اللّه (ت/ 430 ه).
دار الكتاب العربي- بيروت، الطبعة الخامسة 1407 ه/ 1987 م.
19 دراسات الخوئي في الاصول: علي الحسيني الشاهرودي (ت/ 1376 ه).
المطبعة الحيدرية- النجف الأشرف، 1371 ه/ 1952 م.