بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 62

حياة المسلمين، و انقطع حديث أهل البيت:بعد غيبة الإمام الثاني عشر (عجّل اللّه فرجه).

و كان لا بدّ أن يلتجئ المسلمون إلى الاجتهاد فيما يجدّ في حياتهم من مسائل، و فيما تعرض عليهم من أحوال لا يعرفون الحكم الشرعي فيها.

و من هنا كان ظهور الاجتهاد ضرورة في حياة المسلمين .. فظهر الاجتهاد في شكل حركة فقهيّة واسعة الأطراف و قويّة .. و كان من الطبيعي أن يظهر في هذه الحركة اتجاهات و مذاهب مختلفة على امتداد التاريخ الإسلامي.

و من الطبيعي كذلك أنّ هذه الحركة لم تسلم في بعض فتراتها، و في بعض اتجاهاتها من الخطأ و الانحراف أحيانا.

و لا بدّ و نحن نتحدّث عن الاجتهاد أن نستعرض هذه المذاهب، و نلقي عليها بعض الضّوء لنعرف نقاط الضّعف و القوّة فيها، و لنجد المذهب السليم فيها.

و فيما يلي نستعرض أهم مذاهب الاجتهاد في الفقه الإسلامي على امتداد التاريخ الإسلامي بشكل موجز، يتناسب و حجم هذه الرسالة.

مدارس الاجتهاد في الفقه الإسلامي:

لا يستطيع الباحث أن يلم بتاريخ الاجتهاد في الفقه الإسلامي. و يتعرّف على العوامل و المؤثرات التي أدت إلى تطويره و تغييره من شكله و صياغته الاولى أيام الصحابة و التابعين إلى شكله الحاضر ... دون أن يتعرف على المدارس التي ظهرت في الاجتهاد، على امتداد تاريخ الفقه الإسلامي، و ما‌


صفحه 63

تركته من آثار في الفقه الإسلامي من الناحية الصياغية و الاستنباطية.

و لذلك فإنّ عرض هذه المدارس على صعيد البحث العلمي عرضا موضوعيّا، و نقد الاتجاهات التي ظهرت خلال التاريخ الإسلامي يسهّل لنا مهمتنا كثيرا كمؤرخين و باحثين في الفقه الإسلامي في معرفة تاريخ هذا الفقه و مراحل تطوره و تدرّجه من أيامه الأولى إلى الوقت الحاضر.

و من جهة ثانية لا يستغني الباحث عن تاريخ مدرسة فقهية بالذات و تطوره ضمن المراحل الزمنية ... أن يدرس المدارس الفقهية التي كانت تعاصر هذه المدرسة و التي كانت تختلف عنها في الاتجاه اختلافا كليّا أو اختلافا يسيرا ... حتى يتّضح موقع المدرسة المقصودة بالبحث من سائر المدارس، و ما جدّدت هذه المدرسة في تاريخ الفقه الإسلامي من جديد في عالم الاجتهاد و الفقاهة، و ما قدّمت من خدمة للفقهاء في الاجتهاد و الاستنباط.

و هذه المهمة الثنائية التي يتوقف تذليلها على دراسة مدارس الاجتهاد في تاريخ الفقه الإسلامي هي التي حدت بنا إلى هذه الدراسة الموجزة عن مدارس الاجتهاد في الفقه، لعلّنا نتعرّف على تاريخ الفقه بصورة عامة أولا، ثمّ نتعرّف ثانيا على تاريخ الاجتهاد عند الشيعة الإمامية، و على موضع هذه المدرسة الفقهية عن سائر المدارس الفقهية التي عاصرتها، و التي كانت تختلف عنها في الاجتهاد اختلافا كثيرا أو يسيرا، و ذلك من خلال استعراض سريع لكبريات المدارس التي ظهرت خلال التاريخ الإسلامي، تمهيدا للبحث عن المدرسة التي تبنّتها الشيعة في الاجتهاد، و موقع هذه المدرسة من مدارس الاجتهاد الإسلامي الاخرى.


صفحه 64

1- مدرسة الرأي

لم يمض وقت طويل على وفاة النبي6حتى ظهر اتجاه جديد في الفتوى و القضاء بين المسلمين عرف فيما بعد ب‌ (الرأي) و كان له الأثر البعيد في تاريخ الحياة العقلية الإسلامية.

و ذلك أنّ الحياة الاجتماعية تطوّرت سريعا بالمسلمين، و واجه المسلمون و لا سيما القائمين بالحكم منهم حاجات جديدة و مسائل جديدة لم تعرض لهم من قبل أيام النبي6، و لم يجدوا فيما بين أيديهم من النصوص التي يحفظونها عن النبي6ما ينصّ على حكم ذلك.

و كان النبي6قد أعدّ لهذه الحالة من قبل، فجعل أهل البيت:عدلا للكتاب الكريم، و كلّف الامّة بالرجوع إليهم فيما يهمّهم من شئون الدنيا و الآخرة في حديث الثقلين المستفيض، و في أكثر من موقف.

إلّا أنّ هذا الذي أراده رسول اللّه6لم يتحقق في حياة المسلمين إلّا على صعيد محدود، و أبعدت العوامل السياسية أهل البيت:عن موقعهم الذي جعله اللّه تعالى لهم في الإمامة و الفتوى في حياة المسلمين.

فلم يجد المسلمون أو المعنيون بشئون الحكم و الفتوى منهم غير الالتجاء إلى (الرأي) فيما لا نصّ فيه من المسائل التي تطرأ في حياتهم.

و في ذلك يقول الشهرستاني: نعلم قطعا أنّ الحوادث و الوقائع في العبادات و التصرفات مما لا يقبل الحصر و العد، و نعلم قطعا أنّه لم يرد في كل حادثة نص، و لا يتصور ذلك أيضا، و النصوص إذا كانت متناهية و الوقائع غير متناهية .. و ما يتناهى لا يضبطه ما لا يتناهى، علم قطعا أنّ الاجتهاد‌


صفحه 65

و القياس واجب الاعتبار، حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد[1].

الرأي:

و لا نعرف على التحديد ما يراد من الرأي في كلمات الفقهاء فهل المقصود منه هو المعنى اللغوي، أم الرأي الشخصي، أم القياس و الاستحسان أم غير ذلك؟

فقد عرّفه ابن القيّم بقوله: ما يراه القلب بعد فكر و تأمل و طلب لمعرفة وجه الصواب[2].

و عرّفه غيره بالقياس أو الاستحسان أو غير ذلك.

كما عرّفه آخرون بالذوق الشخصي و النظر.

و مهما يكن من أمر فقد شاع استعمال هذه الكلمة و الالتجاء إليها بعد وفاة النبي6بشكل واسع، و ذلك كقول عمر بن الخطاب لكاتبه: قل هذا ما رأى عمر بن الخطاب، و قول عثمان بن عفان في الأمر بإفراد العمرة عن الحج: إنّما هو رأي رأيته، و وصية عمر لشريح حينما بعثه قاضيا: ما وجدته في كتاب اللّه فلا تسأل عنه أحدا، و ما لم تستبن في كتاب اللّه فالزم السنّة و إن لم يكن في السنّة فاجتهد رأيك[3].

و المعروف أنّ عمر بن الخطاب كان من أكثر الناس تحمسا لمذهب (الرأي) و دعوته إليه.

[1]الملل و النحل: 1/ 180.

[2]تاريخ التشريع الإسلامي: ص 94.

[3]نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي، علي حسن عبد القادر: ص 215.


صفحه 66

على أنّ من الحقّ أن نقول إنّ كلمة الرأي لم تحدّد تحديدا فنيا دقيقا في هذا العهد، و لم يقصد غالبا من استعمال الكلمة في هذا الصدد معنى دقيقا محددا كما حدث من بعد ذلك في العهد العباسي و بعده، حيث ازدهرت مدرسة الرأي في العراق، حتى بلغت ذروتها على يد أبي حنيفة و أتباعه، في قبال الحجاز التي كانت تفضّل أن تظل محافظة على المأثور من الحديث و اجتهادات الصحابة و التابعين من بعدهم.

أدلة القائلين بالرأي:

و هذه الأدلة كثيرة يكفي أن نشير إلى بعضها و نناقشها ليقف القارئ على نوعية الأدلة و الحجج التي يحتج بها ذووا الرأي على صحة مذهبهم.

فمن ذلك ما ذكروه من أنّ اللّه عزّ و جلّ أمر بإنفاذ الحكم بالشاهدين و اليمين و إنّما هذا غلبة الظن، إذ قد يكون الشهود كذبة أو مغفلين و تكون اليمين كاذبة[1]. و أورد عليهم ابن حزم في رسالته (إبطال القياس) بقوله:

و أما ما ذكروه من الأمر بالحكم بالشهود و اليمين، و لعلّ الشهود كاذبون أو مغفّلون، و اليمين كاذبة، و أنّ هذا إنّما هو على غلبة الظن. بل ما يحكم من ذلك إلّا بيقين الحق الذي أمرنا اللّه به: لا يمتري في ذلك مسلم، و لم يكلّفنا اللّه تعالى مراعاة الشهود في الكذب و الصدق و لا معرفة كذب اليمين أو صدقها فلو كان هذا غلبة الظن، و أعوذ باللّه من ذلك، لكنّا إذا اختصم إلينا مسلم فاضل، برّ، تقيّ، عدل، و نصراني مثلّث مشهور بالكذب على اللّه و على الناس، خليع ماجن، فادّعى المسلم عليه دينا، قلّ أو كثر، فأنكر النصراني،

[1]نظرة في تاريخ الفقه الإسلامي: ص 213.


صفحه 67

أو ادّعى النصراني و أنكر المسلم بدعواه؛ لأنّه- في أغلب الظن الذي يناطح اليقين- هو الصادق و النصراني هو الكاذب، لكن لا خلاف في أننا لا نفعل ذلك، بل نحكم بالبيّنة العادلة عندنا أو بيمين المدّعى عليه و نطرح الظن جملة[1].

و استدل له أيضا بحديث معاذ الذي رواه أحمد و أبو داود و الترمذي و غيرهم. قال: لمّا بعثه6إلى اليمن قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب اللّه. قال: فإن لم تجد في كتاب اللّه؟ قال: فبسنّة رسول اللّه. قال: فإن لم تجد في سنّة رسول اللّه و لا في كتاب اللّه؟ قال: أجتهد رأيي و لا آلو. قال: فضرب رسول اللّه6صدره، و قال: الحمد للّه الذي وفّق رسول اللّه لما يرضاه رسول اللّه»[2].

و الحديث صريح في إقرار رسول اللّه6لمعاذ في استعمال الرأي فيما إذا لم يجد نصّا في الكتاب أو السنّة لما عرض له من الأمر.

إلّا أنّ هذا الحديث لم يصح عن النبيّ6بطريق معتبر، و قد أورده الجوزقاني في الموضوعات، و لم يجد له طريقا معتبرا.

و شكّ باحثون آخرون في صحة إسناد هذا الحديث إلى النبي6من حيث المتن، حيث اشتملت الرواية على مصطلحات دقيقة تعتبر وليدة عصر ما بعد الصحابة، و هذا ما دعاهم إلى التشكيك في قيمة إسناد هذه الرواية إلى النبي6.

[1]إبطال القياس لابن حزم، و راجع أيضا الإحكام في اصول الأحكام: 7/ 373 و ما بعدها.

[2]إرشاد الفحول للشوكاني: ص 202.


صفحه 68

أصحاب الرأي و الاجتهاد:

و مهما تكن قيمة الأدلة التي يعرضها أصحاب الرأي للأخذ بالرأي في مجال الحكم و الإفتاء ... فإنّ مدرسة الرأي تميّزت منذ أول يوم، بعد وفاة النبي6بشي‌ء من الجرأة في إعطاء الحكم و الفتوى لم توجد في غير هذه المدرسة. و نماذج ذلك كثيرة فيما استحدثه الخليفة الثاني مما لم يكن للمسلمين به عهد أيام النبي6و أيام أبي بكر من تحريم المتعتين، و جمع الناس على إقامة صلاة التراويح جماعة، و منع سهم المؤلّفة قلوبهم، و غير ذلك من الموارد التي استحدثها الخليفة اعتمادا على رأيه[1].

موقف أصحاب الرأي من السنّة:

كما أنّ مدرسة الرأي تميّزت منذ أول يوم بقلّة الاهتمام بالسنّة و الاكتفاء بالرأي عن السنّة، و هذه ظاهرة تتميّز بها هذه المدرسة، و لا يصعب على الباحث أن يلمس ملامح منها خلال هذه الفترة التي نمت فيها مدرسة الرأي، على أن يلحظ في التماس ذلك تدرج المرحلة التي قطعتها هذه المدرسة حتى بلغت ذروتها على يد أبي حنيفة و أتباعه.

و أول ما يلفت النظر قول الخليفة الثاني بمحضر من رسول اللّه6أيام مرضه الذي توفّي فيه- حينما طلب إليهم أن يحضروا له كتفا و دواة ليكتب لهم ما لا يضلوا من بعده أبدا-: إنّ النبي قد غلب عليه الوجع، و عندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّه[2].

[1]يحسن لمن يريد تفصيلا أكثر، أن يراجع (الغدير) للشيخ الأميني و (النص و الاجتهاد) للسيد عبد الحسين شرف الدين.

[2]راجع صحيح البخاري: ج 114، 5345. و رواه أحمد في مسنده: 1/ 325.


صفحه 69

و روي عن أبي بكر أنّه جمع الناس بعد وفاة النبي6فقال: إنكم تحدّثون عن رسول اللّه أحاديث تختلفون فيها و الناس بعدكم أشد اختلافا فلا تحدّثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا و بينكم كتاب اللّه فاستحلّوا حلاله و حرّموا حرامه[1].

و روى عبد اللّه بن العلاء قال: سألت القاسم بن محمد أن يملي عليّ أحاديث، فقال: إنّ الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثمّ قال:

مثناة كمثناة أهل الكتاب[2]

. و روي عن عمر أنّه قال لمن سيّرهم إلى العراق: إنكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن و أقلّوا الرواية عن رسول اللّه و أنا شريككم[3]و روي أنّه حبس ثلاثة من الصحابة؛ لأنّهم أكثروا من الحديث عن رسول اللّه6[4].

و قد كان عمر بن الخطاب يعارض تدوين الحديث، و قد استشار فيه أصحاب رسول اللّه6، فأشار عليه عامتهم بذلك. فلبث شهرا يستخير اللّه في ذلك شاكّا فيه، ثمّ أصبح يوما فقال: إنّي كنت ذكرت لكم من كتابة السنن ما قد علمتم ثمّ تذكرت فإذا اناس من أهل الكتاب من قبلكم قد كتبوا مع كتاب‌

[1]تاريخ التشريع الإسلامي: ص 91- 92.

[2]الطبقات الكبرى لابن سعد: 5/ 188.

[3]تاريخ التشريع الإسلامي: ص 92.

[4]تذكرة الحفّاظ للذهبي 1/ 7.