بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 36

الاستشراق و التغريب:

و قد سبقت عملية التغريب دراسات استشراقية واسعة قام بها علماء من الغرب و قد مكّنتهم هذه الدراسات من معرفة التاريخ و التراث الإسلامي، و مكّنتهم من معرفة بقاع العالم الإسلامي و ما كان فيها من عادات و تقاليد، و ما فيها من نقاط الضعف و القوّة.

فكانت هذه الدراسات الاستشراقية هي الطلائع الاولى لعمليات (التغريب) التي قام بها الغرب بعد ذلك على أيدي حكام و مفكّرين من العالم الإسلامي.

و لا نحتاج إلى كثير من التأمّل لندرك أنّ (الاستشراق) و (التغريب) وجهان للمحاولات التي بذلها الغرب منذ عصر نابليون إلى اليوم لبسط نفوذه و سلطانه في الشرق.

و مهما يكن من أمر فقد كان للتغريب أثر تخريبيّ كبير في ثقافة الامّة و تاريخها و حضارتها و حصانتها.

و قد أدرك العلماء في وقت مبكّر خطر هذه الموجة التي كانت تزحف بصورة منتظمة إلى العالم الإسلامي، و أنذروا المسلمين بأخطار هذه الموجة و آثارها التخريبية في الحضارة و السياسة، و أنّ الاستسلام لهذه الموجة من الركون إلى الذين كفروا و الذي حرّمه اللّه تعالى و أوعد عليه بالنار، و من سبيل الكافر على المؤمن.

و قد نفى اللّه تعالى أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل أو سلطان و نفوذ في أي شأن من شئون الحياة.

غير أنّ الدعوة إلى التغريب كانت تتمّ ضمن إمكانات هائلة تملكها‌


صفحه 37

الأنظمة و دعم واسع من الغرب، و لم تكن الدعوة المناهضة لها التي قام بها العلماء في العالم الإسلامي تملك الإمكانات المكافئة للدعوة الاولى في هذا الصراع الرهيب.

و تمكّن الحكّام في فترة من التاريخ من عزل العلماء عن الساحة السياسية و الإعلامية و استطاعوا أن يفسّروا و يوجّهوا حركة العلماء في مناهضة التغريب بمعاداة الحداثة و التخوّف من التجديد.

و كان الخلط بين التغريب من جانب و الحداثة و التجديد من جانب آخر لعبة إعلامية نجح فيها دعاة التغريب حكّاما و مفكّرين، استطاعوا فيها أن يركّزوا في أذهان الناس أنّ الموقف السلبي للعلماء من التغريب ينبع من تخوّفهم من موجة الحداثة. إلّا أنّ نجاح الحكّام و الكتّاب التابعين لهم في الدعوة إلى التغريب لم يطل. فقد كفتنا الفضائح السياسية و الأخلاقية و المآسي الحضارية في الغرب شرّ هذه الموجة، و أخذ الناس يعودون من جديد إلى قيمهم و جذورهم الحضارية.

3- الاستبداد السياسي:

و هذه هي المؤامرة الثالثة. و لئن خفّت موجة المؤامرة الاولى و الثانية فإنّ هذه المؤامرة لا تزال قائمة بقوّة، و بكل ثقلها.

و خلاصة هذه المؤامرة أنّ الاستعمار الانكليزى و الفرنسي، و بعدهما الاستعمار الأمريكي بدأ يخطّط بعد الحرب العالمية الثانية لأسلوب جديد من النفوذ السياسي بدل اسلوب الاحتلال العسكري.

فقد واجه الاحتلال العسكري أمواجا عارمة من الغضب قادها العلماء كما حدث ذلك في العراق و الجزائر، لم يقو الاستعمار على مقاومتها‌


صفحه 38

و التصدّي لها.

فقد قاوم علماء العراق من مثل الشيخ محمّد تقي الشيرازي و السيد محمّد سعيد الحبوبي و شيخ الشريعة الاحتلال الإنكليزي مرّتين في سنة 1912 م و في سنة 1920 م ممّا اضطرّ الإنكليز في النهاية أن يستبدلوا طريقة بسط نفوذهم في العراق من الاحتلال العسكري إلى اسلوب جديد هو (مشروع الاستعمار الجديد).

مشروع الاستعمار الجديد:

و هذه نظرية سياسية جديدة للغرب في بسط نفوذه في الشرق، و تعتمد هذه النظرية مجموعة من الاسس الاقتصادية و السياسية مثل السيطرة على الأسواق، و فرض نظام العامل الواحد في الإنتاج و التصدير على البلاد المستعمرة، و ربط هذه البلاد بأقطاب الاستعمار من خلال احتياجات السوق الكثيرة، و إغراق هذه الأسواق ببضائع الغرب في الوقت الذي لا يسمح الغرب للبلاد المصدّرة للنفط مثلا أن تتجاوز في اقتصادها عامل تصدير النفط.

و بهذه الصورة ترتبط هذه البلاد بالاستعمار من خلال العامل الاقتصادي. و هكذا تمكّن الغرب أن يبسط نفوذه في هذه البلاد من خلال السيطرة على الأسواق التجارية.

و من اسس هذه النظرية الاستعمارية الجديدة التخطيط لبسط نفوذ الدول الكبرى في العالم الثالث من خلال الأنظمة الحاكمة فيه، و ربط هذه الأنظمة بجملتها، و تمكينها من رقاب الناس و دمائهم و أعراضهم، و أموالهم، و إطلاق أيديهم في حياة الناس بصورة رهيبة.


صفحه 39

و في ضوء هذه النظرية الاستعمارية الجديدة ولدت في العالم الثالث أنظمة سياسية ذات طابع إرهابي، تحكم بالاستبداد السياسي، و تحكم قبضتها بالإرهاب، و تمارس التضليل السياسي و الإفساد الحضاري و الإرهاب على نطاق واسع.

و تتبنّى الدول الكبرى هذه الأنظمة بشكل واسع، تدعمها و تحتضنها، كما تهيّئ لها ظروف الوصول إلى الحكم أحيانا.

فنظام (اسرة پهلوي) في إيران و نظام (حزب البعث) في العراق، و نظام (جمال عبد الناصر) في مصر، و نظام (أبو رقيبة) في تونس، و الأنظمة المتعاقبة على الحكم في تركيا؛ من أبرز هذه النماذج، كما أنّ النظام الشيوعي في أفغانستان كان امتدادا لنفس النظرية، و لكن من طرف الاتّحاد السوفيتي (سابقا) و ليس من ناحية الغرب.

و لمّا كانت هذه الأنظمة تحكم بالإرهاب و الاستبداد، و لم تكن نابعة من وسط الجمهور و إرادته، و لم يكن لها جذور و عمق في الامّة ... فإنّها تضطرّ لكي تحتفظ بنفوذها و سلطانها إلى أن تكسب دعم الدول الكبرى و تحافظ عليه، و لكي تكسب دعم هذه الدول أو تحافظ عليه تضطرّ لأن تنفّذ إرادة هذه الدول بشكل واسع. فهي تأتي إلى الحكم على مركب النفوذ الأجنبي و تضطرّ أن تبقى وفيّة لهذا المركب إلى الأخير.

إذن هذه الأنظمة تحتاج في وصولها إلى الحكم و في بقائها في الحكم إلى نفوذ الدول الكبرى، فهي تحتاج إلى دعم الدول الكبرى المادّي، كالمنح المالية و السلف، و تحتاج إلى دعمها السياسي و العسكري في الصراعات السياسية و التي تؤدّي أحيانا إلى حروب عسكرية، و تحتاج إلى دعمها الأمني‌


صفحه 40

لكشف المؤامرات و إخماد الثورات و الانتفاضات الداخلية، و تحتاج إلى دعمها الإعلامي في الأوساط السياسية.

و من العجب أنّ هذا الدعم يؤدّي أحيانا إلى المزيد من اعتماد هذه الأنظمة على الدول الكبرى، و ارتباطها بها في السلف و القروض الربوية الكبيرة التي تربط مصير هذه الأنظمة من الناحية الاقتصادية بعجلة الأنظمة الكبرى.

كما أنّ الدول الكبرى تحتاج في مدّ نفوذها إلى العالم الثالث و في استمرار نفوذها إلى هذه الأنظمة.

و هذه هي أساس العلاقة العضوية و القرابة المشئومة القائمة بين هذه الأنظمة و الدول الاستعمارية الكبرى.

و ضمن هذه الآليّة تمدّ هذه الدول نفوذها إلى العالم الإسلامي، و تستخدم هذه الأنظمة في المهام الصعبة كما تستخدم العتلة في رفع الأثقال الكبيرة بسهولة و راحة.

فلم يكن بإمكان (أمريكا) و (إسرائيل) أن تقوما بإزالة الحواجز الضخمة بين العرب و الكيان الصهيوني في فلسطين، و تطبيع العلاقات بين العالم العربي و هذا الكيان، على الصعيد الرسمي على أقل التقادير، لو لا (أنور السادات) الذي تبرّع للغرب بتذليل هذه المهمّة، و السفر إلى فلسطين، و اللقاء بزعماء الكيان الصهيوني في القدس، و الوصول إلى تفاهم عربي- أمريكي- إسرائيلي مشترك في (كمب ديفيد).

إنّ دور أنور السادات في هذه المهمّة هو تماما دور العتلة التي تقوم برفع الأثقال الكبيرة بجهد خفيف.


صفحه 41

إنّ حكّام العالم الثالث[1]يؤدّون هذه الخدمة الكبيرة إلى الدول الكبرى بكل رضى في مقابل بقائهم في الحكم. فإذا استنفذت الدول الكبرى أغراضها من هذه الأنظمة و استنفذت كل إمكاناتها و احترقت أوراق هذه الأنظمة بشكل كامل، استبدلتها بغيرها من خلال مؤامرة عسكرية يخطّط لها الغرب، و ينفذها قادة عسكريون ابتغاء الوصول إلى المال و السلطان و النفوذ.

و قد واجه علماؤنا هذه المؤامرة الأخيرة، و دخلوا معها في صراع رهيب، و طالت محنتهم و عذابهم بها، و طارد الحكّام علماء الإسلام المناهضين لهم في كل رقعة، في ايران و العراق و مصر و الجزائر و تركيا و سوريا و لبنان و أفغانستان و الهند و السودان، و أذاقوهم ألوان العذاب، و قتلوا منهم الآلاف و عذّبوا و سجنوا أضعاف ذلك. و استخدموا كل إمكاناتهم في استئصالهم و عزلهم عن ساحة الحياة.

و لكن هذه المحنة لم تتمكّن من إخماد صرخة علماء المسلمين في مواجهة الحكّام الظالمين و أجهزتهم القمعية الرهيبة. و على عكس ما كان يريده هؤلاء الحكام من عزل العلماء عن الجمهور. كانت هذه الأعمال التعسفية و القمعية تزيد من تعلّق الجمهور بالعلماء، بل إنّ قيمة العالم و مكانته الاجتماعية كانت ترتبط و تتناسب عند الناس بمقدار جهاده للحكام الظالمين، و بالعكس، تهبط على قدر ارتباطهم و اتصالهم بهم.

و لو أردنا أن نستعرض شرحا بأسماء و جهاد علماء الإسلام في تاريخنا السياسي المعاصر لطال الحديث و تطلّب الأمر مجلّدات من البحث في هذا التاريخ.

[1]مصطلح العالم الثالث يصحّ سياسيا قبل سقوط الاتّحاد السوفيتي.


صفحه 42

هذه هي خلاصة غير وافية عن المؤامرات الثلاثة على العالم الإسلامي ... و قد نفّذت هذه المؤامرات بشكل دقيق و وفق اصول علمية مدروسة و بإمكانات ضخمة. و لو لا الجهود الكبيرة التي بذلتها جماهير هذه الامّة بقيادة علمائها ضدّ هذا التيّار لكان لهذا التيّار شأن آخر في حياتنا السياسية و الحضارية و العقائدية اليوم، و لكن الأدوار الكبيرة التي قام بها العلماء و المخلصون من أبناء هذه الامّة أوقفت الزحف المادّي من ناحية الغرب و الشرق، و صدّته و أجبرته على التراجع من كثير من بلاد المسلمين.


صفحه 43

الخصائص النفسية و الموقع الاجتماعي للعلماء

العالم الديني صاحب اختصاص بالتأكيد. و هذا الاختصاص هو في علوم الشريعة، و له ما لسائر أصحاب الاختصاص من حقوق و آثار و مسئوليات. إلّا أنّ هذا الاختصاص يختلف عن غيره من الاختصاصات.

العلم و العمل:

إنّ هذا الاختصاص يتطلّب من صاحبه أن يتجسّد فيه العلم إلى سلوك و حركة بشكل واضح و كامل. و من غير أن تتحوّل هذه المعرفة إلى سلوك لا يكون لهذه المعرفة قيمة كبيرة عند اللّه. فإنّ العلم إذا رسخ في نفس الإنسان يخلق في نفسه شفّافية و نورا، و لهذه الشفّافية و هذا النور آثار واسعة في حياة الإنسان.

و العلم يفتح منافذ القلب، و يخرج الإنسان من حالة الانغلاق و يوسّع افق الإنسان و يمنحه الإحساس بالمسئولية تجاه الآخرين، و يحسّس‌