الدّليل الأوّل على إبطال عقيدة التّناسخ:
عدم إمكان الرّجعة:
نحن نعلم أنّ الكائنات الحيّة في هذا العالم، لا تهدأ لحظةً واحدة، و هى دائماً في تغيرُّ من حالةٍ إلى أخرى، و من مرحلةٍ إلى أخرى أكثر كمالًا.
إنّ مؤشِّر كافّة التّغيرات و التّحولات الحياتيّة، في كائنات العالم الحيّة، يتّجه صوب التّكامل و مراحل الحياة الأسمى.
النُّطفة المُتكونة من تفاعل«الحَيمَن»و«البيضة»، هى في حركةٍ دائبةٍ ليلًا و نهاراً. في بِدءِ تكوينها لا تُرى إلّابصعوبةٍ شاقّةٍ بالعين المُجرّدة، و ليس لها أيّ شَبَهٍ بالإنسان، ولكنّها سُرعان ما تطوي أدوارها التّكامليّة، لتتخذ في النّهاية شكل الإنسان الكامل.
الشّيءُ الذي يستحيل إمكانه في هذا القانون، هو العَودة
و الرّجوع إلى الوراء. فالطّفل في شهره الأوّل، يستحيل رجوعه إلى نطفةٍ، و الطّفل المتكامل لا يعود عَلَقةً.
و عندما تتكامل أدوار الجنين النهائيّة، و لا يعود الرّحم صالِحاً له، فإنّه و بأمرٍ طبيعي يصدر من مبدأ الخَلق، يخرج من ذلك الرَّحم، كما في الفاكهة النّاضجة عند سقوطها من الشّجرة.
و كما أنّ التّفاحة السّاقطة من الشّجرة، لا يمكنها العودة إليها، كذلك الجنين لن يرجع مرّةً أُخرى إلى الرّحم!.
بل لا يمكن رجوع هذا الجنين الى الرّحم، حتّى و إن إصطدم ببعض الموانع التي لا تدعه يواصل تكامله، و لم يبد هنا لك من أثرٍ لبقاءه في الرّحم و يسقط ناقصاً، على غِرار الفاكهة غير النّاضجة التي تسقط من الشّجرة.
هذا القانون يشمل النبات و الحيوان و الإنسان، و كافّة أحياء العالم بشكلٍ عام. و ليس لِكائنٍ في أن يرجع القَهقَرى، و يعود الى المرحلة التي إجتازها بعد أن قطع مسيرته نحو التّكامل، و إن حصلت هذه المسيرة بصورةٍ ناقصةٍ.
و الفلاسفة السّابقون يُعبّرون أحياناً عن هذه الحقيقة
بشكلٍ آخر، و يقولون: الكائن إذا تحول من القوّة إلى الفعل، فلا يمكنه الرّجوع إلى الحالة الأولى. (القوّة).
نظريّة أحد الفلاسفة المشهورين:
بعد البحوث السّالفة التي ذُكرت حول إبطال عقيدة (التّناسخ)، و رجوع الرّوح إلى بدنٍ آخر، نُطْلع القرّاء الكِرام على ما قاله الفيلسوف المعروف الملّا صدرا الشيرازي، في كتابه المشهور (الأسفار)، حول إستحالة عقيدة (التّناسخ)، معزّزاً بالأدلة الكثيرة، يقول الشيرازي:
(الرّوح في بدءِ تكوّنها هى مَحض إستعداد و قوّة، و لم تبلغ مرحلة (الفعليّة) في أيّة جهةٍ، كما أنّ البدن كذلك في بدايته، يعني أنّ كلّ شيءٍ فيه كامن في مرحلة (الإستعداد).
هذان الإثنان (الرّوح و البدن)، يتطوّران و يتقدّمان جنباً إلى جنب، و ما فيهما من (قوّة و إستعداد) كامنين، يتحول تَدريجيّاً الى مرحلة (الفعليّة و الظّهور).
و كما أنّ الجسمَ، يستحيل أن يرجع بعد وصوله الى مرحلة من (الفعليّة) أو (القوّة و الإستعداد).
كعودة الجَنين الكامل إلى نُطفةٍ أو عَلَقةٍ، أو يعود بعد الوِلادة إلى الرّحم، كذلك الرّوح يستحيل عليها العودة مرة أخرى، من حالةٍ تعَدّتها، إلى حالةٍ سابقةٍ لها، أي من دور (الفعليّة) إلى دور (القوّة).
إنّ حركة هذين الإثنين (الرّوح و الجسم)، هى نوع من أنواع (الحركة الجوهريّة) التي تَتمّ في ذوات الأشياء، و العودة في الحركة الجوهريّة غير مُمكنة مُطلقاً.
ولو فرضنا أنّ روحاً بعد وصولها إلى مرحلة (الفعليّة)، عادت و إستقرّت في بدن جنينٍ، و هو محض الإستعداد و القوّة، يلزم من ذلك إتحاد شيئين متضادّين، أي إتّحاد بدن في حالة الإستعداد و القّوة، بروح وصلت مرحلة الفعليّة و الظّهور، ولا شكّ في إستحالة هذا.
هذه خلاصة ما قاله هذا الفيلسوف المشهور، مع توضيح مختصر لنا.[1]
و الآن نتابع عرضْ بقيّة نقاط ضَعف عقيدة التّناسخ:
ولكن الإعتقاد بالتّناسخ يخالف هذا القانون المُسّلَم به.
[1]. يراجع المجلد التّاسع للأسفار، صفحة (2) و (3) «الطبعة الجديدة».
هذه العقيدة تقول: إنّ الإنسان يموت و روحه تنفصل عن جسده، كما في الفاكهة النّاضجة أو غير النّاضجة السّاقطة من الشّجرة، ولكن سرعان ما تعود هذه الرّوح إلى جسدٍ آخر، ولتبدأ من جديد بتلك الأدوار أولًا في داخل النّطفة، ثم تخرج بشكل جنينٍ كاملٍ.
و تَتَولد مرّةً أُخرى.
ثم تطوي مراحل الطفولة مرة أُخرى، بكلّ مشاكلها و مرارتها و حلاوتها.
الرّوح التي كانت في الماضي، تتكلم و تمشي و تأكل و تفكّر و ربّما تقرأ و تكتب، كلّ هذه الأشياء تنساها، مرّةً أخرى يجب على الأم أن تعلّمها طريقة المشي، و شيئاً فشيئاً تلقّنها الحُروف حتّى تستطيع التّكلم. و تنتقل بها خطوةً خطوةً، لتتعلم كيف تمشي.
مرةً أُخرى تتعلَّم كيفيّة إرتداء الملابس، و تذهب إلى المدرسة، و من جديد تتعلم «دار دور»، و من جديد يعلمونها كلّ الأشياء.
هذه هى و الرَّجعة الواضحة، هذا هو الرجوع بكلّ معناه،
هذه هى الخُطوة العريضة نحو الأدوار السّالفة.
هذا الكلام لا يستطيع أيّ فيلسوف تقبّله، و لا أيّ عالم طبيعي أو محقّق.
الشّخص الذي يكون عابداً للَّه، معتقداً بنظام كائنات عالَم الوُجود، و أنّه مطابِق لإرادةٍ، أزليةٍ و يدار وفق سلسلة قوانين صحيحة، كيف يمكنه أن ينسب هذا العمل الأحمق إلى خالق العالَم العظيم، و يقول: بعد أن يطوي الكائن كلّ أدوراه التّكامليّة- بشكلٍ كاملٍ أو ناقصٍ-، فإنّه يرجع مرةً أُخرى إلى حالته الأولى، ليبدأ من الصِّفر!؟
لو أنّ هناك أحداً يُعيد طالِباً جامعيّاً- مهما كان ضعيفاً فى درسه-، إلى الصّف الأوّل الإبتدائي، و يحمله على دراسة الحُروف و (دار دور)، ألا يضحكون عليه؟.
فكيف يُمكن أن يُنسب هذا العمل المُضحك إلى اللَّه تعالى؟!.
الحقّ أنّ الرّوح بعد مفارقة البدن، لن تعودَ إلى هذا العالم و لا إلى داخل الرَّحم، و الرّجوع إلى حياةِ الآخرة، لا يتمّ إلّافي مرحلةٍ أعلى، و في عالمٍ آخر أسمى من هذا العالم.
و في الحقيقة كما أنّ (هذا العالم)، يُعَدُّ دوراً تكامليّاً أعلى من (عالم الرّحم)، كذلك (عالم الآخرة) سيكون أعلى بهذه النّسبة التكامليّة من هذا العالم.
على كلِّ حال، أنّ الاعتقاد بعودة الرّوح، إلى حياةٍ جديدةٍ في هذا العالم، هو عقيدةٌ رجعيّة، بكلّ معنى الكلمة.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة