بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 143

عقيدةُ عودة الأرواح، وليدةُ جَهل الإنسان‌

سؤال:يقولون أنّ الإعتقاد بعودة الأرواح، و التي لها جذور تأريخية، هى وليدةُ فلسفةٍ خاصّةٍ، و أنّ المُعتقدين بها يدافعون عنها اليوم؛ لأنّها تَحِلّ مشكلاتهم.

الجَواب:هُناك ظَواهر مُبهمة كانت تنبع منها في الماضي فرضيّة التّناسخ و عَودة الأرواح، و قد إتّضحت هذه الظواهر اليوم، في ظِلِّ التّقدم العلمي الواسع، و لم تَعُد الحاجَة لهذه الفرضيّات الخُرافيّة.

توضيح ذلك:إنّ تأريخ العقائد و الأديان، يشير إلى أنّ الاعتقاد بالتّناسخ و عودَة الأرواح، من أقدم العقائد التي وُجِدت في العالم، و تأريخها ينتهي لِعصر «الأساطير».

و يُحتمل إحتمالًا قويّاً أنّ «الهند» و «الصين»، هُما وطنها الأصلي، و الآن ينتشر هذا الإعتقاد في أوساط وَ ثَنِيّي الهِند، و قد إمتزج بحياتهم حتّى‌ أصبح من الصّعب التّفكيك بينهما.


صفحه 144

الإحترام الخاص الذي يولّيه الهِندوس لِلحيوانات و حتّى‌ الحَشرات، ينبع في الحقيقة من هذا الإعتقاد، إنتشار «أكل النبات» في الهند و مخالفتهم لأِكل لَحوم الحيوان يرتبط بهذا الإعتقاد أيضاً.

المؤرِّخ الغربي المَشهور «ويل ديورانت» في كتابه قصة الحَضارة، يقول:

(الهندوس الواقعيّون يمتنعون ما إستطاعوا من قتل الحشرات، و حتّى‌ من هم لَيسوا من أهل الفضيلة، يتعاملون مع الحيوانات كأخوةٍ ضُعفاء صامِتين، و ليس كمخلوقاتٍ حقيرةٍ يتحكَّمون بها وفقاً لِما أمرهم اللَّه تَعالى به)!.[1]

الهُنود يُطلقون كلمة «كارما» على التّناسخ و عَودة الأرواح مُطلقاً، سواء كانت في بدن الإنسان أو الحيوان.

هذا الإعتقاد- كالإعتقاد بالخرافات الكثيرة الأخرى‌-، كان وليد الجهل و ضعف الإنسان في تفسير الظّواهر الطبيعيّة أو الإجتماعيّة المختلفة.

[1]. قصّة الحضارة، المُجلّد الثّاني، صفحة/ 735.


صفحه 145

بعبارةٍ أوضح: القدُماء كالعَديد من النّاس اليوم، غالِباً ما كانوا يصطدِمون بحوادث، يعجزون عن تفسيرها تفسيراً علميّاً أو فلسفيّاً صحيحاً، و بما أنّ طبيعة البشر حبُّ الإطّلاع، الذي لا يُرخّص؟ الإنسان بأن يترك سؤالًا في ذهنه دون جواب، فيضطر إلى الوقوع في التّخيّلات و يُؤلِّف تفسيراً خَياليّاً لها، و أكثر الخُرافات ظَهرت وَ وُجدت عن هذا الطّريق.

مثلًا قد يكون الكثير منّا سمع، بأنّ بعض «العامّة» يفسرون ما يرونه ليلًا عند عَدْوِ الخَيل، من أنّ بريقاً يُضي‌ء تحت حافرها: بأنّ الجِنَّ تُشعل مصابيح تحت أرجلها!، إنّهم لا يفكرون بأنّ هذا العمل، ماذا يفيد الجِنّ، و هل أنّ الجِنّ ليس لديها أعمال إلّا إضاءة المصابيح تحت أرجل الخيل.

أولئك كانوا يرون هذه الظّاهرة الطبيعيّة و يعجزون عن تفسيرها، لذا يلجأون إلى التّخيلات.

أو الحرائق التي تحدث في بعض المنازل، و لم يَظهر لها سبب فيفسِّرونها بأنّها معلولةٌ لأعمال الجِنّ.

لكن اليوم نعلم جيِّداً أنّ الشّرارة الكهربائيّة تحدث بسبب‌


صفحه 146

الإحتكاك القوي لِجسمين مع بَعضهِما، و هى أمرٌ طبيعي، ليس له علاقة بحافر الخيول ولا الظّلمة، و تحليلُها العِلمي واضحٌ أيضاً، أو إنّنا نعلم أنّ بعض المواد الكيمياويّة تكون سبباً لِلحرائق، و التي تشتعل بدون سببٍ و في ظروفٍ خاصّةٍ، فإذا إقتربتْ منها بعض الأشياء قَسراً او تلقائيّاً إحترقت.

في ظِلّ الإكتشافات الفيزيائيّة أو الكيمياوية، فإنّ هذه الظّاهرة خرجت عن كونها خُرافةً سابقةً. طبعاً نحن لا ننكر وجود كائنات بإسم الجِنّ، (الجِنّ في الأصل بِمعنى‌ كائِن مُختَفٍ)، لكنّ الجنّ بمعناه الصّحيح و الذي يُؤيِّده العِلم، و الفلسفة و أيضاً، جاء في القُرآن اكريم، يختلف كثيراً عن الجِنّ ذي الذّيل و ذي الحافِر، الذي خلقته أفكار العامّة و نَسجهُ خيالهم، و لَسنا بِصدد التّعرض لِهذا الموضوع.

مسألة التّناسخ و عودَة الأرواح هى أيضاً من هذا النَّسج، لأنّه:

في الماضي كان كثير من الناس يَرون، أنّ في المُجتمع أفراداً معلولين و أفراداً ناقِصي الخِلقة من الولادة، و يرون‌


صفحه 147

أنّ بعض الأفراد يتعذّبون طِوال عُمرهم، بعكس الآخرين فإنّهم مُرفّهين تَماماً، و شَخصاً ذا ثروةٍ لا يستطيع أن يحسِبُها، الآخر لا يملك قوتَ يومه، و يحن الى رغيفِ الخُبز، و شخصاً موفّقاً في كلّ أعماله الحياتيّة، و آخَراً يواجِه الفشل في أغلب الأحيان.

و لِأنّهم لم يكونوا مطّلعين على الأسباب الجسميّة و النفسيّة و الإجتماعيّة لهذه الأمور، و لم يكونوا متمكنّين من تفسير هذه اللّاعدالة بالطرق الواقعيّة، فإنّهم يذهبون إلى «تناسخ الأرواح» و ال «كارما» بسرعة، و يقولون: إنّ هؤلاء الأفراد المَعلولين و النّاقصين و المحرومين و المظلومين، كانوا قد جاءوا في الماضي إلى هذا العالم، و لابدّ أنّهم في حياتهم السّابقة كانوا قد إرتكبوا جرائم، و يجب أن يرَوا كلّ هذا العَذاب، جزاء تلك الجرائم و ليتطهّروا، و هذه هى عَينُ العَدالة!

(و يل ديورانت) في المجلد الثاني، الصفحة 735 من تأريخه: «مشرق الأرض تاريخ الحضارة»، يقول:

أنّ أساس «الكارما» يفسر لِلشعوب الهنديّة كثيراً من‌


صفحه 148

الحقائق المُبهمة، أو الأمور غير العادلة ... أنواع المصائب التي تظلم الكرة الأرضيّة و تلطخ التأريخ.

كلّ ذلك العذاب و تلك الآلام، التي تسير في دم و لحم الإنسان منذ ولادته و حتّى‌ مثواه الأخير، كلّ هذا يهوّنه و يُيسِّره أصل «الكارما»، للهندوس الذين يعتقدون به.

هذه المصائب و الجور، و هذا الإختلاف بين النّبوغ و البلاهة، و الفقر و الغِنى‌، كلّ ذلك نتائج الحياة السّابقة و وَليد ذلك القانون القديم، كان يُرى‌ ظُلماً و جَوراً في ميزان عمر الإنسان القصير، أو اللّحظة من الأزَل. أمّا في النهاية فقد ظهر أنّه هو عين العدالة و الإنصاف.

ال «كارما» من جملة الإبداعات الكثيرة، التي أراد الإنسان أن يتحمّل و بمساعدتها المصيبة و الشّر بكلّ صبرٍ و حلمٍ.[1]

إذا كانت الشّعوب الهنديّة أو باقي الشّعوب القديمة، قد أنشأت فرضيّة عودة الأرواح لتفسير هذه الظّواهر، فاليوم و

[1]. تأريخ (ويل دورانت،) ج 2، ص 735.


صفحه 149

في ظِلّ تقدم «علم الطّب» و «علم النفس» و «العلوم الإجتماعية» الأخرى، لم تعد حاجة لتلك الفرضيّات الخُرافيّة، لتفسير هكذا ظواهر؛ لأِنّنا نعلم:

لو إلتزم الإنسان بالتّعليمات الصحيّة لسَلامة جِسمه، و راعى‌ الأب و الأم التعليمات الصحيّة و النّصائح الطبيّة الخاصّة بالجَنين، فسوف لا يأتي إلى الدنيا طِفل ناقِص.

و بعبارةٍ أخرى إنّ وجود الأفراد المُشوّهين و النّاقصين ليس أمراً حَتِميّاً، فإنّ جهاز خلق الإنسان دقيق إلى الحدّ الذي، لو التُزم بالمراقبة الكاملة و استخدمت القوانين الخاصّة به، لكان الناتج سالماً مائة بالمائة.

و علاوةً على ما سبق، فإنّ كثيراً من الفلاحين كانوا يتصوّرون، أنّ قسماً من محصولاتهم الزراعيّة أو فاكهة الأشجار، ستكون حتماً ناقصة و مصابة بالدّيدان، و هذا من لوازم وجودها، و كانوا يقولون: (آفة الشّجرة هى من الشّجرة نفسها)، ولكنّ الدراسات العلميّة أظهرت أنّه ليس كذلك؛ و إنّ الفلاح النّموذجي بإستخدام القوانين الزراعية الصحيحة، سيكون كلّ محصوله سالماً، ولن يكون هناك تفاحةٌ واحدةٌ


صفحه 150

مصابةً بالآفة في كلّ محصوله.

بناءاً على هذا فإنّه امّا أن يكون الأب و الأم مقصّرين، أو المجتمع الذي يعيشان فيه، لأنّه يزودهما على الأقل بالتعليمات الصحيحة أو الصحيّة أو لوازمهما الحياتيّة، حتّى‌ لا يقع أولادهما بهذه المصيبة، و كما لو أنّ إنساناً ضرب آخر وفقأ عينه، فالإنسان هو المقصّر لا جهاز الخَلق و، أصل الخِلقة، و هذا هو المعيار و الضّابط في من يُولَد من بطن أُمّه مكفوف البصر، و يستَند التّقصير في ذلك الى نفس الفرد أو المجتمع.

و أمّا في موارد ثراء البعض، و فقر البعض الآخر؛ فإنّ هذا الموضوع اليوم مَردود إلى: أنّ الأنظمة الإجتماعيّة الخاطِئة و الأنظمة الإقتصادية الفاسدة، هى التي ينبع منها هذا الإفراط و التّفريط، و ليست مسألة عودة الأرواح و الكارما. و منه المُحتَمل أن يكون إستنباط الهندوس القُدماء سائِغاً؛ لعدم علمهم بأصول «العلوم الإجتماعيّة»، و «الإقتصاد الحديث».

لكن اليوم فإنّه لا قيمة لكلّ هذه الإستنباطات.