بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 72

تاريخ الفقه بعد عصر أبي حنيفة.

موقف أهل البيت:من مدرسة الرأي:

و لا نحتاج إلى كثير من الجهد و البحث لنلمس موقف أهل البيت:من مدرسة الرأي في الاجتهاد. فقد وجد أهل البيت في هذه المدرسة جرأة على الفتوى و استنباط أحكام اللّه تعالى، كما وجدوا فيها تهاونا بالسنّة و الحديث؛ و لذلك وقف أئمة أهل البيت:منذ أول يوم موقف المعارض من مدرسة الرأي في الاجتهاد، و أبدوا رأيهم في هذه المدرسة في كثير من المناسبات دون أن يفرّقوا بين أقسام الرأي من قياس، أو استحسان و استصلاح و غير ذلك من وجوه الرأي التي لا تستند على دليل معتبر من ناحية الشريعة.

يقول ابن جميع: دخلت على جعفر بن محمد أنا و ابن أبي ليلى، و أبو حنيفة، فقال لابن أبي ليلى: «من هذا معك»؟ قال: هذا رجل له بصر و نفاذ في أمر الدين، قال: «لعلّه يقيس أمر الدين برأيه» قلت: نعم، فقال جعفر لأبي حنيفة: «ما اسمك»؟ قال: نعمان.

فقال: «يا نعمان حدّثني أبي عن جدّي أنّ رسول اللّه6قال: أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس. قال اللّه تعالى له: اسجد لآدم. فقال أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين، فمن قاس الدين برأيه قرنه اللّه تعالى يوم القيامة بإبليس لأنّه اتّبعه بالقياس».

و زاد ابن شبرمة في حديثه:

ثمّ قال جعفر: «أيّهما أعظم قتل النفس أو الزنا»؟ قال: قتل النفس. قال: «فإنّ اللّه عزّ و جلّ قبل في قتل النفس شاهدين، و لم يقبل في الزنا إلّا أربعة».


صفحه 73

ثمّ قال: «أيّهما أعظم الصلاة أم الصوم؟» قال: الصلاة، قال: «فما بال الحائض تقضي الصوم و لا تقضي الصلاة؟ فكيف ويحك يقوم لك قياسك، اتق اللّه و لا تقس الدين برأيك»[1].

و الأحاديث، نظير ذلك كثيرة عن أئمة أهل البيت:في الردع عن إعمال الرأي و القياس و الاستحسان، بهذا الشكل الذي لا يقوم عليه دليل من الشرع، و قد أفادت المعركة الفكرية التي خاضها أهل البيت:ضد أنصار الرأي في التخفيف من غلواء هذه المدرسة، و في إحداث اتّجاه معارض لهذه المدرسة في الأوساط الفكرية وقتذاك، كما مهّدت لظهور مدارس معارضة لها في الاتّجاه كما سنرى ذلك فيما بعد.

2- مدرسة الحديث

و في قبال مدرسة الرأي ظهرت مدرسة الحديث و تعصّب ناس من الفقهاء لمدرسة الحديث.

و كان مركز هذه المدرسة الحجاز، كما كان توسّع مدرسة الرأي في العراق. ففي الحجاز كان الفقهاء يعنون بحفظ الأحاديث و السنّة و الآثار و فتاوى الصحابة و التابعين، و يزهدون في الرأي و تجاوز المأثور من الحديث النبوي و أقوال الصحابة و التابعين.

أما العراق فكان يختلف أمره عن الحجاز، فقد تعرّض فيها الفقهاء لأمور جديدة لم يكن لهم بها عهد من قبل، مما ألجأهم إلى الرأي، و تجاوز‌

[1]حلية الأولياء: 3/ 197 في ترجمة الإمام الصادق7.


صفحه 74

حدود الحديث و المأثور عن الصحابة و التابعين.

و مهما يكن من شي‌ء فقد نشطت مدرسة الحديث في الحجاز في مقابل مدرسة الرأي بالعراق، و تعصّب لها ناس كثير من الفقهاء و أخذوا يدعون إليها، في الوقت الذي كانوا يعارضون فيه مدرسة الرأي، مما ساعد على توسّع هذه المدرسة و تراجع أصحاب الرأي عن موقفهم من الحديث و من الرأي معا.

و ذلك مثل ما حصل عند أبي حنيفة و تلامذته الأولين، حيث أخذوا يخالفون طريقة استاذهم أبي حنيفة، و لم يبقوا أوفياء لها، فنجد مثلا محمد ابن الحسن الشيباني يرحل إلى المدينة لأخذ الحديث، و ألّف كتاب الآثار، و أخذ ينزل من كلام استاذه و أهل العراق على مقتضى الآثار ... و هكذا تطورت مدرسة الرأي و تباعدت عن طريقها الأوّل بإزاء نهوض الحديث و جهود المحدّثين في هذا العصر[1].

و لما حدثت فتنة خلق القرآن وقف المأمون من أصحاب الحديث موقف المعارض، فامتحنهم بألوان من التعذيب و البلاء و شدّد في مطاردتهم و التنكيل بهم فأثّر ذلك كلّه في بعد الشقّة بين المدرستين، مدرسة الرأي و مدرسة الحديث.

و قد كان من أهل الحديث أناس معتدلون يأخذون بالرأي، إن كان هناك في الحديث أو في الشريعة ما يؤيده و يأمر بالأخذ به، و يلغون الرأي إن لم يكن في الحديث ما يشير إلى الأخذ به.

[1]نظرة عامة في تاريخ الفقه: ص 221- 222.


صفحه 75

كما كان من أهل الحديث متطرّفون لا يقبلون غير الكتاب و الحديث في الحكم و الفتوى، و يعرضون عن كل شي‌ء غير الكتاب و الحديث. و هؤلاء يلتقون في الغالب مع الأشاعرة في إنكار العقل و الإعراض عن العقل و رفض حجّية العقل و القطع.

و قد قامت مدرسة الحديث في قبال مدرسة الرأي، كردّ فعل لما حصل لهذه المدرسة من تطرف في الأخذ بالرأي، و الإعراض عن الحديث.

و لا نستطيع أن نضع حدودا دقيقة لهذه المدرسة في قبال مدرسة الرأي و نصنّف المدارس الفقهيّة القائمة في وقته على أساس من هذه الحدود إلى طائفتين، و لكن من المؤكد أن مدرستي داود و أبي حنيفة تقعان على طرفي هذا النزاع، فقد نزع داود نزوعا بيّنا إلى الحديث، و أخذ نصوصه على ظاهرها و نزع أبو حنيفة نزوعا بيّنا إلى الرأي، حتى نقل عنه خصومه و مناوءوه فيما ينقل عنه: لو كان رسول اللّه حيا لأخذ عني أشياء كثيرة[1].

و ما بين هاتين المدرستين تقع سائر المدارس متوسطة بينهما كمذهب مالك و الشافعي و أحمد بن حنبل، إلّا أنّها على كلّ حال يغلب عليها طابع إحدى المدرستين من النزوع للرأي أو النزوع للحديث.

3- مدرسة الشيعة الإمامية في الاجتهاد

قامت مدرستا الرأي و الحديث على طرفين متقابلين، يدعو أنصار كل مدرسة منهما إلى اتجاه يغاير الاتجاه الآخر، و لا يلتقي به إلّا في قليل.

[1]تاريخ بغداد: 13/ 407.


صفحه 76

فكانت مدرسة (الرأي) تدعو إلى استعمال الرأي بصورة واسعة و تأذن للمجتهد باستخدام رأيه و حتى ذوقه الشخصي في مسائل الشريعة ... التي ليس لرأي الإنسان فيها نفوذ أو سلطان، فعارضها أئمة أهل البيت:، و رفعوا في وجوههم الشعار المعروف (إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول). هذا بينما كانت مدرسة الحديث تذهب إلى اتجاه مقابل تماما لا يقلّ خطورة عن الاتجاه الأول، حيث كانت تتبنّى الجمود على النص و الأخذ بظاهر الحديث، كما يذهب إلى ذلك داود و غير داود من الظاهرية.

و قد وجد فقهاء مدرسة أهل البيت:في كلا الاتجاهين ما يجافي روح التشريع الإسلامي و طريقته.

فبينما يذهب الاتجاه الأول إلى إدخال عنصر الرأي البشري في مصادر الشريعة و إن لم يبلغ مرحلة القطع و اليقين ... يذهب الاتجاه الثاني (مدرسة الحديث) إلى الاقتصار على ظاهر النصوص الشرعية. فكان لا بدّ من اتجاه ثالث في الاجتهاد يجمع بين إيجابيات هذه المدرسة و تلك و يتجنّب سلبيات كل من هاتين المدرستين.

و قد قام فقهاء الشيعة بتبيين هذا الاتجاه الثالث في الاجتهاد، و هذا ما سنتحدث عنه بشي‌ء من التفصيل.

الاستناد إلى الحجة:

لا بدّ للفقيه في استنباط الحكم الشرعي، من الاستناد الى الحجة و هي: باصطلاح الأصولي عبارة عن الأدلّة الشرعية من الطرق و الأمارات التي تقع وسطا لإثبات متعلقاتها بحسب الجعل الشرعي، من دون أن يكون بينها‌


صفحه 77

و بين المتعلقات علقة ثبوتية بوجه من الوجوه[1].

و من لوازمها العقلية: المنجزية، و المعذرية.

فيحكم العقل بحسن عقاب العبد على تقدير مخالفة الحجّة، كما يحكم بقبح عقابه على تقدير موافقة الحجّة، أصاب الواقع أم لا.

و الحجّة على قسمين: حجّة بالذات و حجّة بالجعل.

فالأول هو العلم و حجّيته ذاتية، من دون توسط شي‌ء، فلا تناله يد التشريع، فإنّ الحجيّة و الطريقيّة حاصلة له بالذات، و لا معنى لجعل ما هو حاصل له بالذات. بل العلم هو انكشاف المعلوم و رؤية الواقع المقطوع به، و ما كان كذلك فلا يمكن جعل الطريقية له أو سلبها عنه.

و الثاني: هو الطرق و الأمارات المعتبرة شرعا و الأصول التنزيلية منها و غير التنزيلية، و هذه الأمور إمّا أن تكون طريقيّتها و كاشفيّتها ناقصة يتمّمها الشارع، و إمّا أن لا تكون لها طريقية و كاشفية، و لو ناقصة، و ذلك كالاصول غير المحرزة. فنحتاج في مقام الاحتجاج بها و الاعتماد عليها إلى دليل من الشرع أو العقل باعتبارها و إسنادها؛ و ذلك بجعل الطريقيّة لها و تتميم كشفها، فيما إذا كانت لها جهة كشف و طريقة ناقصة كما في الأمارات، أو اعتبارها و إسنادها بسند قطعي من الشرع و العقل كما في الاصول الشرعية و العقليّة.

و مجمل القول إنّ طريقيّة الحجّة الذاتية، نابعة من ذاتها، دون الحجّة‌

[1]فوائد الاصول للكاظمي: 3/ 7.


صفحه 78

المجعولة حيث تحتاج في حجيتها إلى سند قطعي من شرع أو عقل؛ لأنّ طريقية كل شي‌ء لا بدّ و أن تنتهي إلى العلم، و طريقية العلم لا بدّ و أن تكون ذاتية؛ فإنّ كل ما بالغير ينتهي إلى ما بالذات و إلّا للزم التسلسل.

و إذا اتضح هذا الحديث عن (الحجّة) التي ربما تكون قد خرجت بنا عن الصدد ... تتضح لنا معالم مدرسة فقهاء أهل البيت في الاجتهاد.

معالم المدرسة:

و ما يحدّد معالم هذه المدرسة بكلمة موجزة، من حيث مصادر التشريع التي تعتمد عليها هو: (الاستناد على الحجّة) سواء كانت الحجيّة ذاتيّة لها، أم الحجيّة مجعولة لها.

فما يتّصف من هذه الأمور بالحجيّة الذاتيّة أو المجعولة يؤخذ به و ما لا يتّصف بالحجيّة الذاتيّة و المجعولة فلا يؤخذ به. بل إنّ الشك في حجيّته كاف للقطع بعدم حجيّته.

فالكتاب حجّة شرعية و كذلك السنّة بعد الوثوق من صدورها.

و أمّا العقل و نقصد به: (الحكم القطعي الذي يقطع به العقل) نحو قبح الخيانة و حسن الأمانة، فهو حجّة بذاته، فيما إذا توفرت فيه الشروط التي يذكرها الأصوليون في المقام. فإنّ العقل السليم أيضا حجّة من الحجج، فالحكم المنكشف به حكم بلّغه الرسول الباطني الذي هو شرع من داخل، كما أنّ الشرع عقل من خارج[1].

[1]فرائد الأصول للشيخ الأنصاري: 1/ 19.


صفحه 79

و استفاضت آيات من القرآن الكريم بالاعتماد على مقتضى العقول و حجيّته، قال سبحانه:إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[1].

و قال:لَآيٰاتٍ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ[2].

و قال:لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[3].

و ذمّ قوما لم يعملوا بمقتضى عقولهم، فقال عزّ ذكرهأَ فَلٰا يَعْقِلُونَ[4].

و ما عدا ذلك فما ثبت حجيّته بدليل قطعيّ من شرع أو عقل اخذ به، و ما لم تثبت حجيّته، و لم يقم على اعتباره دليل لم يؤخذ بالاعتبار في الاستنباط.

قال تعالى:وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[5].

و قال تعالى:إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً[6].

و قال تعالى:آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ[7].

و لما كان اتّباع الرأي اتّباعا لغير العلم، لم يأذن به اللّه و لا يغني عن الحق ... فلا يمكن الاعتماد عليه و الأخذ به في مجال الحكم و الاجتهاد كما‌

[1]الرعد: 4.

[2]آل عمران: 190.

[3]الرعد: 3.

[4]يس: 68.

[5]الإسراء: 36.

[6]يونس: 36.

[7]يونس: 59.