بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 61

الْعِلْمِ ذَكَرُوا أَنَّ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْحَجِّ إِلَى قَوْلِهِ: {وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} خَمْسَ نَتَائِجَ تُسْتَنْتَجُ مِنْ عَشْرِ مُقَدِّمَاتٍ قَوْلُهُ: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ أَنَّهُ
تَعَالَى أَخْبَرَ بِزَلْزَلَةِ السَّاعَةِ مُعَظِّمًا لَهَا وَذَلِكَ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ أَخْبَرَ بِهِ مَنْ ثبت صدقه عمن ثبتت قُدْرَتُهُ مَنْقُولٌ إِلَيْنَا بِالتَّوَاتُرِ فَهُوَ حَقٌّ وَلَا يُخْبِرُ بِالْحَقِّ عَمَّا سَيَكُونُ إِلَّا الْحَقُّ فَاللَّهُ هُوَ الْحَقُّ وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ أَهْوَالِ السَّاعَةِ بِمَا أَخْبَرَ وَحُصُولُ فَائِدَةِ هَذَا الْخَبَرِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى لِيُشَاهِدُوا تِلْكَ الْأَهْوَالَ الَّتِي يَعْمَلُهَا اللَّهُ مِنْ أَجْلِهِمْ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَمِنَ الْأَشْيَاءِ إِحْيَاءُ الْمَوْتَى فَهُو يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَخْبَرَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَنْ يَتَّبِعِ الشَّيَاطِينَ وَمَنْ يُجَادِلُ فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ يُذِقْهُ عَذَابَ السَّعِيرِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَنْ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَخْبَرَ أن السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِالْخَبَرِ الصَّادِقِ أَنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ تُرَابٍ إِلَى قَوْلِهِ: {لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} وَضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا بِالْأَرْضِ الْهَامِدَةِ الَّتِي يَنْزِلُ عَلَيْهَا الْمَاءُ فَتَهْتَزُّ وَتَرْبُو وَتُنْبِتُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ وَمَنْ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَى مَا أخبر بِهِ فَأَوْجَدَهُ بِالْخَلْقِ ثُمَّ أَعْدَمَهُ بِالْمَوْتِ ثُمَّ يُعِيدُهُ بِالْبَعْثِ وَأَوْجَدَ الْأَرْضَ بَعْدَ الْعَدَمِ فَأَحْيَاهَا بِالْخَلْقِ ثُمَّ أَمَاتَهَا بِالْمَحْلِ ثُمَّ أَحْيَاهَا بِالْخِصْبِ وَصَدَقَ خَبَرُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِدَلَالَةِ الْوَاقِعِ الْمُشَاهَدِ عَلَى الْمُتَوَقَّعِ الْغَائِبِ حَتَّى انْقَلَبَ الْخَبَرُ عِيَانًا صَدَقَ خَبَرُهُ فِي الْإِتْيَانِ بِالسَّاعَةِ وَلَا يَأْتِي بِالسَّاعَةِ إِلَّا "مَنْ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ" لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ مُدَّةٍ تَقُومُ فِيهَا الْأَمْوَاتُ لِلْمُجَازَاةِ فَهِيَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ.


صفحه 62

وَقَالَ: غَيْرُهُ اسْتَدَلَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى الْمَعَادِ الْجُسْمَانِيِّ بِضُرُوبٍ:
أَحَدُهَا: قِيَاسُ الْإِعَادَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ}
ثَانِيهَا: قِيَاسُ الْإِعَادَةِ عَلَى خَلْقِ السموات وَالْأَرْضِ بِطْرِيقِ الْأَوْلَى قَالَ تَعَالَى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ} الْآيَةَ
ثَالِثُهَا: قِيَاسُ الْإِعَادَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا بِالْمَطَرِ وَالنَّبَاتِ
رَابِعُهَا: قِيَاسُ الْإِعَادَةِ عَلَى إِخْرَاجِ النَّارِ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ جَاءَ بِعَظْمٍ فَفَتَّهُ فَقَالَ أَيُحْيِي اللَّهُ هَذَا بَعْدَ مَا بَلِيَ وَرَمَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} فَاسْتَدَلَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِرَدِّ النَّشْأَةِ الْأُخْرَى إِلَى الْأُولَى وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِعِلَّةِ الْحُدُوثِ ثُمَّ زَادَ فِي الْحِجَاجِ بِقَوْلِهِ: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً} وَهَذِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ فِي رَدِّ الشَّيْءِ إِلَى نَظِيرِهِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ تَبْدِيلِ الْأَعْرَاضِ عَلَيْهِمَا.
خَامِسُهَا: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى} الآيتين وتقريرهما أَنَّ اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْحَقِّ لَا يُوجِبُ انْقِلَابَ الْحَقِّ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ الطُّرُقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَيْهِ وَالْحَقُّ فِي نَفْسِهِ وَاحِدٌ فَلَمَّا ثبت أن ها هنا حَقِيقَةً مَوْجُودَةً لَا مَحَالَةَ وَكَانَ لَا سَبِيلَ لَنَا فِي حَيَاتِنَا إِلَى الْوُقُوفِ عَلَيْهَا وُقُوفًا يُوجِبُ الِائْتِلَافَ وَيَرْفَعُ عَنَّا الِاخْتِلَافَ إِذْ كَانَ الِاخْتِلَافُ مَرْكُوزًا فِي فِطَرِنَا وَكَانَ لَا يُمْكِنُ ارْتِفَاعُهُ وَزَوَالُهُ إِلَّا بِارْتِفَاعِ


صفحه 63

هَذِهِ الْجِبِلَّةِ وَنَقْلِهَا إِلَى صُورَةِ غَيْرِهَا صَحَّ ضَرُورَةً أَنَّ لَنَا حَيَاةً أُخْرَى غَيْرَ هَذِهِ الْحَيَاةِ فِيهَا يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ وَالْعِنَادُ وَهَذِهِ هِيَ الْحَالَةُ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ بِالْمَصِيرِ إِلَيْهَا فَقَالَ: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} حِقْدٍ فَقَدْ صَارَ الْخِلَافُ الْمَوْجُودُ كَمَا تَرَى أَوْضَحَ دَلِيلٍ عَلَى كَوْنِ الْبَعْثِ الَّذِي يُنْكِرُهُ الْمُنْكِرُونَ كَذَا قَرَّرَهُ ابْنُ السَّيِّدِ وَمِنْ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ صَانِعَ الْعَالَمِ وَاحِدٌ بِدَلَالَةِ التَّمَانُعِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فِي قَوْلِهِ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعَانِ لَكَانَ لَا يَجْرِي تَدْبِيرُهُمَا عَلَى نِظَامٍ وَلَا يَتَّسِقُ عَلَى أَحْكَامٍ وَلَكَانَ الْعَجْزُ يَلْحَقُهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا إِحْيَاءَ جِسْمٍ وَأَرَادَ الْآخَرُ إِمَاتَتَهُ فَإِمَّا أَنْ تَنْفُذَ إِرَادَتُهُمَا فَيَتَنَاقَضُ لاستحالة تجزي الْفِعْلِ إِنْ فُرِضَ الِاتِّفَاقُ أَوْ لِامْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ إِنْ فُرِضَ الِاخْتِلَافُ وَإِمَّا أَلَّا تَنْفُذَ إِرَادَتُهُمَا فَيُؤَدِّي إِلَى عَجْزِهِمَا أَوْ لَا تَنْفُذَ إِرَادَةُ أَحَدِهِمَا فَيُؤَدِّي إِلَى عَجْزِهِ وَالْإِلَهُ لَا يَكُونُ عَاجِزًا.
فَصْلٌ
مِنَ الْأَنْوَاعِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا فِي عِلْمِ الْجَدَلِ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} الْآيَتَيْنِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا حَرَّمُوا ذُكُورَ الْأَنْعَامِ تَارَةً وَإِنَاثَهَا أُخْرَى رَدَّ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ فَقَالَ: إِنَّ الْخَلْقَ لِلَّهِ خَلَقَ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ مِمَّا ذَكَرَ ذَكَرًا وَأُنْثَى فَمِمَّ جَاءَ تَحْرِيمُ مَا ذَكَرْتُمْ؟ أَيْ مَا عِلَّتُهُ؟ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ


صفحه 64

مِنْ جِهَةِ الذُّكُورَةِ أَوِ الْأُنُوثَةِ أَوِ اشْتِمَالِ الرَّحِمِ الشَّامِلِ لَهُمَا أَوْ لَا يَدْرِي لَهُ عِلَّةً وَهُوَ التَّعَبُّدِيُّ بِأَنْ أُخِذَ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْأَخْذُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى إِمَّا بِوَحْيٍ وَإِرْسَالِ رَسُولٍ أَوْ سَمَاعِ كَلَامِهِ وَمُشَاهَدَةِ تَلَقِّي ذَلِكَ عَنْهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا} فَهَذِهِ وُجُوهُ التَّحْرِيمِ لَا تَخْرُجُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهَا وَالْأَوَّلُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الذُّكُورِ حَرَامًا وَالثَّانِي يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يكون جَمِيعُ الْإِنَاثِ حَرَامًا وَالثَّالِثُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الصِّنْفَيْنِ مَعًا فَبَطَلَ مَا فَعَلُوهُ مِنْ تَحْرِيمِ بَعْضٍ فِي حَالَةٍ وَبَعْضٍ فِي حَالَةٍ لِأَنَّ الْعِلَّةَ عَلَى مَا ذُكِرَ تَقْتَضِي إِطْلَاقَ التَّحْرِيمِ وَالْأَخْذَ عَنِ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةِ بَاطِلٍ وَلَمْ يَدَّعُوهُ وَبِوَاسِطَةِ رَسُولٍ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ إِلَيْهِمْ رَسُولٌ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا بَطَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ ثَبَتَ الْمُدَّعَى وَهُوَ أَنَّ مَا قَالُوهُ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَضَلَالٌ
وَمِنْهَا الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ قَالَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ وَحَقِيقَتُهُ رَدُّ كَلَامِ الْخَصْمِ مِنْ فَحْوَى كَلَامِهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَقَعَ صِفَةٌ فِي كَلَامِ الْغَيْرِ كِنَايَةً عَنْ شَيْءٍ أُثْبِتَ لَهُ حُكْمٌ فَيُثْبِتُهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ} الْآيَةَ فَ "الْأَعَزُّ" وَقَعَتْ فِي كَلَامِ الْمُنَافِقِينَ كِنَايَةً عَنْ فَرِيقِهِمْ وَ "الْأَذَلُّ" عَنْ فَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَثْبَتَ الْمُنَافِقُونَ لِفَرِيقِهِمْ إِخْرَاجَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَثْبَتَ اللَّهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ صِفَةَ الْعِزَّةِ لِغَيْرِ فَرِيقِهِمْ وَهُوَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَكَأَنَّهُ قِيلَ صَحِيحٌ ذَلِكَ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ لَكِنْ هُمُ الْأَذَلُّ الْمُخْرَجُ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ الْأَعَزُّ الْمُخْرِجُ.


صفحه 65

وَالثَّانِي: حَمْلُ لَفْظٍ وَقَعَ فِي كَلَامِ الْغَيْرِ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ بِذِكْرِ مُتَعَلِّقِهِ وَلَمْ أَرَ مَنْ أَوْرَدَ لَهُ مِثَالًا مِنَ الْقُرْآنِ وَقَدْ ظَفِرْتُ بِآيَةٍ مِنْهُ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أَذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ وَمِنْهَا التَّسْلِيمُ وَهُوَ أَنْ يَفْرِضَ الْمُحَالَ إِمَّا مَنْفِيًّا أَوْ مَشْرُوطًا بِحَرْفِ الِامْتِنَاعِ لِكَوْنِ الْمَذْكُورِ مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ لِامْتِنَاعِ وُقُوعِ شَرْطِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وُقُوعُ ذَلِكَ تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ فَائِدَةِ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} الْمَعْنَى لَيْسَ مَعَ اللَّهِ مِنْ إِلَهٍ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ مَعَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِلَهًا لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ التَّسْلِيمِ ذَهَابُ كُلِّ إِلَهٍ مِنَ الِاثْنَيْنِ بِمَا خَلَقَ وَعُلُوُّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَلَا يَتِمُّ فِي الْعَالَمِ أَمْرٌ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمٌ وَلَا تَنْتَظِمُ أَحْوَالُهُ وَالْوَاقِعُ خِلَافُ ذَلِكَ فَفَرْضُ إِلَهَيْنِ فَصَاعِدًا مُحَالٌ لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْمُحَالُ.
وَمِنْهَا الْإِسْجَالُ: وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِأَلْفَاظٍ تُسَجِّلُ عَلَى الْمُخَاطَبِ وُقُوعَ مَا خُوطِبَ بِهِ نَحْوَ: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ} فَإِنَّ فِي ذَلِكَ إِسْجَالًا بِالْإِيتَاءِ وَالْإِدْخَالِ حَيْثُ وُصِفَا بِالْوَعْدِ مِنَ اللَّهِ الَّذِي لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ
ومنها الانتقال هو أَنْ يَنْتَقِلَ الْمُسْتَدِلُّ إِلَى اسْتِدْلَالٍ غَيْرِ الَّذِي كَانَ آخِذًا فِيهِ لِكَوْنِ الْخَصْمِ لَمْ يَفْهَمْ وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْأَوَّلِ كَمَا جَاءَ فِي مُنَاظَرَةِ الْخَلِيلِ الْجَبَّارَ لَمَّا قَالَ لَهُ: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} فقال الجبار {قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} ثُمَّ دَعَا بِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ فَأَعْتَقَهُ وَمَنْ لَا يُجِبْ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ فَعَلِمَ


صفحه 66

الْخَلِيلُ أَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ أَوْ عَلِمَ ذَلِكَ وَغَالَطَ بِهَذَا الْفِعْلِ فَانْتَقَلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى اسْتِدْلَالٍ لَا يَجِدْ الْجَبَّارُ لَهُ وَجْهًا يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْهُ فَقَالَ: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} ، فَانْقَطَعَ الْجَبَّارُ وَبُهِتَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَقُولَ أَنَا الْآتِي بِهَا مِنَ الْمَشْرِقِ لِأَنَّ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ يُكَذِّبُهُ
وَمِنْهَا الْمُنَاقَضَةُ: وَهِيَ تَعْلِيقُ أَمْرٍ عَلَى مُسْتَحِيلٍ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِحَالَةِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}
وَمِنْهَا مُجَارَاةُ: الْخَصْمِ لِيَعْثُرَ بِأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضَ مُقَدِّمَاتِهِ حَيْثُ يُرَادُ تَبْكِيتُهُ وَإِلْزَامُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} الْآيَةَ فَقَوْلُهُمْ: {إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} الْآيَةَ فِيهِ اعْتِرَافُ الرُّسُلِ بِكَوْنِهِمْ مَقْصُورِينَ عَلَى الْبَشَرِيَّةِ فَكَأَنَّهُمْ سَلَّمُوا انْتِفَاءَ الرِّسَالَةِ عَنْهُمْ وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ هُوَ مِنْ مُجَارَاةُ الْخَصْمِ لِيَعْثُرَ فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا مَا ادَّعَيْتُمْ مِنْ كَوْنِنَا بَشَرًا حَقٌّ لَا نُنْكِرُهُ وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ يَمُنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا بِالرِّسَالَةِ.


صفحه 67

النَّوْعُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ: فِيمَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالْكُنَى وَالْأَلْقَابِ
فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ هُمْ مشا هيرهم
أسماء الأنبياء والمرسلين في القرآن:
1- آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ، ذَكَرَ قَوْمٌ أَنَّهُ "أَفْعَلُ" وَصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأُدْمَةِ وَلِذَا مُنِعَ الصَّرْفَ
قَالَ الْجَوَالِيقِيُّ: أَسْمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ كُلُّهَا أَعْجَمِيَّةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً آدَمُ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَمُحَمَّدٌ
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ إِنَّمَا سُمِّيَ آدَمَ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ وَقَالَ: قَوْمٌ هُوَ اسْمٌ سُرْيَانِيٌّ أَصْلُهُ "آدَامٌ" بِوَزْنِ خَاتَامٍ عُرِّبَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ الثَّانِيَةِ
وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: التُّرَابُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ "آدَامٌ" فَسُمِّيَ آدم به
وقال ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: عَاشَ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ: اشْتُهِرَ فِي كُتُبِ التَّوَارِيخِ أَنَّهُ عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ.
2- نُوحٌ قَالَ الْجَوَالِيقِيُّ: أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ زَادَ الْكِرْمَانِيُّ وَمَعْنَاهُ بالسريانية "الساكن" وفي نسخة الشَّاكِرُ


صفحه 68

وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: إِنَّمَا سُمِّيَ نُوحًا لِكَثْرَةِ بُكَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْغَفَّارِ قَالَ وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ إِدْرِيسَ
وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ نُوحُ بْنُ لَمْكٍ- بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الميم بعدها كاف- بن متوشلح- بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَضْمُومَةِ بعدها وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ بَعْدَهَا معجمة بن أَخَنُوخَ- بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُعْجَمَةٌ وَهُوَ إِدْرِيسُ فِيمَا يُقَالُ
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: آدَمُ؛ قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: نُوحٌ وَبَيْنَهُمَا عِشْرُونَ قَرْنًا
وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشْرَةُ قُرُونٍ وَفِيهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا "بَعَثَ اللَّهُ نُوحًا لِأَرْبَعِينَ سَنَةً فَلَبِثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا يَدْعُوهُمْ وَعَاشَ بَعْدَ الطُّوفَانِ سِتِّينَ سَنَةً حَتَّى كَثُرَ النَّاسُ وَفَشَوْا"
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ مَوْلِدَ نُوحٍ كَانَ بَعْدَ وَفَاةِ آدَمَ بِمِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا. وَفِي التَّهْذِيبِ لِلنَّوَوِيِّ أَنَّهُ أَطْوَلُ الْأَنْبِيَاءِ عُمُرًا
3- إِدْرِيسُ قِيلَ إِنَّهُ قَبْلَ نُوحٍ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ إِدْرِيسُ أَوَّلَ بَنِي آدَمَ أُعْطِيَ النُّبُوَّةَ وَهُوَ أَخَنُوخُ بْنُ يَرْدِ بْنِ مَهْلَائِيلَ بْنِ أَنْوَشَ بن قينان بن شيث ابن آدَمَ
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِدْرِيسُ جَدُّ نُوحٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ خَنُوخُ وَهُوَ اسْمٌ سُرْيَانِيٌّ وَقِيلَ: عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الدِّرَاسَةِ لِكَثْرَةِ دَرْسِهِ الصُّحُفَ
وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ وَاهٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ إِدْرِيسُ أَبْيَضَ طَوِيلًا ضَخْمَ الْبَطْنِ عَرِيضَ الصَّدْرِ قَلِيلَ شَعْرِ الْجَسَدِ كَثِيرَ