بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 78

المجعولة حيث تحتاج في حجيتها إلى سند قطعي من شرع أو عقل؛ لأنّ طريقية كل شي‌ء لا بدّ و أن تنتهي إلى العلم، و طريقية العلم لا بدّ و أن تكون ذاتية؛ فإنّ كل ما بالغير ينتهي إلى ما بالذات و إلّا للزم التسلسل.

و إذا اتضح هذا الحديث عن (الحجّة) التي ربما تكون قد خرجت بنا عن الصدد ... تتضح لنا معالم مدرسة فقهاء أهل البيت في الاجتهاد.

معالم المدرسة:

و ما يحدّد معالم هذه المدرسة بكلمة موجزة، من حيث مصادر التشريع التي تعتمد عليها هو: (الاستناد على الحجّة) سواء كانت الحجيّة ذاتيّة لها، أم الحجيّة مجعولة لها.

فما يتّصف من هذه الأمور بالحجيّة الذاتيّة أو المجعولة يؤخذ به و ما لا يتّصف بالحجيّة الذاتيّة و المجعولة فلا يؤخذ به. بل إنّ الشك في حجيّته كاف للقطع بعدم حجيّته.

فالكتاب حجّة شرعية و كذلك السنّة بعد الوثوق من صدورها.

و أمّا العقل و نقصد به: (الحكم القطعي الذي يقطع به العقل) نحو قبح الخيانة و حسن الأمانة، فهو حجّة بذاته، فيما إذا توفرت فيه الشروط التي يذكرها الأصوليون في المقام. فإنّ العقل السليم أيضا حجّة من الحجج، فالحكم المنكشف به حكم بلّغه الرسول الباطني الذي هو شرع من داخل، كما أنّ الشرع عقل من خارج[1].

[1]فرائد الأصول للشيخ الأنصاري: 1/ 19.


صفحه 79

و استفاضت آيات من القرآن الكريم بالاعتماد على مقتضى العقول و حجيّته، قال سبحانه:إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[1].

و قال:لَآيٰاتٍ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ[2].

و قال:لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[3].

و ذمّ قوما لم يعملوا بمقتضى عقولهم، فقال عزّ ذكرهأَ فَلٰا يَعْقِلُونَ[4].

و ما عدا ذلك فما ثبت حجيّته بدليل قطعيّ من شرع أو عقل اخذ به، و ما لم تثبت حجيّته، و لم يقم على اعتباره دليل لم يؤخذ بالاعتبار في الاستنباط.

قال تعالى:وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ[5].

و قال تعالى:إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً[6].

و قال تعالى:آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ[7].

و لما كان اتّباع الرأي اتّباعا لغير العلم، لم يأذن به اللّه و لا يغني عن الحق ... فلا يمكن الاعتماد عليه و الأخذ به في مجال الحكم و الاجتهاد كما‌

[1]الرعد: 4.

[2]آل عمران: 190.

[3]الرعد: 3.

[4]يس: 68.

[5]الإسراء: 36.

[6]يونس: 36.

[7]يونس: 59.


صفحه 80

تأخذ به مدرسة الرأي.

و تذهب مدرسة أهل البيت:إلى القول ب‌ (عصمة) أهل البيت:في تبليغ أحكام اللّه و حدوده، و (حجّية) حديثهم و روايتهم، محتجّين على ذلك بآية التطهير في كتاب اللّه في الدلالة على عصمتهم:و نزاهتهم من المعاصي و الكذب و الافتراء على اللّه و رسوله، و بحديث الثقلين الذي يتّفق الفريقان على صحّته في الدلالة على حجّية حديث أهل البيت:و اعتباره امتدادا لحديث رسول اللّه6و رواية صادقة لحديث رسول اللّه6.

4- المدرسة الاخبارية في الاجتهاد

و هنا لا بدّ أن نشير إلى أنّ هذا الاتجاه الذي تبنّاه فقهاء مدرسة أهل البيت:في الاجتهاد كاد أن ينشق على أهله قبل أربعة قرون من الزمان، فقد ظهرت في هذه الفترة مدرسة جديدة يتبنّاها جمع من الفقهاء عرفوا باسم (الإخبارية) و حدث صراع فكري عنيف بين الاتجاه السائد و الرسمي لمدرسة فقهاء أهل البيت و بين الاتجاه الجديد الذي حدث لهذه المدرسة في هذه الفترة[1].

و احتدم هذا الصراع أكثر من أي مكان آخر في كربلاء حيث كانت تجمع في وقتها بين قطبين كبيرين للفكر الاصولي و الإخباري معا، فكان يمثّل الاتجاه الاصولي فيها الوحيد البهبهاني المتوفى سنة 1208 ه‌، و يمثل الاتجاه‌

[1]يذكر الأخباريون شواهد كثيرة على أنّ هذا الاتجاه هو الاتجاه الرسمي و السائد القديم.


صفحه 81

الإخباري فيها الشيخ يوسف البحراني المتوفى سنة 1186 ه‌. و كان كل من العلمين يقوم بالتدريس، و يحضر درسهما جمع غفير من الطلاب.

و في هذا الصراع الفكري برزت (المدرسة الاصولية) أكثر من منافستها (المدرسة الإخبارية)، و تبنّى كثير من فقهاء هذا المركز الفقهيّ (كربلاء) الاتجاه الاصولي في الاجتهاد كالشيخ كاشف الغطاء و السيد بحر العلوم و السيد مهدي الشهرستاني و غيرهم. و ليس معنى ذلك الغضّ من مكانة و فقاهة القطب الآخر لهذا الصراع الفكري، فقد كان الشيخ يوسف البحراني فقيها جليلا كبيرا، و يكفي فيه أنّه مؤلف الموسوعة الفقهية الجليلة: الحدائق الناضرة و هي من خير ما ألفه فقهاء مدرسة أهل البيت:في الفقه.

و كان كلّ من الوحيد البهبهاني و الفقيه البحراني طودا شامخا في التقوى و الفضيلة و الفقه.

الأمين الأسترابادي:

و مؤسس هذه الطائفة هو الشيخ أمين الأسترابادي. و الأخباريون و إن كانوا ينسبون أفكارهم إلى الفقهاء السابقين حتى عهد الشيخ الصدوق ... و لكن الواقع أنّ الإخبارية كمدرسة محددة المعالم، قائمة بالذات، لم تقم إلّا على يد الشيخ أمين الأسترابادي.

و الأسترابادي بالذات كان عالما و فقيها متميزا بالخبرة العلمية و سعة الاطلاع و التعمق في فنون كثيرة من العلم و المعرفة. و قد ألّف كتابا باسم (الفوائد المدنيّة) حاول فيه أن يعارض الفكر الاصولي و ينقده، و ينكر حجيّة العقل بشكل خاص، إلّا فيما كان له مبدأ حسّي أو مبدأ قريب من الحسّ كالرياضيات؛ فإنّ العقل حجّة فيها، و أمّا ما عدا ذلك فلا حجيّة للعقل فيه.


صفحه 82

معالم المدرسة:

و تضطرب كلمات الإخباريين بشكل يصعب على الباحث أن يستخرج من كلماتهم شيئا محدد المعالم، ليسنده إليهم، فمن منكر للملازمة بين الحكم العقلي و الشرعي، و آخر منكر للحكم العقلي الظنّي.

و قد أنكر المحقّق الخراساني أن يكون مقصود الإخباريين إنكار حجيّة القطع فيما إذا كان بمقدّمات عقلية، و إنّما تتّجه كلماتهم إلى منع الملازمة بين حكم العقل بوجوب شي‌ء و حكم الشرع بوجوبه، كما ينادي بأعلى صوته ما حكي عن السيد الصدر[1]في باب الملازمة. و أما في مقام عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية لأنها لا تفيد إلّا الظن، كما هو صريح الشيخ المحدّث الأسترابادي;[2].

و لكن مراجعة كلمات المحدّث الأسترابادي نفسه يعيد إلى نفوسنا الثقة بأنّه ممن لا يرتضي الاعتماد على غير الحديث حيث يقول- كما ينقله المحقّق الخراساني أيضا-:

و إذا عرفت ما مهّدناه من الدقيقة الشريفة فنقول: إن تمسّكنا بكلامهم:فقد عصمنا من الخطأ، و إن تمسّكنا بغيره لم يعصم عنه، و من المعلوم أنّ العصمة عن الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه[3].

و هذا الكلام يتنافى مع ما يريد المحقّق الخراساني;أن يستخلصه من‌

[1]السيّد صدر الدين بن محمّد بن باقر الرضوي، توفي في عشر الستين بعد المائة و الألف و هو ابن خمس و ستين الكنى و الألقاب: 2/ 415.

[2]كفاية الأصول: ص 270 المقصد السادس/ الامارات.

[3]الفوائد المدنية للأسترابادي: ص 131.


صفحه 83

كلمات الإخباريين.

و مهما يكن من أمر فلا شكّ أنّ كلمات بعض الإخباريين يمكن أن تحمل على الخلاف الصغروي من منع حصول القطع بالحكم الشرعي عن غير الكتاب و السنّة ... و لكن الظاهر مما ينسب إلى كثير منهم كالمحدّث الأسترابادي و السيد نعمة اللّه الجزائري و المحدّث البحراني[1]هو القول بعدم حجيّة القطع الحاصل عن غير الكتاب و السنّة، بعد حصوله[2].

إلّا أنّ الذي يستطيع الباحث أن يستخلصه من كلمات الإخباريين و يطمئن إلى نسبته إليهم، دون أن يضر بذلك اختلاف كلماتهم، هو القول بلزوم توسّط الأوصياء (سلام اللّه عليهم) في التبليغ، فكل حكم لم يكن فيه وساطتهم فهو لا يكون و اصلا إلى مرتبة الفعليّة و الباعثيّة، و إن كان ذلك الحكم و اصلا إلى المكلّف بطريق آخر[3].

فلا يمكن الاعتماد بناء على هذه الدعوى، على العقل في الحكم و الاجتهاد و يتلو ذلك عند الإخباريين الاحتجاج بالكتاب العزيز، فقد وقف الأخباريون عن العمل بالقرآن لطروّ مخصّصات من السنّة و مقيّدات على عمومه و مطلقاته، و لما ورد من أحاديث ناهية عن تفسير القرآن بالرأي[4]و في هذا القدر من الرأي ما فيه من تعقيد و تعطيل للاجتهاد.

و لسنا ندري على التحقيق ما كان يؤول إليه أمر الاجتهاد لدى فقهاء‌

[1]حاشية المشكيني على الكفاية: 3/ 113.

[2]راجع دراسات الاستاذ المحقق الخوئي: 3/ 46 ط. النجف.

[3]أجود التقريرات للعلّامة المحقق الخوئي: 2/ 40 ط. صيدا.

[4]راجع الاصول العامة للفقه المقارن: ص 103- 104 ط. بيروت.


صفحه 84

الإمامية لو كانت هذه المدرسة تنجح في تغيير خط الاجتهاد إلى هذا المجرى، و لربما كان يؤول أمره إلى اتجاه يشبه اتّجاه مدرسة الحديث في العصر العباسي.

هذا كله رغم جلالة قدر هؤلاء الأعلام و منزلتهم العلمية الرفيعة، و لما كانوا يتّصفون به من إخلاص و تقوى، و يكفي أن يكون منهم الشيخ صاحب الحدائق و السيد الجزائري و غيرهم، و كلّهم من فقهاء الشيعة الكبار، و ممن خدموا الفقه خدمات جليلة كبيرة.

و كان لتطور و تعمّق الدراسات الاصولية المتأخرة دور كبير في تعديل و تلطيف هذه الاتجاه. و يروى أنّ الشيخ الأنصاري;كان يقول: لو كان يقدّر للأسترابادي أن يرى ما كتبته في الرسائل لكان يرجع عن آرائه.

أما بعد؛ فقد كان هذا حديثا عن الاجتهاد و اتّجاهاته ... حاولنا فيه أن نتعرض فيها لمدارس الاجتهاد، منذ وفاة رسول اللّه6إلى الوقت الحاضر، و ما بينها من اختلاف و نزاع، و حاولنا بعد ذلك أن ندرس كل مدرسة من هذه المدارس بما يتّسع له صدر هذا الحديث بشي‌ء من الموضوعية، ثمّ نجد موقف مدرسة أهل البيت في الاجتهاد من المدارس القائمة في الوقت الحاضر و من المدارس التي قامت على أنقاضها، ثمّ دخلنا مع التاريخ منعطفا هامّا من المنعطفات التاريخية التي انتهت إليها مدرسة الاجتهاد عند الإمامية قبل أربعة قرون من الزمان، لنرى عن كثب عوامل و آثار هذا الاتجاه الجديد الذي ظهر في مدرسة أهل البيت، ثمّ عادت هذه المدرسة إلى انسجامها و اعتدالها من جديد دون أن يترك أثرا مهمّا في سير هذه المدرسة و اتجاهها.


صفحه 85

حركة الاجتهاد بين الانفتاح و التعطيل

من أهم ما تمتاز به حركة الاجتهاد عند الشيعة هي الاستمرارية التي تتصف الحركة بها، منذ أن ولدت إلى الوقت الحاضر.

و بعكس هذا الاتجاه في الاجتهاد عند فقهاء الشيعة، نجد أنّ حركة الاجتهاد عند المذاهب الفقهية الاخرى قد تعطّلت منذ أمد بعيد، و تدخّلت عوامل كثيرة في تعطيل هذه الحركة و حصر الاجتهاد الجائز على أتباعه و تقليده من قبل جمهور الناس في المذاهب الفقهية الأربعة، و مهما كانت العوامل التي أدّت إلى تجميد حركة الاجتهاد من سياسية و غير سياسية، فإنّ الشي‌ء المؤكّد أنّ الاجتهاد اصيب نتيجة لهذا الإجراء بضمور و ضعف، و لم يكن هناك أيّ مبرّر من الناحية الفقهية لتعطيل هذه الحركة في نطاق أربعة مذاهب أو أكثر من ذلك.

فليس ثمّة من نصّ شرعي يحدّد صلاحية الاجتهاد في الأئمة الأربعة،