بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 38

و التصدّي لها.

فقد قاوم علماء العراق من مثل الشيخ محمّد تقي الشيرازي و السيد محمّد سعيد الحبوبي و شيخ الشريعة الاحتلال الإنكليزي مرّتين في سنة 1912 م و في سنة 1920 م ممّا اضطرّ الإنكليز في النهاية أن يستبدلوا طريقة بسط نفوذهم في العراق من الاحتلال العسكري إلى اسلوب جديد هو (مشروع الاستعمار الجديد).

مشروع الاستعمار الجديد:

و هذه نظرية سياسية جديدة للغرب في بسط نفوذه في الشرق، و تعتمد هذه النظرية مجموعة من الاسس الاقتصادية و السياسية مثل السيطرة على الأسواق، و فرض نظام العامل الواحد في الإنتاج و التصدير على البلاد المستعمرة، و ربط هذه البلاد بأقطاب الاستعمار من خلال احتياجات السوق الكثيرة، و إغراق هذه الأسواق ببضائع الغرب في الوقت الذي لا يسمح الغرب للبلاد المصدّرة للنفط مثلا أن تتجاوز في اقتصادها عامل تصدير النفط.

و بهذه الصورة ترتبط هذه البلاد بالاستعمار من خلال العامل الاقتصادي. و هكذا تمكّن الغرب أن يبسط نفوذه في هذه البلاد من خلال السيطرة على الأسواق التجارية.

و من اسس هذه النظرية الاستعمارية الجديدة التخطيط لبسط نفوذ الدول الكبرى في العالم الثالث من خلال الأنظمة الحاكمة فيه، و ربط هذه الأنظمة بجملتها، و تمكينها من رقاب الناس و دمائهم و أعراضهم، و أموالهم، و إطلاق أيديهم في حياة الناس بصورة رهيبة.


صفحه 39

و في ضوء هذه النظرية الاستعمارية الجديدة ولدت في العالم الثالث أنظمة سياسية ذات طابع إرهابي، تحكم بالاستبداد السياسي، و تحكم قبضتها بالإرهاب، و تمارس التضليل السياسي و الإفساد الحضاري و الإرهاب على نطاق واسع.

و تتبنّى الدول الكبرى هذه الأنظمة بشكل واسع، تدعمها و تحتضنها، كما تهيّئ لها ظروف الوصول إلى الحكم أحيانا.

فنظام (اسرة پهلوي) في إيران و نظام (حزب البعث) في العراق، و نظام (جمال عبد الناصر) في مصر، و نظام (أبو رقيبة) في تونس، و الأنظمة المتعاقبة على الحكم في تركيا؛ من أبرز هذه النماذج، كما أنّ النظام الشيوعي في أفغانستان كان امتدادا لنفس النظرية، و لكن من طرف الاتّحاد السوفيتي (سابقا) و ليس من ناحية الغرب.

و لمّا كانت هذه الأنظمة تحكم بالإرهاب و الاستبداد، و لم تكن نابعة من وسط الجمهور و إرادته، و لم يكن لها جذور و عمق في الامّة ... فإنّها تضطرّ لكي تحتفظ بنفوذها و سلطانها إلى أن تكسب دعم الدول الكبرى و تحافظ عليه، و لكي تكسب دعم هذه الدول أو تحافظ عليه تضطرّ لأن تنفّذ إرادة هذه الدول بشكل واسع. فهي تأتي إلى الحكم على مركب النفوذ الأجنبي و تضطرّ أن تبقى وفيّة لهذا المركب إلى الأخير.

إذن هذه الأنظمة تحتاج في وصولها إلى الحكم و في بقائها في الحكم إلى نفوذ الدول الكبرى، فهي تحتاج إلى دعم الدول الكبرى المادّي، كالمنح المالية و السلف، و تحتاج إلى دعمها السياسي و العسكري في الصراعات السياسية و التي تؤدّي أحيانا إلى حروب عسكرية، و تحتاج إلى دعمها الأمني‌


صفحه 40

لكشف المؤامرات و إخماد الثورات و الانتفاضات الداخلية، و تحتاج إلى دعمها الإعلامي في الأوساط السياسية.

و من العجب أنّ هذا الدعم يؤدّي أحيانا إلى المزيد من اعتماد هذه الأنظمة على الدول الكبرى، و ارتباطها بها في السلف و القروض الربوية الكبيرة التي تربط مصير هذه الأنظمة من الناحية الاقتصادية بعجلة الأنظمة الكبرى.

كما أنّ الدول الكبرى تحتاج في مدّ نفوذها إلى العالم الثالث و في استمرار نفوذها إلى هذه الأنظمة.

و هذه هي أساس العلاقة العضوية و القرابة المشئومة القائمة بين هذه الأنظمة و الدول الاستعمارية الكبرى.

و ضمن هذه الآليّة تمدّ هذه الدول نفوذها إلى العالم الإسلامي، و تستخدم هذه الأنظمة في المهام الصعبة كما تستخدم العتلة في رفع الأثقال الكبيرة بسهولة و راحة.

فلم يكن بإمكان (أمريكا) و (إسرائيل) أن تقوما بإزالة الحواجز الضخمة بين العرب و الكيان الصهيوني في فلسطين، و تطبيع العلاقات بين العالم العربي و هذا الكيان، على الصعيد الرسمي على أقل التقادير، لو لا (أنور السادات) الذي تبرّع للغرب بتذليل هذه المهمّة، و السفر إلى فلسطين، و اللقاء بزعماء الكيان الصهيوني في القدس، و الوصول إلى تفاهم عربي- أمريكي- إسرائيلي مشترك في (كمب ديفيد).

إنّ دور أنور السادات في هذه المهمّة هو تماما دور العتلة التي تقوم برفع الأثقال الكبيرة بجهد خفيف.


صفحه 41

إنّ حكّام العالم الثالث[1]يؤدّون هذه الخدمة الكبيرة إلى الدول الكبرى بكل رضى في مقابل بقائهم في الحكم. فإذا استنفذت الدول الكبرى أغراضها من هذه الأنظمة و استنفذت كل إمكاناتها و احترقت أوراق هذه الأنظمة بشكل كامل، استبدلتها بغيرها من خلال مؤامرة عسكرية يخطّط لها الغرب، و ينفذها قادة عسكريون ابتغاء الوصول إلى المال و السلطان و النفوذ.

و قد واجه علماؤنا هذه المؤامرة الأخيرة، و دخلوا معها في صراع رهيب، و طالت محنتهم و عذابهم بها، و طارد الحكّام علماء الإسلام المناهضين لهم في كل رقعة، في ايران و العراق و مصر و الجزائر و تركيا و سوريا و لبنان و أفغانستان و الهند و السودان، و أذاقوهم ألوان العذاب، و قتلوا منهم الآلاف و عذّبوا و سجنوا أضعاف ذلك. و استخدموا كل إمكاناتهم في استئصالهم و عزلهم عن ساحة الحياة.

و لكن هذه المحنة لم تتمكّن من إخماد صرخة علماء المسلمين في مواجهة الحكّام الظالمين و أجهزتهم القمعية الرهيبة. و على عكس ما كان يريده هؤلاء الحكام من عزل العلماء عن الجمهور. كانت هذه الأعمال التعسفية و القمعية تزيد من تعلّق الجمهور بالعلماء، بل إنّ قيمة العالم و مكانته الاجتماعية كانت ترتبط و تتناسب عند الناس بمقدار جهاده للحكام الظالمين، و بالعكس، تهبط على قدر ارتباطهم و اتصالهم بهم.

و لو أردنا أن نستعرض شرحا بأسماء و جهاد علماء الإسلام في تاريخنا السياسي المعاصر لطال الحديث و تطلّب الأمر مجلّدات من البحث في هذا التاريخ.

[1]مصطلح العالم الثالث يصحّ سياسيا قبل سقوط الاتّحاد السوفيتي.


صفحه 42

هذه هي خلاصة غير وافية عن المؤامرات الثلاثة على العالم الإسلامي ... و قد نفّذت هذه المؤامرات بشكل دقيق و وفق اصول علمية مدروسة و بإمكانات ضخمة. و لو لا الجهود الكبيرة التي بذلتها جماهير هذه الامّة بقيادة علمائها ضدّ هذا التيّار لكان لهذا التيّار شأن آخر في حياتنا السياسية و الحضارية و العقائدية اليوم، و لكن الأدوار الكبيرة التي قام بها العلماء و المخلصون من أبناء هذه الامّة أوقفت الزحف المادّي من ناحية الغرب و الشرق، و صدّته و أجبرته على التراجع من كثير من بلاد المسلمين.


صفحه 43

الخصائص النفسية و الموقع الاجتماعي للعلماء

العالم الديني صاحب اختصاص بالتأكيد. و هذا الاختصاص هو في علوم الشريعة، و له ما لسائر أصحاب الاختصاص من حقوق و آثار و مسئوليات. إلّا أنّ هذا الاختصاص يختلف عن غيره من الاختصاصات.

العلم و العمل:

إنّ هذا الاختصاص يتطلّب من صاحبه أن يتجسّد فيه العلم إلى سلوك و حركة بشكل واضح و كامل. و من غير أن تتحوّل هذه المعرفة إلى سلوك لا يكون لهذه المعرفة قيمة كبيرة عند اللّه. فإنّ العلم إذا رسخ في نفس الإنسان يخلق في نفسه شفّافية و نورا، و لهذه الشفّافية و هذا النور آثار واسعة في حياة الإنسان.

و العلم يفتح منافذ القلب، و يخرج الإنسان من حالة الانغلاق و يوسّع افق الإنسان و يمنحه الإحساس بالمسئولية تجاه الآخرين، و يحسّس‌


صفحه 44

الإنسان بآلام الآخرين و همومهم، و يلطّف إحساسه و شعوره، و يمكّنه من تلقّي هموم الآخرين و معاناتهم.

و قد وردت في ذلك نصوص إسلامية، و نحن فيما يلي نشير إلى طائفة من خصائص العلم من خلال النصوص الإسلامية:

العلم و الخشية:

يقول تعالى:إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ[1].

و هذه الآية تحصر الخشية من اللّه في العلماء، و بقدر ما يكون العلم تكون الخشية من اللّه تعالى.

و العلم الذي لا ينتج خشية من اللّه تعالى لا يكون من العلم الذي يجعل من صاحبه عالما، و إنّما هو تراكم من المعلومات.

يقول تعالى:وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ[2].

و هذه الآية الكريمة تجعل الإيمان و الإخبات من لوازم العلم.

روي عن الإمام الصادق7قوله: «الخشية ميراث العلم، و من حرم الخشية لا يكون عالما و إن شقّ الشعر في متشابهات العلم»[3].

فالعلم الحقّ هو الذي يورث صاحبه الخشية، و أما ما لا يورث صاحبه‌

[1]فاطر: 28.

[2]الحجّ: 39.

[3]بحار الأنوار: 2/ 52.


صفحه 45

الخشية فليس من العلم، و إن شقّ صاحبه الشعر في دقة النظر.

و في القرآن نجد حصرين اثنين:

حصر الخوف من اللّه تعالى و الإخبات له في العلماء، فلا يخشى اللّه تعالى حقّ خشيته أحد غير العلماء، و كلّ يخشى اللّه تعالى على قدر علمه، و اختلاف الناس في الخشية من اللّه ينشأ من اختلاف درجاتهم في العلم، كما أنّ اختلاف درجات الناس في الإخبات ينشأ من اختلافهم في درجات العلم.

و هذا أحد الحصرين في القرآن.

و الحصر الآخر في القرآن هو حصر الخوف في العالم من اللّه تعالى فقط، فإنّ العالم يخشى اللّه تعالى فقط و لا يخشى أحدا إلّا اللّه. يقول تعالى:

الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسٰالٰاتِ اللّٰهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لٰا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللّٰهَ وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ حَسِيباً[1].

و بموجب هذا الحصر لا يخشى العالم أحدا إلّا اللّه تعالى.

و الآية الكريمة و إن كانت لا تضيف الخشية إلى العلماء و لكنها تضيفها إلى الذين يبلّغون رسالات اللّه، و لا يبلّغ رسالات اللّه إلّا من كان عالما بها.

فالعلم إذن ذو خاصيّة غريبة من نوعه: إنّه يبعث الخشية في نفس صاحبه، و ينفي الخوف من نفس صاحبه في نفس الوقت.

و الثاني يتبع الأول، و الأول ينبعث من العلم. فلا يتحرر الإنسان من الخوف من غير اللّه إلّا إذا تأكد الخوف من اللّه تعالى في نفسه، و لا يتأكد‌

[1]الأحزاب: 39.