الإمامية لو كانت هذه المدرسة تنجح في تغيير خط الاجتهاد إلى هذا المجرى، و لربما كان يؤول أمره إلى اتجاه يشبه اتّجاه مدرسة الحديث في العصر العباسي.
هذا كله رغم جلالة قدر هؤلاء الأعلام و منزلتهم العلمية الرفيعة، و لما كانوا يتّصفون به من إخلاص و تقوى، و يكفي أن يكون منهم الشيخ صاحب الحدائق و السيد الجزائري و غيرهم، و كلّهم من فقهاء الشيعة الكبار، و ممن خدموا الفقه خدمات جليلة كبيرة.
و كان لتطور و تعمّق الدراسات الاصولية المتأخرة دور كبير في تعديل و تلطيف هذه الاتجاه. و يروى أنّ الشيخ الأنصاري;كان يقول: لو كان يقدّر للأسترابادي أن يرى ما كتبته في الرسائل لكان يرجع عن آرائه.
أما بعد؛ فقد كان هذا حديثا عن الاجتهاد و اتّجاهاته ... حاولنا فيه أن نتعرض فيها لمدارس الاجتهاد، منذ وفاة رسول اللّه6إلى الوقت الحاضر، و ما بينها من اختلاف و نزاع، و حاولنا بعد ذلك أن ندرس كل مدرسة من هذه المدارس بما يتّسع له صدر هذا الحديث بشيء من الموضوعية، ثمّ نجد موقف مدرسة أهل البيت في الاجتهاد من المدارس القائمة في الوقت الحاضر و من المدارس التي قامت على أنقاضها، ثمّ دخلنا مع التاريخ منعطفا هامّا من المنعطفات التاريخية التي انتهت إليها مدرسة الاجتهاد عند الإمامية قبل أربعة قرون من الزمان، لنرى عن كثب عوامل و آثار هذا الاتجاه الجديد الذي ظهر في مدرسة أهل البيت، ثمّ عادت هذه المدرسة إلى انسجامها و اعتدالها من جديد دون أن يترك أثرا مهمّا في سير هذه المدرسة و اتجاهها.
حركة الاجتهاد بين الانفتاح و التعطيل
من أهم ما تمتاز به حركة الاجتهاد عند الشيعة هي الاستمرارية التي تتصف الحركة بها، منذ أن ولدت إلى الوقت الحاضر.
و بعكس هذا الاتجاه في الاجتهاد عند فقهاء الشيعة، نجد أنّ حركة الاجتهاد عند المذاهب الفقهية الاخرى قد تعطّلت منذ أمد بعيد، و تدخّلت عوامل كثيرة في تعطيل هذه الحركة و حصر الاجتهاد الجائز على أتباعه و تقليده من قبل جمهور الناس في المذاهب الفقهية الأربعة، و مهما كانت العوامل التي أدّت إلى تجميد حركة الاجتهاد من سياسية و غير سياسية، فإنّ الشيء المؤكّد أنّ الاجتهاد اصيب نتيجة لهذا الإجراء بضمور و ضعف، و لم يكن هناك أيّ مبرّر من الناحية الفقهية لتعطيل هذه الحركة في نطاق أربعة مذاهب أو أكثر من ذلك.
فليس ثمّة من نصّ شرعي يحدّد صلاحية الاجتهاد في الأئمة الأربعة،
و يمنع من تقليد غيرهم من أئمة المسلمين، كما ليس هناك أيّ ميزة لهؤلاء الأربعة من بين فقهاء المسلمين و أئمتهم دون غيرهم توجب حصر الاجتهاد فيهم و المنع من تقليد غيرهم.
و ليس من شك أنّ حركة الاجتهاد حينما تستمر و تتداولها الأفكار و العقول على مرّ العصور تكتسب نضجا و قوّة أكثر من ذي قبل، شأنها في ذلك شأن أيّ علم و أيّ فنّ من الفنون، و ليس الاجتهاد بدعا من علوم الإنسان و ثقافاته. فما ظنّك لو كانت الرياضيات تتوقف عند عهد فيثاغورس، و الطبّ يتوقف عند ابن سينا، و الكيمياء و الفيزياء يتوقفان عند الرواد الأوائل لهذه العلوم؟
هل كان يتاح لهذه العلوم، أن تتقدّم كل هذا التقدّم الهائل الذي أحرزته نتيجة للتفكير و العمل المستمر الذي قام به علماء متخصّصون على امتداد العصور؟ و شأن الاجتهاد شأن غيره من هذه العلوم.
و الذي يراجع تاريخ الاجتهاد عند فقهاء مدرسة أهل البيت:يلمس بوضوح التطوّر و الفوارق الكبيرة التي تميّز مراحل مختلفة من تاريخ هذا الفقه.
فإنّ النضج و القوّة التي اكتسبها الفقه في عصر مؤلّف الجواهر و الفرائد الشيخ محمد حسن و الشيخ الأنصاري، كان خطوة جبّارة في عالم الفقه و الأصول، و لم تقف حركة الاجتهاد بعد ذلك على هذا المستوى الذي خلّفه الشيخان النجفي و الأنصاري، و إنّما اكتسب نضجا و قوّة أكثر.
و الذي يلحظ النتاج الفقهي و الأصولي المعاصر، و يقرنه إلى ما صدر قبل ذلك من نتاج يستطيع أن يلمس هذا الاختلاف بوضوح.
و طبيعيّ جدا، أنّ علم الفقه حينما يتأتّى له هذا النضج و القوة في ظلّ الحركة المستمرة و الجهد الدائم الذي يبذله الفقهاء يكون أوصل إلى حكم اللّه، و أبلغ في الوصول إلى حدود اللّه و شرائعه.
و لست أعلم لما ذا يكون الجهد الذي يبذله أبو حنيفة، أو الشافعي مثلا في استخراج الأحكام الشرعية مجزيا و مبرءا للذمة، و موصلا إلى حدود اللّه و شرائعه؟ و لا يكون هذا الجهد موصلا إلى أحكام اللّه و مجزيا إذا ما بذله فقيه معاصر، قد ألمّ بكل ما كان يعرفه الفقيهان المعروفان أبو حنيفة و الشافعي و زاد عليهم في النضج و الخبرة.
يقول الأستاذ المراغي في معرض مناقشة انسداد باب الاجتهاد في الأزهر الشريف و المعاهد الدينية في مصر: و ليس ممّا يلائم سمعة المعاهد الدينية في مصر أن يقال عنها إنّ ما يدرس فيها من علوم اللغة و المنطق و الكلام و الاصول لا يكفي لفهم خطاب العرب، و لا لمعرفة الأدلّة و شروطها، و إذا صحّ هذا في الضيعة الأعمار و الأموال التي تنفق في سبيلها[1].
و قد يعيش فقيه واحد في عصر واحد في بيئتين فتتغيّر نظرته الفقهية تبعا لاختلاف هاتين البيئتين، و تتغيّر تبعا لذلك فتاواه.
و المعروف عن الإمام الشافعي أنّ فتاواه اختلفت حينما انتقل إلى مصر عمّا كان يفتي به سابقا و هو في المدينة، نظرا لاختلاف بيئة الحجاز عن بيئة مصر.
فإنّ الفقيه حينما يلمس عن كثب ضرورات بيئة يعيشها، تختلف
[1]الاصول العامة للفقه المقارن: ص 604، نقلا عن مجلّة رسالة الإسلام العدد 4 السنة الاولى ص 350 و ما بعدها.
نظرته و فهمه للأدلّة عن الفقيه الذي يستنبط أحكاما كلّية في إطار من الأدلة الفقهية، بعيدا عن الاحتكاك بالواقع و ضغوطه و ظروفه.
و لا يعني ذلك تعدّدا و اختلافا في مصادر الشريعة، و لا يغيّر الاحتكاك الأدلّة الشرعية، إلّا أنّ نظرة الفقيه و فهمه للأدلّة، تختلف بلا شك حينما يحتكّ ببيئة جديدة أو ضرورات جديدة في الحياة.
و على هذا فإنّ حركة الاجتهاد حينما تنقطع عند مرحلة زمنية و ظروف بيئية خاصّة، تفقد كثيرا من مرونتها و كفاءاتها التي تجعلها صالحة للتطبيق في مختلف الظروف و البيئات.
و نحن نطلب إلى فقهاء المسلمين أن يعيدوا النظر بجدّية في مسألة سدّ باب الاجتهاد، و دفعها من جديد إلى الدراسة الجادّة في المعاهد و المدارس الفقهية، كما نطلب منهم أن يستعينوا بالخبرة و العمق و الدقة التي اكتسبتها حركة الاجتهاد في مدرسة أهل البيت:طيلة هذه المدّة الطويلة التي كانت مفتوحة على و جهات النظر المختلفة، و مسرحا للتفكير و الدراسة الفقهية المعمّقة.
2 التقليد
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
التقليد و الاتّباع فيما لا يحسنه الإنسان شيء من فطرته و طبيعته؛ فلا يحسن الإنسان كلّ ما يتعلّق بحياته و سلوكه و واجباته على تشعّب مسائل الحياة و واجباته فيها، فيضطر الإنسان حينئذ إلى التقليد و اتّباع الآخرين ممّن يحسنون ذلك.
فحين يصاب الإنسان بمرض، لا يتردّد في مراجعة الأطباء المتخصّصين في فهم نوعية المرض و تعيين العلاج .. و لا يتردّد في تنفيذ توصيات الطبيب فيما يتعلّق بصحّته، و ذلك انطلاقا من الأصل المتقدّم القائم بالفطرة ..
فإنّ الرجوع إلى أصحاب الاختصاص فيما لا يحسنه الإنسان و ما لا يعرفه أمر متأصّل في فطرة الإنسان، يجري عليه الإنسان في الجانب الأكبر من حياته و من شئونه. و كلّما تتّسع دائرة حياة الإنسان و حاجاته و تتوسّع الاختصاصات و الخبرات و التجارب البشرية، كلّما تزداد حاجة الإنسان للتقليد و الاستعانة بذوي الخبرة و التجربة.
فالطبيب الذي يختصّ بأمراض القلب، لا يستطيع أن يقطع برأي في