من العلماء العاملين الموجودين في كل زمان و في كل قطر تقريبا، ممّن عرفهم الناس عن كثب و عرفوا فيهم الصلاح و التقوى و الجديّة و الإخلاص و نكران الذات، و الزهد و الإعراض عن الدنيا، و الاهتمام بشئون الناس، و القوّة و الجرأة و الثبات و الصمود.
و هؤلاء العلماء لهم حضور فاعل بطبيعة الحال في حياة الناس، يعرفهم الناس و يلتقونهم و يتعاملون معهم، و يأخذون منهم و يمنحونهم ثقتهم. و يدخلون الحياة السياسية و الاجتماعية من أوسع أبوابها. و مع ذلك لا يسجّل لهم التاريخ سقوطا عند هذه المزالق، كما يسجّل لغيرهم، و لا يفقدون رغم كل النقد و التجريح، ثقة الناس و اعتمادهم، و يبقى هؤلاء عناصر صلبة في تيّار العمل السياسي و الاجتماعي و الحركي، لا يمكن ترويضهم بإرهاب و لا إغراء.
و عند ما يتلاقى هذان العنصران، ثقة الجمهور بقيادته، و صلابة عناصر القيادة و استقامتها، تكتسب المؤسسة الدينية قيمة كبرى، و تعتبر مصدر خطر كبير بالنسبة للمؤسسات الاستكبارية التي تطمع في الوصول إلى مآرب سياسية و اقتصادية في العالم الإسلامي.
و أقول مرة اخرى: ليس معنى ذلك كله أنّ المؤسسة الدينية تخلو من عناصر ضعيفة تستغل ثقة الناس استغلالا شخصيا، و تستفيد من احترام الناس و ثقتهم في شئون شخصيّة.
فإنّ وجود هذه العناصر ضمن المؤسسة الدينية حقّ و واقع و طبيعي في نفس الوقت، و وجود هذه القيمة الكبيرة للعالم الديني و للمؤسسة الدينية عموما أيضا صحيح و واقع، و لا سبيل للمناقشة في هذه أو تلك.
و من الخطأ التفريط في هذا الموقع الاجتماعي بما يحمل من قوّة و بما يكسب من ثقة الناس، كما أنّ من الخطأ تجنّب الحوار و النقد الموضوعي البنّاء لهذه المؤسسة.
كيف نتعامل مع المؤسسة الدينية؟:
أمامنا ثلاثة أنماط من التعامل مع هذه المؤسسة:
الأول: التعامل من خلال الثقة المطلقة لكل شرائح المؤسّسة الدينية.
و الثاني: النقد الذي لا يتجنّب صاحبه فيه حالة التسقيط و الإلغاء.
و الثالث: النقد الموجّه المسئول الذي يطلب فيه صاحبه نقاط الضعف و يوضحها للتسديد و النصح و ليس للتسقيط و الإلغاء.
و الفرق بين الاسلوب الثاني و الثالث واضح لا يخفى على الناقد و لا على القارئ.
فإنّ النمط الثاني من التعامل نمط غير مسئول من النقد، بينما النمط الثالث نمط مسئول من النقد.
و الناقد غير المسئول لا يهمّه إلّا تثبيت نقاط الضعف على هذه المؤسسة مهما كان الثمن، و مهما آل إليه الأمر، بينما الناقد الأخير يهمّه النصح و التسديد، و معالجة نقاط الضعف، فهو يحرص على الكيان من حيث الأساس، و يحرص في نفس الوقت على إصلاح و تسديد نقاط الضعف في هذا الكيان ... و هذا هو النقد المسئول و الموجّه في مقابل النقد غير المسئول و غير الموجّه.
و لست أشك أنّ المؤسسة الدينية بحاجة إلى كثير من النقد، كما لست
أشك أنّ النقد غير المسئول و غير الموجّه ضرره أكثر من نفعه، بل لا يأتي بغير الضرر، لأنّ النقد اللّامسئول عمل تخريبي في مركز من أهم مراكز القوّة في المجتمع يؤدي إلى تشكيك الناس و سلب ثقتهم عن هذا المركز، دون استبداله بمثله فضلا عن استبداله بخير منه.
و هذا الاسلوب من النقد نابع من أحد أمرين:
أما عدم وعي لمراكز القوّة في المجتمع و ضرورتها.
أو اللّامبالاة و عدم الاهتمام بوجود هذه المراكز.
و الثاني أسوأ من الأوّل.
دور العلماء في إحباط المؤامرات الثلاثة على العالم الإسلامي
لكي نعرف قيمة الدور الذي نهض به العلماء في تاريخنا السياسي و الفكري المعاصر، لا بدّ أن نشير إشارة سريعة إلى المؤامرات الثلاثة الكبرى التي حلّت بالإسلام و المسلمين في تاريخنا الفكري و السياسيّ المعاصر و القريب منه ... عندئذ نستطيع أن نقيّم الدور الذي نهض به العلماء في هذه المرحلة من التاريخ، و نحدّد اسلوب النقد الذي نسمح به لأنفسنا في نقد نقاط الضعف الموجودة في هذه المؤسسة.
و هذه المؤامرات هي:
1- التحريف.
2- التغريب.
3- الاستبداد السياسي.
1- التحريف:
حركة التحريف المعاصرة حركة واسعة و هي في الظاهر فكريّة عقائديّة، إلّا أنّها في خلفياتها سياسيّة.
و الأهداف التي يحققها التحريف في المجتمع الإسلامي هي:
أ- النيل من نقاوة الفكر الإسلامي و أصالته.
ب- تشويش الساحة الإسلامية بإثارة المشاكل الفكرية فيها و خلق جوّ من الاضطرابات و القلق الفكري في هذه الساحة.
ج- إيجاد أقلّيات عقائدية و فكرية في المجتمع الإسلامي، تنفذ من خلالها الأنظمة التي تحكم الامّة بالاستبداد و الإرهاب، و تتخذ منها أدوات لإثارة المشاكل و المتاعب في صفوف الامّة، و بالتالي إحكام القبضة السياسية على الامّة.
و لو استقرأنا التاريخ الإسلامي القريب و البعيد وجدنا أنّ هذه الأقليّات التي أوجدتها الانحرافات الفكرية خلقت كثيرا من المشاكل في حياة الامّة، كالفرق المنحرفة من الصوفية و القاديانية و الشيخية، و الغلاة، و البابية و البهائية و النواصب و الآغاخانية و غيرهم.
و قد كان للعلماء دور بارز في مكافحة هذه الانحرافات الفكرية و التقليل من حجمها و خسائرها.
فإنّ بعض هذه الفرق كان يمسّ اصول الالوهية كالغلاة، و بعضها كان يمسّ النبوة و المعاد و العدل، و منها ما كان يمسّ شريعة اللّه و حدوده من الحلال و الحرام.
2- التغريب:
و هو أشرس هجوم قام به الغرب تجاه الشرق.
و قد سبقت هذا الهجوم الدراسات الاستشراقية التي مهّدت لدخول الغرب إلى العالم الإسلامي في الشرق.
و كانت الغاية من هذا الهجوم هو مصادرة القيم الإسلامية و تصدير الأفكار و الأعراف الغربية إلى العالم الإسلامي.
فمتى بدأ هذا الهجوم؟ و كيف كانت بداياته؟ و الغاية منه؟
في عام 1798 م غزا نابليون مصر و هذه السنة بالذات تعتبر بداية محنة طويلة للشرق الإسلامي.
و لم يواجه نابليون في هذا الغزو مواجهة عسكرية تذكر، و لكنه واجه مقاومة شديدة من قبل جماهير الامّة التي كانت تتمتع بحصانة حضارية قوية ضدّ غزو الكافر لبلاد المسلمين. و قد شلّت هذه المقاومة حركة نابليون العسكرية.
فإنّ الإسلام يمنح المسلم مناعة كاملة ضد الكفر و أخلاقه و أفكاره و أحكامه و عاداته و نفوذه، مهما يكن أمر هذا النفوذ، سياسيّا كان، أم عسكريّا أم اقتصاديّا، أم حضاريّا. و هذه الحصانة و البراءة التي يتمتع بها الإنسان المسلم تحميه من غزو الكفار.
و قد اصطدم نابليون في مصر بهذه العقبة أشدّ و أقوى من المواجهة العسكرية التي واجهها في هذا الغزو.
فبدأ نابليون يفكّر في تغريب الشرقيين و انتزاع هذه المناعة الإسلامية
من نفوس الشرقيين و تطبيعهم بمعاشرة الغربيّين و ترويضهم بقبول أخلاقهم و عاداتهم و قيمهم و قوانينهم و نفوذهم السياسي و العسكري و الفكري و الاقتصادي.
و لذلك بدأ نابليون يفكر في مخطط كامل للغزو الحضاري إلى جانب الغزو العسكري.
و قد ورث الإنكليز بعد ذلك نظرية الغزو الحضاري من سلفهم الفرنسيين كما ورثها الأمريكان من الإنكليز.
و مهما يكن من أمر فإنّ الغربيّين بدءوا حركة تخريب حضارية شرسة في مصادرة القيم و الأحكام الإسلامية و استبدالها بالقيم و الأحكام المادية في العالم الإسلامي. و أهم مفردات التغريب ثلاث:
أ- إسباغ الطابع المادي (اللّاربّاني) على حياة الإنسان، و عزل الإيمان باللّه عن حياة الإنسان المسلم، و حشر الإيمان باللّه في زوايا و مساحات محدودة من حياته في المساجد و في بعض الطقوس و الشعائر الدينية، كما عزل الغرب الإيمان باللّه من حياته العملية و حشره في الكنيسة و في بضع ساعات من أيام الآحاد فقط ... بعكس الاتجاه الإسلامي الذي يحاول أن يربط كل حياة الإنسان بالإيمان باللّه و ذكره. ففي منهج التربية الإسلامية يرتبط الإنسان في كل حال بذكر اللّه، و يستقيم في كل حالة على نهج اللّه، و يراقب حضور اللّه تعالى و مراقبته له في كل أحواله، حتى في غير العبادات و ممارسة الشعائر الدينية.
و هو بعكس ما يتجه إليه الغرب تماما بالنسبة إلى الإيمان باللّه؛ فإنّ الغرب لم يرفض بصورة رسمية مسألة الإيمان، و لكنه عزل الإيمان عن
حياته تماما، إلّا في حالات نادرة و ضمن مساحات محدودة جدا.
و من مظاهر إسباغ الحالة الماديّة (اللّاربّانية) على حياة الإنسان، تحويل الإنسان من محور الوهية اللّه تعالى إلى محور الوهية الإنسان، و استبدال الوهية اللّه بالإنسان في حقّ التشريع و السيادة.
ففي الإسلام يرجع الإنسان كلّا من هذين الأمرين (التشريع و السيادة) إلى اللّه تعالى، و لا يحقّ للإنسان أن يشرّع، فإن التشريع خاص باللّه تعالى، و لا يحقّ للإنسان أن يتولّى سلطانا أو ولاية في شأن من شئون الناس إلّا فيما يأذن به اللّه تعالى، و في حدود ما أذن به اللّه تعالى، فإنّ التشريع و الولاية للّه لا يشاركه فيه أحد من خلقه.
و قد حوّل الغرب حقّ التشريع و حقّ السيادة من محور (اللّه) تعالى إلى محور الإنسان، و جعل من الإنسان إلها يشرّع و يمنح حقّ السيادة و الولاية في مقابل اللّه تعالى.
و هذه هي النظرية المعروفة ب (الديمقراطية) التي يتبنّاها الغرب و روّج لها، و صدّرها إلى الشرق الإسلامي فيما بعد.
و بموجب هذه النظرية يحقّ للإنسان أن يشرّع لحياته ما شاء من حكم و قانون، و يحقّ له أن يمنح الولاية و السيادة لمن يشاء من الناس بغير حدود.
و الخلاصة الأخيرة التي نستطيع أن نوجز بها هذه النظرية هي: أنّ الديمقراطية تقرر حاكمية الإنسان في مقابل حاكميّة اللّه تعالى، و تعكس تضايق الإنسان من حاكمية اللّه، و تتوجّه إلى استبدال حاكمية اللّه بحاكمية الإنسان. يقول تعالى:وَ طٰائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّٰهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ