الدّليل الرّابع على إبطال عقيدة التّناسخ
الأرواح غير المُكلَّفة و المنتظرة الحائرة!:
الإشكال الآخر الذي يَرِد على عقيدة (التّناسخ)، و العودة إلى الحياة مُجدّداً هو:
لو تمَّ هذا الأُسلوب بالنّسبة لكلِّ الأفراد الذين يحتاجون إلى تكاملٍ جديدٍ، فيلزم من ذلك، أن يتَقارن دائماً موت شخصٍ مع إنعقاد نُطفةٍ أُخرى، لكي تنتقل الرّوح بعد إنفصالها من البدن الأوّل إلى البدن الثّاني، الذي هو في حال: النُّطفَه.
فلو أنّ حادثةً وقعت، كالزّلزلة أو الفيضان الذي يُهلك الكثيرين في مدّةٍ قصيرةٍ، أو الحروب العالميّة التي تدمّر و تُهلك الكثير في لحظاتٍ خاطفةٍ، ولا سِيَّما إذا إستخدمت فيها الأسلحة الذريّة، كما حدث في اليابان من فاجعة: (ناكازاكي و هيروشيما)، فماذا سيكون مصير هذه الأرواح؟.
و مع علمنا التّام بأنّه سوف لن تنعقد نُطفٌ، بذلك العدد في الظّروف الطبيعيّه، إذن تبقى هذه الأرواح بغير تكليف، و
يجب أن تبقى تنتظِر دورها، كالمُسافرين ينتظرون الحافلات داخل المدن الكبيرة، و ماذا سيكوِن مصير الرّوح التي فقدت جِسمها الأوّل، في الفترة التي يتأخَّر فيها حُصولها على الجسم الثّاني؟!.
هل يستطيع أحد أن يدّعي، أنّ عدَد الوِلادات التي تنعقد نُطفهم، يعادل عدد الوفيّات دائماً، في الوِقت الّذي نرى فيه خِلاف ذلك، بدليل إحصاء الحروب و التَّدمير النّاشِىء من السيّول و الزّلازل.[1]
هذا كلِّه دليلٌ على ضَعف و خَطأ هذه العقيدة الخُرافيّة، و أنّ الإسلام و الأديان السّماوية الأخرى، قد ابطلت هذه العقيدة و أتبَتَت زيفها.
[1]. العديد من أتباع عقيدة التّناسخ و عودة الأرواح، يقولون أنّه لا مانع من أن تبقى الأرواح و من ثم تعود إلى هذا العالم في جسمٍ ثان، بناءً على ذلك فإنّ هذا الموت العام و الشّامل، سوف لن يوجد أيّ إشكال في عودة الأرواح إلى هذه الدنيا، ولكن هذا الجواب لا يحلّ مشكلة هؤلاء أبداً، لأنّه لو سلّمنا بأنّ الروح في حاجة إلى التّكامل و العودة المجدّدة إلى هذا العالم، فلن يكون هناك دليل على بقائها فترةً تائهةً و منتظرةً في عالم الأرواح، بل يجب عليهما العودة سريعاً إلى نقطة بعد إِنفِكاركها من البدن الأوّل. و في الواقع أنّ بقاء الأرواح، هكذا في عالم الأرواح، كبقاء الطالب عندما ينهي دراسة الصّف الأوّل، ثم ينتظر ثلاثين عاماً بعد، هل يعود إلى الصف الثانى؟، و هذا هو عينُ الحَماقة و عجز الرّأى!.
العَودة إلى الحياة الجديدة من وِجهة نظر القُرآن
جميع الفِرق الإسلاميّة تتَّفِق، على أنّ الرّوح لن تعودَإلى بدنٍ آخر في هذا العالم،بَعدَ فناء هذه الحياة، و علماء الشّيعة و السنّة أدانوا بكلِّ صراحةٍ عقيدة التّناسخ، و إعتبروها إحدى خُرافات الأديان القديمة، ك: (الهنديّة).
إلّا أنّ هناك مجموعةً صغيرةً كانت تُدعى:«التّناسخيّة»اتَّبعت هذه العقيدة، و نحن اليوم لا نجد سِوى إسم هذه المجموعة في كتب (المِلل و النِّحل)، و لا نرى لها اليوم وجوداً بين صفوف المسلمين.
و لعلَّ مصيرها كان كمصير تلك الفرق و الجماعات التي إندثرت، و لم يبق إلّاإسمها في كتب «المِلل و النّحل»، و إنّها لم تظهر، إلّاحين نشطت حركة تَرجمة الكتب الفلسفيّة اليونانيّة و سائر الكتب الدينيّة، و تصاعد حِدَّة الأبحاث و
المحاورات الدينيّة من قبل بعض الأفراد ممن لاحَظَّ لهم من عِلمٍ أو معرفةٍ.
مؤلّف دائرة معارف القَرن العشرين، (في المجلد العاشر، صفحة 181)، يقول:
عقيدة عودة الأرواح إلى أبدانٍ أُخرى في هذا العالم، هى إعتقاد قديم وسالِف، ظهر أوّل مرّةٍ في الهند، و لحدِّ الآن في أوساطهم من يعتقد بتلك العَقيدة ...
و في الإسلام لم يؤمن أحد بهذه العقيدة، إلّافرقة:
(التناسخيّة)، و أولئك لم يأخذوا هذه العقيدة عن القرآن، و لكن إقتبسوها من الهنود، و مِمّا تناقلته العرب من فلسفة أولئك ...
و يجب مُلاحظة: أنّه يستفاد من مختلف المصادر، أنّ هذه العقيدة كان لها أتباع، ينتمون إلى الأقوام التي لا تؤمن بالمَعاد و يوم القيامة، كما نؤمن بِهما، و على ضوء ما أشار اليه القُرآن الكريم.
لأنّه لو قبلنا أنّ الأرواح، تعود مرةً أخرى إلى أبدانٍ جديدةٍ في هذا العالم لترى نتيجة أعمالها، فلن تَعودَ هناك من ضرورةٍ لِلمعاد يوم القيامة.
يقول بعض أتباع هذه العقيدة: إنّ الفقير و المَحروم سيعود بشكل رجلٍ ثري و ذي يَسار، أو أنّ الثّري الطاغي سيعود بصورة عاملٍ بائِسٍ فقيرٍ، أو أَنَّ من فَشل في الحبِّ! يصل إلى قُرب المَحبوب و إلى وِصاله، والذين خانوا و لم يَفوا في الحُبِّ! يبتلون بالبعد و الهِجران. أو أنَّ: «نايب حسين الكاشي»، سيعود على الهَيئة الفلانيّةِ ليُحاسب على أعماله. و مع كلّ هذا لا تبقى ضرورة ليوم القيامة، و في الحقيقة فإنّ يومَ قِيامتهم يتمّ في هذه الحياة الدّنيا، و ليس قيامةً و بعثاً آخر، و إعداد محكمة و حساب و كتاب آخر، فهو غير ضروري؛ لأنّ عقاب من نال جزاءَ أعماله في هذه الدنيا، يُعدّ نوعاً من الظلّم و الجَور.
لذا فإنّ الأحاديث الواردة عن أئمَّة الإسلام العظام، تضمَّنت الإشارة الى لوازم هذه العقيدة- و في مقدّمتها انكار البعث و المعاد- الى جانب بُطلانها.
فقد روى المرحوم(الصّدوق)، المحدث الإسلامي الكبير، في كتابه(عيون أخبار الرّضا)عن الإمام عَليّ بن موسى الرّضا عليه السلام، في جواب المأمون عن مسألة التّناسخ، قال:
«من قال بالتّناسخ فهو كافر باللَّه العظيم؛ يُكذِّب بالجنّة و النّار».
و النّقطة التي يجب أن تُلاحظ أكثر في هذا الحديث هى، أنّ الإعتقاد بالتّناسخ ذُكر مقارناً لعدم الإعتقاد باللَّه تعالى. و العلاقة بين الإثنين: (الإعتقاد بالتّناسخ و الكفر باللَّه تعالى)، تتّضح بِملاحظة موضوعٍ واحدٍ هو: أنّنا نقرأ في كتب (التأريخ و الأديان)، أنّ فرقةً من أتباع التّناسخ المُعاندين كانوا مجموعةً من الماديّين، فقد رَغبوا بهذه الفكرة أثر نَفِيهم لوجود اللّه، فإضطرّوا للإعتقاد بأزليّة الأرواح و عدم وجود خالِقٍ لها، و إنّ هذه الأرواح يجب أن تبقى خالدةً طول العُمر، و في كلّ فترةٍ تُقيمُ في بدنٍ، و مع فَناء البَدن تستقرُّ في بدنٍ آخر، و هكذا تُديم عمرها!.
و هكذا تتَّضح العلاقة بين هذه العقيدة و العقيدة الماديّة.
وردت في القُرآن الكريم، الذي هو مصدر العلوم و الثّقافة الإسلاميّة، آيات كثيرة ترفض عقيدة التّناسخ، و منهما ما يأتي:
1- ىحتى إذا جاء أحدهم الموت قال ربِّ آرْجِعون* لَعليِّ أعمل صالحاً فيما تركت كلّا إنّها كلمة هو قائلها ... ى.[1]
هذه الآية الشّريفة، تنفي بصراحةٍ رجوع الأرواح إلى هذه الحياة، لِتَتَدارَك ما فات في الماضي.
2- ىكيف تكفرون باللَّه و كنتم أمواتاً فأحياكم ثم يُميتكم ثم يحييكم ثم إليه تُرجعونى.[2]
هذه الآية تُثبت بصراحةٍ أنّ هناك حياةً واحدةً بعد الموت، و تلك الحياة تكون في يوم القيامة، و الرجوع إليه سبحانه و الإتصال بالأزل و الحياة في دار الخلود.
من الواضح أنّ من يعتقد بعَودة الرّوح إلى بدنٍ آخر، و الحياة الجديدة في هذا العالم، يجب أن يعتبر أنّ هُناك حياةً و موتاً آخرين، و هذا يخالف ما جاء في الآية الشّريفة التي نحن بِصَددها.[3]
[1]. المؤمنون: الآية 99- 100.
[2]. البقرة: الآية 28.
[3]. أخبار الرّجعة لا ترتبط بهذا البحث أبداً، لأن الرّجعة التي وردت في الأخبار لا عموميّة فيها، و لكن في خصوصيّة بعض الأفراد، و هى في الواقع أمر إستثنائي خاص و غير عام، مثل رجعة «العزير» و أمثال ذلك.
3- ىاللَّه الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكمى.[1]
في هذه الآية الشّريفة ذُكر الموت و الحياة مرةً واحدةً، بعد الخلق الأوّل، الذي هو هذا العالم، و حياة الآخرة.
4- ىو هو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إنّ الإنسان لكفورى.[2]
في هذه الآية اعتبرت الحياة بعد الموت منحصرةً بحياةٍ واحدةٍ لا أكثر، و تلك هى الإحياء يوم القيامة.
5- ىقالوا ربّنا أمتّنا إثنتين و احيّيتنا إثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيلى.[3]
قد يتّخذ البعض جملة: «أمتّناً إثنتين»، وسيلةً ليستدِلَّ على أن الإماتة مرّتين، تعني أنّ الإنسان يعود ليحيا مرةً أخرى في هذا العالم، ثمّ يموت، ولو أنّه لم يعد لهذه الحياة، لكانت الإماتة مرةً واحدةً لا أكثر.
ولكن بالتّركيز على الآيات الشّريفة الآنِفة الذِّكر، يتّضح جليّاً أنّ المقصود من «الموت الأوّل»، هو الحالة التي كان
[1]. سورة الروم: الآية 40.
[2]. سورة الحج: الآية 39.
[3]. سورة المؤمن: الآية 39.