و مقلّدون في امور اخر.
و كذلك كلّ إنسان يخضع في جزء من سلوكه لإدراك تفصيلي نابع عن دراسة أو تجربة، و في جزء آخر من سلوكه يأخذ برأي المختصّين و ذوي الخبرة. و هذا هو- بالإجمال- معنى كل من الاجتهاد و التقليد و الفارق بينهما.
ثالثا: إنّ المقلد يرجع في أمر التقليد إلى نهج استدلالي واضح في الرجوع إلى ذوي الاختصاص، و لا يمكن أن يكون مقلّدا في هذه المسألة أيضا، و هذه هي المسألة المعروفة في التقليد: إنّ التقليد لا يجوز في مسألة التقليد، و إنّ الإنسان لا بدّ و أن يكون مجتهدا في التقليد.
الاجتهاد في الفقه:
و علم الشريعة ليس بدعا من العلوم و المعارف البشريّة. و لا يمكن أن يكون الناس كلّهم مجتهدين فيه، و لا محالة ينقسم الناس في أمر الشريعة إلى طائفتين عامّة و خاصّة:
و العامّة من الناس هم الذين لا يحسنون فهم الحكم الشرعي بمراجعة مصادر الشريعة و اصولها، و هؤلاء هم المقلّدون ...
و الخاصّة من الناس هم الذين تؤهّلهم دراستهم و ممارستهم العلمية لفهم الحكم الشرعي و استخراجه من أدلّته و مصادره الشرعية، و هؤلاء هم المجتهدون ذوو الاختصاص في علم الفقه ..
و لا يتيسّر لكل الناس أن يفهموا هذا الفقه فهما تفصيليا لما يستتبعه من دراسة، و تخصّص في هذه الدراسة، و إلمام بكثير من العلوم التي تتّصل بهذا العلم.
و من الطبيعي أنّ من غير الممكن أن يتفرّغ الناس جميعا لدراسة الفقه و التخصّص فيه. فلو أنّ المسلمين انصرفوا كلّهم إلى هذا العلم لانصرفوا عن غير ذلك من متطلّبات الحياة و ضروراتها، و اختلّت الحياة الاجتماعية ..
فلا بدّ إذن من أن يتفرّغ طائفة من كلّ فرقة من المؤمنين للتخصّص في هذا العلم، لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، و ليبيّنوا لهم أحكام اللّه و حدوده و شرائعه.
و لا بدّ أيضا أن ينصرف سائر الناس إلى ما يهمّهم من امور حياتهم:
وَ مٰا كٰانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[1]
و لا بدّ لعامّة الناس أيضا أن يسألوا هؤلاء الفقهاء عن حدود اللّه و شرائعه و دينه، كما يرجع أيّ جاهل إلى العالم فيما يهمّه من أمر حياته، و كذا هي سنّة الحياة:
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ[2].
[1]التوبة: 122.
[2]النحل: 43.
مدارس الاجتهاد في تاريخ الفقه الإسلامي
نشوء الاجتهاد:
يختلف تاريخ نشوء الاجتهاد و ظهوره عند فقهاء مدرسة أهل البيت عن فقهاء أهل السنّة، فعند أهل السنّة يبدأ تاريخ الاجتهاد من حين وفاة النبي6، حيث بدأ المسلمون يواجهون حالات كثيرة لم ترد فيها نصوص من الكتاب أو السنّة، و لا سيّما بعد ما توسّعت الحياة الاجتماعية لدى المسلمين، و توسّعت رقعة الوطن الإسلامي، و اتّصل المسلمون بحضارات و مدنيّات كثيرة، و ظهرت مسائل جديدة لم يكن لها أثر من قبل، و لم يرد فيها نصّ من الشارع، و هذا ما دعا المسلمين للتفكير في حكم هذه المسائل، و ما ينبغي أن يتّخذ إزاء ذلك من موقف.
و فيما حدث أيّام أبي بكر و أيّام عمر ما يكفي للدّلالة على أنّ المسلمين
بدءوا يفكّرون في حكم ما استجدّ في حياتهم من مسائل بعد وفاة النبي6مباشرة، و يرى بعض المؤرّخين للفقه الإسلامي أنّ تاريخ الاجتهاد يبدأ من حياة النبي6حيث أقرّ معاذا في اجتهاد رأيه، و نحن سوف نذكر رأينا في حديث معاذ فيما يأتي من هذا البحث قريبا.
و أمّا الشيعة- و نقصد بهذه الكلمة الشيعة الإمامية بصورة خاصّة- فيختلف الأمر لديهم كثيراً حيث إنّ أهل البيت:، عندهم يمثّلون امتداداً تشريعيّاً و قياديّاً لرسالة النبي6، و يعتبرون عدلا للقرآن الكريم، كما ورد ذلك فيما استفاض من النبي6من حديث الثّقلين: (الكتاب و العترة)[1].
و حديث أئمة أهل البيت:، لا يختلف في نظرهم عن حديث النبي6شيئا، فهم لا يتحدّثون فيما يتعلّق بالدين، إلّا ما حدّثهم النبي6، و فتح عليهم علمه و رووا عنه، و لا تزيد أحاديثهم على الرواية عن رسول اللّه6.
[1]فقد استفاض النقل عن النبي6: «إنّي تارك فيكم الثّقلين، كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا، ألا و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» رواه من الشيعة جمع غفير من المحدّثين، كما رواه من السنّة جمع من المحدّثين نذكر منهم أحمد في مسنده: 3/ 17، 59 و 4/ 367 و 5/ 182، 189، و رواه مسلم في الصحيح في فضائل علي7، و الحاكم في المستدرك: 3/ 118، ح 4576، و ابن حجر في الصواعق، و الطبري في ذخائر العقبى. و الحديث صريح في أنّ حديث أهل البيت:عدل للكتاب الكريم و حجّة على المسلمين في أحكامهم و أعمالهم، كما أنّ كتاب اللّه حجّة: «ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي ...».
كما أنّ الحديث صريح في عصمة أئمة أهل البيت:فيما يقولون و فيما يتحدّثون و فيما يعملون. و للمزيد من الاطّلاع راجع كتاب (الثّقلان) للشيخ محمد حسين المظفّر، و كتاب (الاصول العامة للفقه المقارن) للسيّد محمد تقي الحكيم.
و عليه فلا مبرّر للاجتهاد في عصر أئمة أهل البيت:، و إنّما اكتسب الاجتهاد مبرّرات وجوده عند الشيعة الإمامية بعد غيبة الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت:.
على أنّ من الحقّ أن يقال إنّ بدايات ظهور الاجتهاد و كيفية معالجة الأحاديث و استعمال القواعد و الأصول، قد ظهرت في عصر الأئمة و بإرشاد و توجيه منهم، و ذلك في كيفية استنباط الحكم الشرعي مباشرة من القرآن الكريم أو في التوسعة على الناس بالبراءة من التكليف المحتمل فيما لم يرد فيه بيان من الشارع، و في جريان الاستصحاب في الموضوعات التي لها حالات سابقة متيقّنة و يشك المكلّف فيها بعد ذلك.
كما وردت توجيهات خاصّة منهم:بمعالجة ما يردهم من أحاديث متعارضة من حيث المدلول. فقد كان عدم استيعاب الرواة و عدم حفظهم للرّواية بصورة دقيقة أحيانا يؤدّي إلى ظهور معارضات فيما يرد المسلمين من أحاديث عن أهل البيت:، كما كانت الظروف القلقة التي تحيط بهم:، و مراقبة السلطة لهم، كل ذلك كان يؤدّي إلى ظهور أحاديث متعارضة، و كان لا بدّ من إعطاء قواعد و توجيهات لمعالجة هذه الأحاديث المتعارضة.
إلّا أنّ الاجتهاد عند الشيعة كمدرسة ذات ملامح واضحة لم يظهر إلّا بعد غيبة الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت (عجّل اللّه فرجه)، حيث مسّت الحاجة إلى ذلك. و أمّا قبل ذلك فكانوا يسألون الأئمة:فيما تعرض لهم من حاجة أو يكاتبونهم أو يسألون الموثوقين من أصحابهم.
مدارس الاجتهاد:
كان الاجتهاد ضرورة في حياة المسلمين منذ أن انقطع الوحي من
حياة المسلمين، و انقطع حديث أهل البيت:بعد غيبة الإمام الثاني عشر (عجّل اللّه فرجه).
و كان لا بدّ أن يلتجئ المسلمون إلى الاجتهاد فيما يجدّ في حياتهم من مسائل، و فيما تعرض عليهم من أحوال لا يعرفون الحكم الشرعي فيها.
و من هنا كان ظهور الاجتهاد ضرورة في حياة المسلمين .. فظهر الاجتهاد في شكل حركة فقهيّة واسعة الأطراف و قويّة .. و كان من الطبيعي أن يظهر في هذه الحركة اتجاهات و مذاهب مختلفة على امتداد التاريخ الإسلامي.
و من الطبيعي كذلك أنّ هذه الحركة لم تسلم في بعض فتراتها، و في بعض اتجاهاتها من الخطأ و الانحراف أحيانا.
و لا بدّ و نحن نتحدّث عن الاجتهاد أن نستعرض هذه المذاهب، و نلقي عليها بعض الضّوء لنعرف نقاط الضّعف و القوّة فيها، و لنجد المذهب السليم فيها.
و فيما يلي نستعرض أهم مذاهب الاجتهاد في الفقه الإسلامي على امتداد التاريخ الإسلامي بشكل موجز، يتناسب و حجم هذه الرسالة.
مدارس الاجتهاد في الفقه الإسلامي:
لا يستطيع الباحث أن يلم بتاريخ الاجتهاد في الفقه الإسلامي. و يتعرّف على العوامل و المؤثرات التي أدت إلى تطويره و تغييره من شكله و صياغته الاولى أيام الصحابة و التابعين إلى شكله الحاضر ... دون أن يتعرف على المدارس التي ظهرت في الاجتهاد، على امتداد تاريخ الفقه الإسلامي، و ما
تركته من آثار في الفقه الإسلامي من الناحية الصياغية و الاستنباطية.
و لذلك فإنّ عرض هذه المدارس على صعيد البحث العلمي عرضا موضوعيّا، و نقد الاتجاهات التي ظهرت خلال التاريخ الإسلامي يسهّل لنا مهمتنا كثيرا كمؤرخين و باحثين في الفقه الإسلامي في معرفة تاريخ هذا الفقه و مراحل تطوره و تدرّجه من أيامه الأولى إلى الوقت الحاضر.
و من جهة ثانية لا يستغني الباحث عن تاريخ مدرسة فقهية بالذات و تطوره ضمن المراحل الزمنية ... أن يدرس المدارس الفقهية التي كانت تعاصر هذه المدرسة و التي كانت تختلف عنها في الاتجاه اختلافا كليّا أو اختلافا يسيرا ... حتى يتّضح موقع المدرسة المقصودة بالبحث من سائر المدارس، و ما جدّدت هذه المدرسة في تاريخ الفقه الإسلامي من جديد في عالم الاجتهاد و الفقاهة، و ما قدّمت من خدمة للفقهاء في الاجتهاد و الاستنباط.
و هذه المهمة الثنائية التي يتوقف تذليلها على دراسة مدارس الاجتهاد في تاريخ الفقه الإسلامي هي التي حدت بنا إلى هذه الدراسة الموجزة عن مدارس الاجتهاد في الفقه، لعلّنا نتعرّف على تاريخ الفقه بصورة عامة أولا، ثمّ نتعرّف ثانيا على تاريخ الاجتهاد عند الشيعة الإمامية، و على موضع هذه المدرسة الفقهية عن سائر المدارس الفقهية التي عاصرتها، و التي كانت تختلف عنها في الاجتهاد اختلافا كثيرا أو يسيرا، و ذلك من خلال استعراض سريع لكبريات المدارس التي ظهرت خلال التاريخ الإسلامي، تمهيدا للبحث عن المدرسة التي تبنّتها الشيعة في الاجتهاد، و موقع هذه المدرسة من مدارس الاجتهاد الإسلامي الاخرى.
1- مدرسة الرأي
لم يمض وقت طويل على وفاة النبي6حتى ظهر اتجاه جديد في الفتوى و القضاء بين المسلمين عرف فيما بعد ب (الرأي) و كان له الأثر البعيد في تاريخ الحياة العقلية الإسلامية.
و ذلك أنّ الحياة الاجتماعية تطوّرت سريعا بالمسلمين، و واجه المسلمون و لا سيما القائمين بالحكم منهم حاجات جديدة و مسائل جديدة لم تعرض لهم من قبل أيام النبي6، و لم يجدوا فيما بين أيديهم من النصوص التي يحفظونها عن النبي6ما ينصّ على حكم ذلك.
و كان النبي6قد أعدّ لهذه الحالة من قبل، فجعل أهل البيت:عدلا للكتاب الكريم، و كلّف الامّة بالرجوع إليهم فيما يهمّهم من شئون الدنيا و الآخرة في حديث الثقلين المستفيض، و في أكثر من موقف.
إلّا أنّ هذا الذي أراده رسول اللّه6لم يتحقق في حياة المسلمين إلّا على صعيد محدود، و أبعدت العوامل السياسية أهل البيت:عن موقعهم الذي جعله اللّه تعالى لهم في الإمامة و الفتوى في حياة المسلمين.
فلم يجد المسلمون أو المعنيون بشئون الحكم و الفتوى منهم غير الالتجاء إلى (الرأي) فيما لا نصّ فيه من المسائل التي تطرأ في حياتهم.
و في ذلك يقول الشهرستاني: نعلم قطعا أنّ الحوادث و الوقائع في العبادات و التصرفات مما لا يقبل الحصر و العد، و نعلم قطعا أنّه لم يرد في كل حادثة نص، و لا يتصور ذلك أيضا، و النصوص إذا كانت متناهية و الوقائع غير متناهية .. و ما يتناهى لا يضبطه ما لا يتناهى، علم قطعا أنّ الاجتهاد