بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 74

حدود الحديث و المأثور عن الصحابة و التابعين.

و مهما يكن من شي‌ء فقد نشطت مدرسة الحديث في الحجاز في مقابل مدرسة الرأي بالعراق، و تعصّب لها ناس كثير من الفقهاء و أخذوا يدعون إليها، في الوقت الذي كانوا يعارضون فيه مدرسة الرأي، مما ساعد على توسّع هذه المدرسة و تراجع أصحاب الرأي عن موقفهم من الحديث و من الرأي معا.

و ذلك مثل ما حصل عند أبي حنيفة و تلامذته الأولين، حيث أخذوا يخالفون طريقة استاذهم أبي حنيفة، و لم يبقوا أوفياء لها، فنجد مثلا محمد ابن الحسن الشيباني يرحل إلى المدينة لأخذ الحديث، و ألّف كتاب الآثار، و أخذ ينزل من كلام استاذه و أهل العراق على مقتضى الآثار ... و هكذا تطورت مدرسة الرأي و تباعدت عن طريقها الأوّل بإزاء نهوض الحديث و جهود المحدّثين في هذا العصر[1].

و لما حدثت فتنة خلق القرآن وقف المأمون من أصحاب الحديث موقف المعارض، فامتحنهم بألوان من التعذيب و البلاء و شدّد في مطاردتهم و التنكيل بهم فأثّر ذلك كلّه في بعد الشقّة بين المدرستين، مدرسة الرأي و مدرسة الحديث.

و قد كان من أهل الحديث أناس معتدلون يأخذون بالرأي، إن كان هناك في الحديث أو في الشريعة ما يؤيده و يأمر بالأخذ به، و يلغون الرأي إن لم يكن في الحديث ما يشير إلى الأخذ به.

[1]نظرة عامة في تاريخ الفقه: ص 221- 222.


صفحه 75

كما كان من أهل الحديث متطرّفون لا يقبلون غير الكتاب و الحديث في الحكم و الفتوى، و يعرضون عن كل شي‌ء غير الكتاب و الحديث. و هؤلاء يلتقون في الغالب مع الأشاعرة في إنكار العقل و الإعراض عن العقل و رفض حجّية العقل و القطع.

و قد قامت مدرسة الحديث في قبال مدرسة الرأي، كردّ فعل لما حصل لهذه المدرسة من تطرف في الأخذ بالرأي، و الإعراض عن الحديث.

و لا نستطيع أن نضع حدودا دقيقة لهذه المدرسة في قبال مدرسة الرأي و نصنّف المدارس الفقهيّة القائمة في وقته على أساس من هذه الحدود إلى طائفتين، و لكن من المؤكد أن مدرستي داود و أبي حنيفة تقعان على طرفي هذا النزاع، فقد نزع داود نزوعا بيّنا إلى الحديث، و أخذ نصوصه على ظاهرها و نزع أبو حنيفة نزوعا بيّنا إلى الرأي، حتى نقل عنه خصومه و مناوءوه فيما ينقل عنه: لو كان رسول اللّه حيا لأخذ عني أشياء كثيرة[1].

و ما بين هاتين المدرستين تقع سائر المدارس متوسطة بينهما كمذهب مالك و الشافعي و أحمد بن حنبل، إلّا أنّها على كلّ حال يغلب عليها طابع إحدى المدرستين من النزوع للرأي أو النزوع للحديث.

3- مدرسة الشيعة الإمامية في الاجتهاد

قامت مدرستا الرأي و الحديث على طرفين متقابلين، يدعو أنصار كل مدرسة منهما إلى اتجاه يغاير الاتجاه الآخر، و لا يلتقي به إلّا في قليل.

[1]تاريخ بغداد: 13/ 407.


صفحه 76

فكانت مدرسة (الرأي) تدعو إلى استعمال الرأي بصورة واسعة و تأذن للمجتهد باستخدام رأيه و حتى ذوقه الشخصي في مسائل الشريعة ... التي ليس لرأي الإنسان فيها نفوذ أو سلطان، فعارضها أئمة أهل البيت:، و رفعوا في وجوههم الشعار المعروف (إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول). هذا بينما كانت مدرسة الحديث تذهب إلى اتجاه مقابل تماما لا يقلّ خطورة عن الاتجاه الأول، حيث كانت تتبنّى الجمود على النص و الأخذ بظاهر الحديث، كما يذهب إلى ذلك داود و غير داود من الظاهرية.

و قد وجد فقهاء مدرسة أهل البيت:في كلا الاتجاهين ما يجافي روح التشريع الإسلامي و طريقته.

فبينما يذهب الاتجاه الأول إلى إدخال عنصر الرأي البشري في مصادر الشريعة و إن لم يبلغ مرحلة القطع و اليقين ... يذهب الاتجاه الثاني (مدرسة الحديث) إلى الاقتصار على ظاهر النصوص الشرعية. فكان لا بدّ من اتجاه ثالث في الاجتهاد يجمع بين إيجابيات هذه المدرسة و تلك و يتجنّب سلبيات كل من هاتين المدرستين.

و قد قام فقهاء الشيعة بتبيين هذا الاتجاه الثالث في الاجتهاد، و هذا ما سنتحدث عنه بشي‌ء من التفصيل.

الاستناد إلى الحجة:

لا بدّ للفقيه في استنباط الحكم الشرعي، من الاستناد الى الحجة و هي: باصطلاح الأصولي عبارة عن الأدلّة الشرعية من الطرق و الأمارات التي تقع وسطا لإثبات متعلقاتها بحسب الجعل الشرعي، من دون أن يكون بينها‌


صفحه 77

و بين المتعلقات علقة ثبوتية بوجه من الوجوه[1].

و من لوازمها العقلية: المنجزية، و المعذرية.

فيحكم العقل بحسن عقاب العبد على تقدير مخالفة الحجّة، كما يحكم بقبح عقابه على تقدير موافقة الحجّة، أصاب الواقع أم لا.

و الحجّة على قسمين: حجّة بالذات و حجّة بالجعل.

فالأول هو العلم و حجّيته ذاتية، من دون توسط شي‌ء، فلا تناله يد التشريع، فإنّ الحجيّة و الطريقيّة حاصلة له بالذات، و لا معنى لجعل ما هو حاصل له بالذات. بل العلم هو انكشاف المعلوم و رؤية الواقع المقطوع به، و ما كان كذلك فلا يمكن جعل الطريقية له أو سلبها عنه.

و الثاني: هو الطرق و الأمارات المعتبرة شرعا و الأصول التنزيلية منها و غير التنزيلية، و هذه الأمور إمّا أن تكون طريقيّتها و كاشفيّتها ناقصة يتمّمها الشارع، و إمّا أن لا تكون لها طريقية و كاشفية، و لو ناقصة، و ذلك كالاصول غير المحرزة. فنحتاج في مقام الاحتجاج بها و الاعتماد عليها إلى دليل من الشرع أو العقل باعتبارها و إسنادها؛ و ذلك بجعل الطريقيّة لها و تتميم كشفها، فيما إذا كانت لها جهة كشف و طريقة ناقصة كما في الأمارات، أو اعتبارها و إسنادها بسند قطعي من الشرع و العقل كما في الاصول الشرعية و العقليّة.

و مجمل القول إنّ طريقيّة الحجّة الذاتية، نابعة من ذاتها، دون الحجّة‌

[1]فوائد الاصول للكاظمي: 3/ 7.


صفحه 78

المجعولة حيث تحتاج في حجيتها إلى سند قطعي من شرع أو عقل؛ لأنّ طريقية كل شي‌ء لا بدّ و أن تنتهي إلى العلم، و طريقية العلم لا بدّ و أن تكون ذاتية؛ فإنّ كل ما بالغير ينتهي إلى ما بالذات و إلّا للزم التسلسل.

و إذا اتضح هذا الحديث عن (الحجّة) التي ربما تكون قد خرجت بنا عن الصدد ... تتضح لنا معالم مدرسة فقهاء أهل البيت في الاجتهاد.

معالم المدرسة:

و ما يحدّد معالم هذه المدرسة بكلمة موجزة، من حيث مصادر التشريع التي تعتمد عليها هو: (الاستناد على الحجّة) سواء كانت الحجيّة ذاتيّة لها، أم الحجيّة مجعولة لها.

فما يتّصف من هذه الأمور بالحجيّة الذاتيّة أو المجعولة يؤخذ به و ما لا يتّصف بالحجيّة الذاتيّة و المجعولة فلا يؤخذ به. بل إنّ الشك في حجيّته كاف للقطع بعدم حجيّته.

فالكتاب حجّة شرعية و كذلك السنّة بعد الوثوق من صدورها.

و أمّا العقل و نقصد به: (الحكم القطعي الذي يقطع به العقل) نحو قبح الخيانة و حسن الأمانة، فهو حجّة بذاته، فيما إذا توفرت فيه الشروط التي يذكرها الأصوليون في المقام. فإنّ العقل السليم أيضا حجّة من الحجج، فالحكم المنكشف به حكم بلّغه الرسول الباطني الذي هو شرع من داخل، كما أنّ الشرع عقل من خارج[1].

[1]فرائد الأصول للشيخ الأنصاري: 1/ 19.


صفحه 79

و استفاضت آيات من القرآن الكريم بالاعتماد على مقتضى العقول و حجيّته، قال سبحانه:إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[1].

و قال:لَآيٰاتٍ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ[2].

و قال:لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[3].

و ذمّ قوما لم يعملوا بمقتضى عقولهم، فقال عزّ ذكرهأَ فَلٰا يَعْقِلُونَ[4].

و ما عدا ذلك فما ثبت حجيّته بدليل قطعيّ من شرع أو عقل اخذ به، و ما لم تثبت حجيّته، و لم يقم على اعتباره دليل لم يؤخذ بالاعتبار في الاستنباط.

قال تعالى:وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[5].

و قال تعالى:إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً[6].

و قال تعالى:آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ[7].

و لما كان اتّباع الرأي اتّباعا لغير العلم، لم يأذن به اللّه و لا يغني عن الحق ... فلا يمكن الاعتماد عليه و الأخذ به في مجال الحكم و الاجتهاد كما‌

[1]الرعد: 4.

[2]آل عمران: 190.

[3]الرعد: 3.

[4]يس: 68.

[5]الإسراء: 36.

[6]يونس: 36.

[7]يونس: 59.


صفحه 80

تأخذ به مدرسة الرأي.

و تذهب مدرسة أهل البيت:إلى القول ب‌ (عصمة) أهل البيت:في تبليغ أحكام اللّه و حدوده، و (حجّية) حديثهم و روايتهم، محتجّين على ذلك بآية التطهير في كتاب اللّه في الدلالة على عصمتهم:و نزاهتهم من المعاصي و الكذب و الافتراء على اللّه و رسوله، و بحديث الثقلين الذي يتّفق الفريقان على صحّته في الدلالة على حجّية حديث أهل البيت:و اعتباره امتدادا لحديث رسول اللّه6و رواية صادقة لحديث رسول اللّه6.

4- المدرسة الاخبارية في الاجتهاد

و هنا لا بدّ أن نشير إلى أنّ هذا الاتجاه الذي تبنّاه فقهاء مدرسة أهل البيت:في الاجتهاد كاد أن ينشق على أهله قبل أربعة قرون من الزمان، فقد ظهرت في هذه الفترة مدرسة جديدة يتبنّاها جمع من الفقهاء عرفوا باسم (الإخبارية) و حدث صراع فكري عنيف بين الاتجاه السائد و الرسمي لمدرسة فقهاء أهل البيت و بين الاتجاه الجديد الذي حدث لهذه المدرسة في هذه الفترة[1].

و احتدم هذا الصراع أكثر من أي مكان آخر في كربلاء حيث كانت تجمع في وقتها بين قطبين كبيرين للفكر الاصولي و الإخباري معا، فكان يمثّل الاتجاه الاصولي فيها الوحيد البهبهاني المتوفى سنة 1208 ه‌، و يمثل الاتجاه‌

[1]يذكر الأخباريون شواهد كثيرة على أنّ هذا الاتجاه هو الاتجاه الرسمي و السائد القديم.


صفحه 81

الإخباري فيها الشيخ يوسف البحراني المتوفى سنة 1186 ه‌. و كان كل من العلمين يقوم بالتدريس، و يحضر درسهما جمع غفير من الطلاب.

و في هذا الصراع الفكري برزت (المدرسة الاصولية) أكثر من منافستها (المدرسة الإخبارية)، و تبنّى كثير من فقهاء هذا المركز الفقهيّ (كربلاء) الاتجاه الاصولي في الاجتهاد كالشيخ كاشف الغطاء و السيد بحر العلوم و السيد مهدي الشهرستاني و غيرهم. و ليس معنى ذلك الغضّ من مكانة و فقاهة القطب الآخر لهذا الصراع الفكري، فقد كان الشيخ يوسف البحراني فقيها جليلا كبيرا، و يكفي فيه أنّه مؤلف الموسوعة الفقهية الجليلة: الحدائق الناضرة و هي من خير ما ألفه فقهاء مدرسة أهل البيت:في الفقه.

و كان كلّ من الوحيد البهبهاني و الفقيه البحراني طودا شامخا في التقوى و الفضيلة و الفقه.

الأمين الأسترابادي:

و مؤسس هذه الطائفة هو الشيخ أمين الأسترابادي. و الأخباريون و إن كانوا ينسبون أفكارهم إلى الفقهاء السابقين حتى عهد الشيخ الصدوق ... و لكن الواقع أنّ الإخبارية كمدرسة محددة المعالم، قائمة بالذات، لم تقم إلّا على يد الشيخ أمين الأسترابادي.

و الأسترابادي بالذات كان عالما و فقيها متميزا بالخبرة العلمية و سعة الاطلاع و التعمق في فنون كثيرة من العلم و المعرفة. و قد ألّف كتابا باسم (الفوائد المدنيّة) حاول فيه أن يعارض الفكر الاصولي و ينقده، و ينكر حجيّة العقل بشكل خاص، إلّا فيما كان له مبدأ حسّي أو مبدأ قريب من الحسّ كالرياضيات؛ فإنّ العقل حجّة فيها، و أمّا ما عدا ذلك فلا حجيّة للعقل فيه.