بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 254

لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} فَقَوْلُهُ: {سُبْحَانَهُ} اعْتِرَاضٌ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنِ الْبَنَاتِ وَالشَّنَاعَةِ عَلَى جَاعِلِيهَا وَقَوْلُهُ: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} فَجُمْلَةُ الِاسْتِثْنَاءِ اعْتِرَاضٌ لِلتَّبَرُّكِ
وَمِنْ وُقُوعِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ جُمْلَةٍ {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} فَقَوْلُهُ {نِسَاؤُكُمْ} مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: {فَأْتُوهُنَّ} لِأَنَّهُ بَيَانٌ لَهُ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ لِلْحَثِّ عَلَى الطَّهَارَةِ وَتَجَنُّبِ الأدبار وقوله: {يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَقِيلَ بُعْداً} فِيهِ اعْتِرَاضٌ بِثَلَاثِ جُمَلٍ وَهِيَ: {وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} قَالَ فِي الْأَقْصَى الْقَرِيبِ وَنُكْتَتُهُ إِفَادَةُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ وَاقِعٌ بَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لَا مَحَالَةَ وَلَوْ أَتَى بِهِ آخِرًا لَكَانَ الظَّاهِرُ تَأَخُّرَهُ فَبِتَوَسُّطِهِ ظَهَرَ كَوْنُهُ غَيْرَ مُتَأَخِّرٍ ثُمَّ فِيهِ اعتراض في اعْتِرَاضٌ فَإِنَّ"وَقُضِيَ الْأَمْرُ"مُعْتَرِضٌ بَيْنَ"وَغِيضَ"وَ"وَاسْتَوَتْ"لِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ يَحْصُلُ عَقِبَ الْغَيْضِ وَقَوْلُهُ: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} إِلَى قَوْلِهِ: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ} فِيهِ اعْتِرَاضٌ بِسَبْعِ جُمَلٍ إِذَا أُعْرِبَ حَالًا مِنْهُ
وَمِنْ وُقُوعِ اعْتِرَاضٍ فِي اعْتِرَاضٍ: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} اعترض بَيْنَ الْقَسَمِ وَجَوَابِهِ بِقَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ} الْآيَةَ وَبَيْنَ الْقَسَمِ وَصِفَتِهِ بِقَوْلِهِ: {لَوْ تَعْلَمُونَ} تَعْظِيمًا لِلْمُقْسَمِ بِهِ وَتَحْقِيقًا لِإِجْلَالِهِ وَإِعْلَامًا لَهُمْ بِأَنَّ لَهُ عَظَمَةً لَا يَعْلَمُونَهَا قَالَ الطِّيبِيُّ فِي التِّبْيَانِ وَوَجْهُ حُسْنِ الِاعْتِرَاضِ حُسْنُ الْإِفَادَةِ مَعَ أَنَّ مَجِيئَهُ مَجِيءُ مَا لَا يترقب فكون كَالْحَسَنَةِ تَأْتِيكَ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ.


صفحه 255

النَّوْعُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ التَّعْلِيلُ
وَفَائِدَتُهُ التَّقْرِيرُ وَالْأَبْلَغِيَّةُ فَإِنَّ النُّفُوسَ أَبْعَثُ عَلَى قَبُولِ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّلَةِ مِنْ غَيْرِهَا وَغَالِبُ التَّعْلِيلِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى تَقْدِيرِ جَوَابِ سُؤَالٍ اقْتَضَتْهُ الْجُمْلَةُ الْأُولَى
وَحُرُوفُهُ اللَّامُ وَإِنَّ وَأَنْ وَإِذْ وَالْبَاءُ وَكَيْ وَمِنْ وَلَعَلَّ وَقَدْ مَضَتْ أَمْثِلَتُهَا فِي نَوْعِ الْأَدَوَاتِ
وَمِمَّا يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ لَفْظُ"الْحِكْمَةِ"كَقَوْلِهِ: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} وَذِكْرُ الْغَايَةِ مِنَ الْخَلْقِ نَحْوُ قَوْلِهِ: {جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أوتادا} .


صفحه 256

النَّوْعُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: فِي الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ
اعْلَمْ أَنَّ الْحُذَّاقَ مِنَ النُّحَاةِ وَغَيْرِهِمْ وَأَهْلِ الْبَيَانِ قَاطِبَةً عَلَى انْحِصَارِ الْكَلَامِ فِيهِمَا وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قِسْمٌ ثَالِثٌ وَادَّعَى قَوْمٌ أَنَّ أَقْسَامَ الْكَلَامِ عَشَرَةٌ نِدَاءٌ وَمَسْأَلَةٌ وَأَمْرٌ وَتَشَفُّعٌ وَتَعَجُّبٌ وَقَسَمٌ وَشَرْطٌ وَوَضْعٌ وَشَكٌّ وَاسْتِفْهَامٌ
وَقِيلَ: تِسْعَةٌ بِإِسْقَاطِ الِاسْتِفْهَامِ لِدُخُولِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ
وَقِيلَ: ثَمَانِيَةٌ بِإِسْقَاطِ التَّشَفُّعِ لِدُخُولِهِ فِيهَا
وَقِيلَ: سَبْعَةٌ بِإِسْقَاطِ الشَّكِّ لِأَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْخَبَرِ
وَقَالَ: الْأَخْفَشُ هِيَ سِتَّةٌ خَبَرٌ وَاسْتِخْبَارٌ وَأَمْرٌ وَنَهْيٌ وَنِدَاءٌ وَتَمَنٍّ
وَقَالَ: بَعْضُهُمْ خَمْسَةٌ خَبَرٌ وَأَمْرٌ وَتَصْرِيحٌ وَطَلَبٌ وَنِدَاءٌ
وَقَالَ: قَوْمٌ أَرْبَعَةٌ خَبَرٌ وَاسْتِخْبَارٌ وَطَلَبٌ وَنِدَاءٌ
وَقَالَ: كَثِيرُونَ ثَلَاثَةٌ خَبَرٌ وَطَلَبٌ وَإِنْشَاءٌ قَالُوا لِأَنَّ الْكَلَامَ إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ أَوْ لَا الْأَوَّلُ الْخَبَرُ وَالثَّانِي إِنِ اقْتَرَنَ مَعْنَاهُ بِلَفْظِهِ فَهُوَ الْإِنْشَاءُ وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بَلْ تَأَخَّرَ عَنْهُ فَهُوَ الطَّلَبُ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى دُخُولِ الطَّلَبِ فِي الْإِنْشَاءِ وَأَنَّ مَعْنَى اضْرِبْ مَثَلًا وَهُوَ طَلَبُ الضَّرْبِ مُقْتَرِنٌ بِلَفْظِهِ وَأَمَّا الضَّرْبُ الَّذِي يُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مُتَعَلِّقُ الطَّلَبِ لَا نَفْسُهُ
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَدِّ الْخَبَرِ فَقِيلَ: لَا يُحَدُّ لِعُسْرِهِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ


صفحه 257

لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِنْشَاءِ وَالْخَبَرِ ضَرُورَةً وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ
وَالْأَكْثَرُ عَلَى حَدِّهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْخَبَرُ الْكَلَامُ الَّذِي يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ فَأَوْرِدْ عَلَيْهِ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا صَادِقًا فَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ يَصِحُّ دُخُولُهُ لُغَةً
وَقِيلَ: الَّذِي يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ والتكذيب وهو سَالِمٌ مِنَ الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ كَلَامٌ يُفِيدُ بنفسه نسبة فَأُورِدَ عَلَيْهِ نَحْوُ"قُمْ" فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ لِأَنَّ الْقِيَامَ مَنْسُوبٌ وَالطَّلَبَ مَنْسُوبٌ وَقِيلَ الْكَلَامُ الْمُفِيدُ بِنَفْسِهِ إِضَافَةَ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ إِلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ نَفْيًا أَوْ إِثْبَاتًا
وَقِيلَ: الْقَوْلُ الْمُقْتَضِي بِصَرِيحِهِ نِسْبَةَ مَعْلُومٍ إِلَى معلوم بالنفي والإثبات وقال الْمُتَأَخِّرِينَ: الْإِنْشَاءُ مَا يَحْصُلُ مَدْلُولُهُ فِي الْخَارِجِ بِالْكَلَامِ وَالْخَبَرُ خِلَافُهُ
وَقَالَ: بَعْضُ مَنْ جَعَلَ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةً: الْكَلَامُ إِنْ أَفَادَ بِالْوَضْعِ طَلَبًا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِطَلَبِ ذِكْرِ الْمَاهِيَّةَ أَوْ تَحْصِيلِهَا أَوِ الْكَفِّ عَنْهَا وَالْأَوَّلُ الِاسْتِفْهَامُ وَالثَّانِي الْأَمْرُ وَالثَّالِثُ النَّهْيُ وَإِنْ لَمْ يُفِدْ طَلَبًا بِالْوَضْعِ فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلِ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ سُمِّيَ تَنْبِيهًا وَإِنْشَاءً لِأَنَّكَ نَبَّهْتَ بِهِ على مَقْصُودِكَ وَأَنْشَأْتَهُ أَيِ ابِتَكَرْتَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ سَوَاءٌ أَفَادَ طَلَبًا بِاللَّازِمِ كالمتمني وَالتَّرَجِّي وَالنِّدَاءِ وَالْقَسَمِ أَمْ لَا كَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنِ احْتَمَلَهُمَا مِنْ حيث هو فهو الخبر.


صفحه 258

فَصْلٌ
الْقَصْدُ بِالْخَبَرِ إِفَادَةُ الْمُخَاطَبِ وَقَدْ يَرِدُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ نَحْوُ: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ب}
وَبِمَعْنَى النَّهْيِ نَحْوُ: {لَا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ}
وَبِمَعْنَى الدُّعَاءِ نَحْوُ: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} أَيْ أَعِنَّا وَمِنْهُ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} فَإِنَّهُ دُعَاءٌ عَلَيْهِ وَكَذَا {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا}
وَجَعَلَ مِنْهُ قَوْمٌ {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} قَالُوا هُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ بِضِيقِ صُدُورِهِمْ عَنْ قِتَالِ أَحَدٍ
وَنَازَعَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْخَبَرَ يَرِدُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: "فلا"رفث لَيْسَ نَفْيًا لِوُجُودِ الرَّفَثِ بَلْ نَفْيٌ لِمَشْرُوعِيَّتِهِ فَإِنَّ الرَّفَثَ يُوجَدُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ وَأَخْبَارُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ تَقَعَ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ النَّفْيُ إِلَى وُجُودِهِ مَشْرُوعًا لَا إِلَى وُجُودِهِ مَحْسُوسًا كَقَوْلِهِ: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} وَمَعْنَاهُ مَشْرُوعًا لَا مَحْسُوسًا فَإِنَّا نَجِدُ مُطَلَّقَاتٍ لَا يَتَرَبَّصْنَ فَعَادَ النَّفْيُ إِلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا إِلَى الْوُجُودِ الْحِسِّيِّ وَكَذَا {لَا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} أَيْ لَا يَمَسُّهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَرْعًا فَإِنْ وُجِدَ الْمَسُّ فَعَلَى خِلَافِ حُكْمِ الشَّرْعِ قَالَ وَهَذِهِ الدَّفِينَةُ الَّتِي فَاتَتِ الْعُلَمَاءَ فَقَالُوا: إِنَّ


صفحه 259

الْخَبَرَ يَكُونُ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَمَا وُجِدَ ذَلِكَ قَطُّ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجِدَ فَإِنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ حَقِيقَةً وَيَتَبَايَنَانِ وَضْعًا انْتَهَى.
فَرْعٌ
مِنْ أَقْسَامِهِ عَلَى الْأَصَحِّ التَّعَجُّبُ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَهُوَ تفصيل شَيْءٍ عَلَى أَضِرَابِهِ
وَقَالَ ابْنُ الصَّائِغِ: اسْتِعْظَامُ صِفَةٍ خَرَجَ بِهَا الْمُتَعَجَّبُ مِنْهُ عَنْ نَظَائِرِهِ
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنَى التَّعَجُّبِ تَعْظِيمُ الْأَمْرِ فِي قُلُوبِ السَّامِعِينَ لِأَنَّ التَّعَجُّبَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْ نَظَائِرِهِ وَأَشْكَالِهِ
وَقَالَ الرُّمَّانِيُّ: الْمَطْلُوبُ فِي التَّعَجُّبِ الْإِبْهَامُ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ أَنْ يَتَعَجَّبُوا مِمَّا لَا يُعْرَفُ سَبَبُهُ فَكُلَّمَا اسْتَبْهَمَ السَّبَبُ كَانَ التَّعَجُّبُ أَحْسَنَ قَالَ: وَأَصْلُ التَّعَجُّبِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَعْنَى الْخَفِيِّ سَبَبُهُ وَالصِّيغَةُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ تُسَمَّى تَعَجُّبًا مَجَازًا قَالَ: وَمِنْ أَجْلِ الْإِبْهَامِ لَمْ تَعْمَلْ"نَعَمْ"إِلَّا فِي الْجِنْسِ مِنْ أَجْلِ التَّفْخِيمِ لِيَقَعَ التَّفْسِيرُ عَلَى نَحْوِ التَّفْخِيمِ بِالْإِضْمَارِ قَبْلَ الذِّكْرِ
ثُمَّ قَدْ وَضَعُوا لِلتَّعَجُّبِ صِيَغًا مَنْ لَفْظِهِ وَهِيَ"مَا أَفْعَلَ"وَ"أَفْعِلْ بِهِ"وَصِيَغًا مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ نَحْوَ"كَبُرَ"كَقَوْلِهِ: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ} {كيف تكفرون بالله}


صفحه 260

قَاعِدَةٌ
قَالَ الْمُحَقِّقُونَ إِذَا وَرَدَ التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ صُرِفَ إِلَى الْمُخَاطَبِ كَقَوْلِهِ: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} أَيْ هَؤُلَاءِ يَجِبُ أَنْ يُتَعَجَّبَ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا لَا يُوصَفُ تَعَالَى بِالتَّعَجُّبِ لِأَنَّهُ اسْتِعْظَامٌ يَصْحَبُهُ الْجَهْلُ وَهُوَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَلِهَذَا تعبر جماعة بالتعجيب بَدَلَهُ: أَيْ أَنَّهُ تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُخَاطِبِينَ وَنَظِيرُ هَذَا مَجِيءُ الدُّعَاءِ وَالتَّرَجِّي مِنْهُ تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ أي هؤلاء مما يَجِبُ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: عِنْدَكُمْ هَذَا وَلِذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي قوله تعالى: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} الْمَعْنَى: اذْهَبَا عَلَى رَجَائِكُمَا وَطَمَعِكُمَا وَفِي قَوْلِهِ: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} لا: نقول هَذَا دُعَاءٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِذَلِكَ قَبِيحٌ وَلَكِنَّ الْعَرَبَ إِنَّمَا تَكَلَّمُوا بِكَلَامِهِمْ وَجَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى لُغَتِهِمْ وَعَلَى مَا يَعْنُونَ فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} أَيْ هَؤُلَاءِ مما وجب هذا الْقَوْلُ لَهُمْ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ إِنَّمَا يُقَالُ لِصَاحِبِ الشُّرُورِ وَالْهَلَكَةِ فَقِيلَ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْهَلَكَةِ.
فَرْعٌ
مِنْ أَقْسَامِ الْخَبَرِ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ نَحْوُ {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ} {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ} وَفِي كَلَامِ ابْنِ قُتَيْبَةَ مَا يُوهِمُ أَنَّهُ إِنْشَاءٌ


صفحه 261

فَرْعٌ
مِنْ أَقْسَامِ الْخَبَرِ النَّفْيُ بَلْ هُوَ شَطْرُ الْكَلَامِ كُلِّهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَحْدِ أَنَّ النَّافِيَ إِنْ كَانَ صَادِقًا سُمِّيَ كَلَامُهُ نَفْيًا وَلَا يُسَمَّى جَحْدًا وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا سُمِّي جَحْدًا وَنَفْيًا أَيْضًا فَكَلُّ جَحْدٍ نَفْيٌ وَلَيْسَ كُلُّ نَفْيٍ جَحْدًا ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ وَابْنُ الشَّجَرِيِّ وَغَيْرُهُما
مِثَالُ النَّفْيِ: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ}
وَمِثَالُ الْجَحْدِ نَفْيُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ آيَاتِ مُوسَى قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ}
وَأَدَوَاتُ النَّفْيِ لَا وَلَاتَ وَلَيْسَ وَمَا وَإِنْ وَلَمْ وَلَمَّا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَعَانِيهَا وَمَا افْتَرَقَتْ فِيهِ فِي نَوْعِ الْأَدَوَاتِ وَنُورِدُ هُنَا فَائِدَةً زَائِدَةً قَالَ الْخُوَيِّيُّ: أَصْلُ أَدَوَاتِ النَّفْيِ لَا وما لِأَنَّ النَّفْيَ إِمَّا فِي الْمَاضِي وَإِمَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالِاسْتِقْبَالُ أَكْثَرُ من الماضي أبدا ولا أَخَفَّ مِنْ مَا فَوَضَعُوا الْأَخَفَّ لِلْأَكْثَرِ
ثُمَّ إِنَّ النَّفْيَ فِي الْمَاضِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَفْيًا وَاحِدًا مُسْتَمِرًّا أَوْ نَفْيًا فِيهِ أَحْكَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَكَذَلِكَ النَّفْيُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَصَارَ النَّفْيُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ وَاخْتَارُوا لَهُ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ مَا وَلَمْ وَلَنْ وَلَا وَأَمَّا إِنْ وَلَمَّا فَلَيْسَا بِأَصْلَيْنِ فَمَا وَلَا فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ مُتَقَابِلَانِ وَلَمْ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ لَا وَمَا لِأَنَّ لَمْ نَفْيٌ لِلِاسْتِقْبَالِ لَفْظًا وَالْمُضِيِّ مَعْنًى فَأَخَذَ اللَّامَ مِنْ"لَا"الَّتِي هِيَ لِنَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمِيمِ مِنْ"مَا"الَّتِي هِيَ لِنَفْيِ الْمَاضِي وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ فِي"لَمْ"إِشَارَةً إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي وَقَدَّمَ اللَّامَ عَلَى الْمِيمِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ"لَا"هِيَ أَصْلُ