مرجع التقليد
مكانة المرجع و مسئولياته:
تناط بمراجع التقليد، مسئولية إصدار الفتوى و استنباط الأحكام الإلهية فيما يهمّ المسلم من أمر حياته و سلوكه، و يرجع إليهم في معرفة أحكام اللّه و حدوده و شريعته، و كل صغيرة و كبيرة ممّا يتعلّق بأعماله و علاقاته و معيشته و فرائضه و معاملاته، و فيما يتعلّق بشئون الحياة الاجتماعية و مسائلها.
و بذلك فإنّ المرجع الديني يمثّل السلطة الإفتائية العليا (و هذه السلطة تحلّ محلّ السلطة التشريعية في الدول العلمانية)، كما يمثّل السلطة القضائية.
و قد وردت أحاديث كثيرة عن قيمة المرجعية و مكانتها من حياة الامّة، منها التوقيع المروي عن الإمام الحجة (عجّل اللّه فرجه):
«و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، و أنا حجّة اللّه عليهم».
و الحديث المروي عن أمير المؤمنين7: «مجاري الامور و الأحكام على أيدي العلماء باللّه، الامناء على حرامه و حلاله».
انتخاب المرجع:
لأتباع مدرسة أهل البيت:طريقتهم الخاصة في انتخاب المرجع الديني الذي يتصدّى لشئون التقليد، فلا يتم اختيار المرجع من قبل موقع مسئول في النظام الحاكم كما هو الحال مثلا في جملة من الجامعات الإسلامية في البلاد الإسلامية في شمال إفريقية مثلا، حيث يتمّ تعيين الشخص الذي يعهد إليه برئاسة الشئون الدينية و رئاسة الجامعة بواسطة رئيس الجمهورية أو رئاسة الوزراء أو وزير الأوقاف، و لهذه الطريقة سلبيات واضحة تجعل الجامعة الإسلامية أو منصب الفتوى تابعا للنظام و خاضعا له.
و لا يتمّ انتخاب المرجع بالطريقة الديمقراطية المعروفة في المؤسسات الديمقراطية، حيث تلعب الوسائل الإعلامية دورا مؤثرا في تكوين الرأي العام و توجيهه.
و إنّما يتمّ انتخاب المرجع بصورة تدريجية عبر الزمن، و السبب في ذلك أنّ ارتباط (المقلّد) الفرد المسلم بالمرجع في شئون دينه يتمّ بعد اكتمال الثقة الكافية في نفس الفرد تجاه المرجع في كفاءته الدينية و العلمية و الإدارية، و اكتمال هذه الثقة في مساحة واسعة من المجتمع يحتاج إلى زمن غير قليل.
و لهذه الطريقة سلبية معروفة، نحن في غنىّ عن شرحها؛ فإنّها طريقة بطيئة و معوّقة للعمل، و لا تكمل لمرجع التقليد إمكانات العمل بصورة واسعة و قوية إلّا في وقت متأخر و بعد تفويت فرص جيدة للعمل، و يحدث أحيانا أنّ المرجعية تتوزع على عدد من المحاور بعد وفاة المرجع الذي كان يستوعب الساحة، و يحتاج الأمر إلى زمن ليس بقليل حتى تجتمع المرجعية مرة اخرى حول محور واحد، و يكتسب هذا المحور القوّة و الكفاءة اللازمة لتحريك الأمّة و إدارة القضايا الكبرى التي تمرّ بها. و يتحين الأعداء و المتربصون بالامّة عادة فرصة وفاة مرجع و قيام مرجع آخر لتمرير مشاريعهم السياسية لعدم اكتمال أسباب المرجعية لمحور واحد بصورة كاملة خلال هذه الفترة، و خلوّ الساحة من مرجع قويّ يتمكن من مواجهة هذه المشاريع و إحباطها.
و هذا ما حدث فعلا بعد وفاة الإمام البروجردي (;تعالى) عام 1965 في إيران، حيث استغل (الشاة) فرصة توزّع المرجعية و خلو الساحة من مرجعية قوية و مستوعبة، فطرح مجموعة من المشاريع السياسية لربط إيران بعجلة أمريكا التي عارضها الفقهاء في تلك الفترة، و إلى أن استطاع الإمام الخميني (;تعالى) أن يستقطب جماهير الامّة من حوله و يتصدى لمشاريع الشاه، كان الشاة قد تمكّن من تنفيذ جملة من مشاريعه و أفكاره الرامية إلى ربط الامّة بمصالح الغرب.
قد يصح هذا النقد، و لكن ما لا يصح إطلاقا أن يقول أحد إنّ مرجعية الشيعة تقع تحت تأثير و نفوذ شبكة من رجال الدين، و يندر أن يتمكن أحد أن يرشح نفسه للمرجعية و يكتسب ثقة الناس إلّا من خلال التفاهم مع هذه الشبكة، و التنازل لمطالبها السياسية و المالية. و إنّ هذه الشبكة تمارس نفوذها غير المرئي على الوسط الشيعي في تشخيص و تحديد مرجع التقليد
بدرجة عالية و هي قادرة على تقويم المرجعية و تقويضها في آن واحد.
إنّ في هذا التصور شيئا كثيرا من المبالغة و الغلو و الإفراط، و لو لا أنّي أعلم أنّ قائل هذه المقولة إنسان عالم و ملم بظروف و تاريخ المرجعية البعيد و القريب، و قرأت له في تاريخ الفقه الإمامي دراسة ناضجة و علمية قيّمة جديرة بالاحترام لقلت إنّ هذا الكلام ضرب من الخيال[1].
و لست اناقش في وجود هذه الحالة على أرض الواقع، و هذا أمر طبيعي، فمن حول كل مرشّح للزعامة نفر من الحاشية من أهل الدنيا و الطمع في متاع الحياة الدنيا، و هؤلاء النفر ينفعون و يضرّون بطبيعة الحال. هذا أمر لا أنفيه، و لكن الكلام في حجم هذا النفر و قيمتهم السياسية و الاجتماعية و الدور الذي يمكن أن يضطلعوا به، و أنا لا أشك أنّ هذا التصور عن الحجم و الدور الضخم الذي يمارسه هذا النفر لا واقع له على أرض الواقع إطلاقا.
التقليد و الحالة القومية عند الشيعة:
و إذا أردنا أن نسلط الأضواء على الجوانب المشرقة لفكرة التقليد و المرجعية عند الشيعة، يجب أن نذكر قدرة المرجعية في تخطي الحالة القومية و تجاوزها على مستوى القمة و القاعدة معا.
فإنّنا نلاحظ على مستوى القمة في الحوزات العلمية، و في الأوساط الفقهية ذات الخبرة بالمرجعية و المعنية بها طرح اسم فقيه أو آخر لقيادة المسلمين الدينية في العالم الشيعي، دون أن يؤخذ بنظر الاعتبار الحالة
[1]يشير إلى المقال المنشور في جريدة (صوت العراق) الصادرة في لندن العدد 106 بتاريخ 22/ 2/ 1992.
القومية و الجذور القومية لهذا الشخص على الإطلاق.
و كما نلاحظ على مستوى القاعدة قبول مرجعية الفقيه المتصدي العادل و الكفوء من قبل جماهير المسلمين الشيعة، دون أن يؤخذ بنظر الاعتبار انتماؤه و ارتباطه القومي.
و هذا التخطي على مستوى القمة و على مستوى القاعدة يدل على درجة عالية من الوعي و الالتزام بالحدود الشرعية، و الفهم الشامل و المستوعب لمفاهيم الإسلام و نظرته الإنسانية الواحدة، يجب أن يذكر باعتزاز، و لنا على ذلك عشرات النماذج و المصاديق التاريخية و المعاصرة.
فقد ذاع اسم الشيخ محمد حسن النجفي مؤلف الموسوعة الفقهية (جواهر الكلام) في الأوساط الفارسية و التركية في إيران و القفقاز و أذربيجان، كما ذاع اسمه في الهند بالتقليد، و هو فقيه عربي عريق من العراق. و لما حضرته الوفاة أناط المرجعية بحضور جمع من فقهاء العراق و عيونهم إلى فقيه فارسي من دزفول مغمور، لا يعرفه أحد، إلّا في أوساط الحوزة و بين الطلبة و هو الشيخ مرتضى الأنصاري بعد أن أوصاه أن يقلل من احتياطاته في الفتوى، و قال له إنّ الشريعة سهلة سمحة فلا تكثر من الاحتياط. و قال;بعد ذلك و هو في اللحظات الأخيرة من حياته: الآن طاب لي الموت.
و قال الناس بعد ذلك: دخل ملا مرتضى- و هو الاسم الذي كان يعرف به الشيخ الأنصاري في أوساط طلبة الحوزة حينذاك- على صاحب الجواهر و خرج بعنوان الشيخ مرتضى الأنصاري زعيم الشيعة و مرجعهم في العالم.
و تعاقب بعد ذلك فقهاء من العراق و إيران على مرجعية الشيعة، عمّ تقليدهم البلدين مثل: مرجعية الفقيه الشيخ جعفر كاشف الغطاء (;تعالى)- من فقهاء العراق الكبار- و الذي شاع تقليده في إيران في العصر (القاجاري) و سافر إلى إيران و استقبلته إيران استقبالا حافلا، و مرجعية السيد ميرزا حسن الشيرازي الذي شاع تقليده في العراق بصورة واسعة.
و في عصرنا الحاضر يمكن أن نذكر كشاهد على ما نقول مرجعية الإمام السيد محسن الحكيم (قدّس سرّه)- من فقهاء العراق- التي امتدت من العراق إلى إيران و بلاد الأفغان و الهند و باكستان. و مرجعية الإمام الخميني (قدّس سرّه)، و مرجعية آية اللّه العظمى السيد الخوئي (قدّس سرّه) التي امتدت إلى البلاد العربية و غير العربية في العالم الشيعي بشكل واسع. و هذه الشواهد تعبر بوضوح عن مضمون حضاري في مرجعية الشيعة، و هو أنّ الزعامة الشيعية تمكنت من أن تتجاوز الحدود الإقليمية و القومية بكفاءة و جدارة عالية.
و مما لا يصح في أي نقد موضوعي لمرجعية الشيعة تجاوز هذا الواقع الموضوعي المشرق و الحديث عن المرجعية بلغة (العرب) و (العجم) و (القومية) و (الإقليمية) باللغة المألوفة في الأوساط السياسية[1]. فقد استطاعت الزعامة الشيعية أن تتجاوز هذه الحالة منذ عهد بعيد[2].
[1]إشارة إلى المضامين الواردة في المقال في جريدة (صوت العراق) الصادرة من لندن.
[2]كان الشيخ المفيد موضع احترام و ثقة الدولة (البويهية) الإيرانية المعروفة، و الشيخ كما نعرفه من اسرة عربية عراقية معروفة من (عكبرا) قرب مدينة بلد، كما أنّ الشهيد الأول;كان موضع ثقة و اعتماد الدولة (السربدارية) الفارسية و السبزوارية، و هو فقيه عربي من لبنان (جبل عامل).
مسئولية الجمهور في أمر التقليد:
و انطلاقا مما تقدم في أهمية موقع المؤسسة الدينية في مجتمعنا و أهمية زعيم هذه المؤسسة، لا بدّ من أن نشير إلى ضخامة المسئولية التي يتحمّلها الناس، حينما يرجعون إلى أحد في التقليد و يختارونه للمرجعية .. فإنّ هذا الاختيار يعتبر كما سبق أن ذكرنا إسهاما مباشرا في تكوين المرجع الديني و نصبه للتقليد .. و هو مسئولية خطيرة للغاية.
و كما يتحمّل المرجع الديني مسئولية هذه المهمّة كمرجع للتقليد، تتحمّل الامّة أيضا مسئولية اختيار المرجع الديني من بين المرشّحين للمرجعية، فلا يجوز للامّة أن تسلّم المرجعية إلى أيّ يد تمتد لها، دون أن تتأكّد من قبل من صلاحيتها و كفاءتها لهذا المنصب الرفيع، و دون اختبار و حساب دقيق للشخص الذي تسلّمه الامّة زمام المرجعية. فإنّ عدم التأكّد من صلاحية المرجع و كفاءته من الناحية العلمية و التقوى و الكفاءات الشخصية، قد يؤدّي إلى كارثة في حياة الامّة، عند ما لا يكون المرجع الذي تسلّم مهام المرجعية أهلا لتحمّل هذه المسئولية.
فأمر اختيار المرجع- إذن- من المسئوليات الكبيرة الملقاة على عاتق الامّة، و حينما تختار أحدا للتقليد تتحمّل مسئولية التّبعات التي تتمخّض عن ذلك.
و لذلك فإنّ على الامّة أن تتريّث كثيرا في اختيار المرجع، و أن تتأكد من الشخص الذي تنيط به هذه الأمانة، قبل أن تحمّله هذه المسئولية الكبيرة. فإنّ المرجعية كيان اجتماعي و سياسي مؤثّر في حياة الامّة تجلب كثيرا من المطامع، و تعنى بها واجهات سياسية و حكومية، و تحاول أن تدسّ أنفها في
الموضوع و تؤثّر بشكل من الأشكال في توجيه المرجعية بالشكل الذي ترتضيه و تؤمّن مصالحها.
و مع أنّ هذه المحاولات لا تزال تبوء بالفشل في تاريخ المرجعية، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها هذه الفئة أو تلك في تحريف خط المرجعية، و مع أنّ المرجعية ظلّت على امتداد تاريخها الطويل- رغم كل هذه المحاولات- نظيفة مشرقة، لا يجد فيها أحد مغمزا .. رغم ذلك كلّه فإنّ على الامّة أن تكون واعية، مفتوحة العينين، مدركة لمسئولياتها الكبيرة في اختيار المرجع الذي تلقي إليه زمام التقليد و الزّعامة الإسلامية، مقدّرة كل التقدير جسامة المسئولية الملقاة على عاتقها في هذا الاختيار، و لا تنقاد من وراء موقف عاطفي، و لا تحكم بنظرة سطحية، و دون تقدير و حساب دقيق لمن تختار لهذه المسئولية الخطيرة.
الشروط التي لا بدّ منها في مرجع التقليد:
و نظرا لما تقدّم من مسئولية المرجع الديني، و مسئولية المقلّدين في اختيار مرجع التقليد من بين المرشّحين للمرجعية، فلا بدّ من التأكّد من صلاحية الشخص لهذه المسئولية، و توفّر الشروط التي لا بدّ منها فيه قبل اختياره لها.
و هذه الشروط كثيرة لا نريد أن نستقصيها جميعا، و بإمكان القارئ فيما لو أراد المزيد من المعرفة الرجوع إلى المباحث الفقهية المتعلّقة بالموضوع. و أهم هذه الشروط هي:- 1- الحياة.
2- الفقاهة (الاجتهاد).
3- العدالة.