قلت: بين هذه الأخبار أيضا تعارض، فلا مفرّ لك من الرجوع إلى المرجّحات العقليّة و منها معرفة الرجال.
فإن قلت: إنّ هذه الأحاديث كانت موجودة في كتب الجماعة الذين أجمعوا على تصحيح ما تصحّ عنهم، و بعد ما أجمع الأصحاب على التصحيح، يجب العمل بها، فلا نحتاج إلى الرجال لحصول التصحيح، لحصوله بدونه، و يظهر ذلك الإجماع من الصدوق في أوّل الفقيه.
قلت أوّلا: ما شأنك و الإجماع يا أيّها الأخباري؟ أ لست الذي يقول الإجماع ما الإجماع؟ إلى آخر خزعبلاتك.
و ثانيا: سلّمنا، لكن هذا الإجماع منقول عن الصدوق فقط لا عن غيره.
سلّمنا نقله عن غيره أيضا، لكنّه بنقل الأشخاص المتعدّدة لا يخرج عن حدّ الإجماع المنقول، و هو مفيد للظنّ، فمن أين حصل القطع بالصدور؟ بل نقل عن السيّد المرتضى الإجماع على حرمة العمل بالآحاد، و نقل عن الشيخ الإجماع على حجّيّتها، مع تقارب عهدهما.
سلّمنا أنّه تحقّق الإجماع على ذلك، لكن جهته تقييديّة لاختلاف جهة عمل العلماء بهذه الأخبار، فبعضهم يعملون بها لكونها قطعيّة الصدور عندهم، و بعضهم يعملون بها من باب أنّها أخبار آحاد لآية النبأ، و بعضهم يعملون بها من باب الظنّ المطلق؛ و بعد ما كان جهة الإجماع تقييديّة، فالإجماع ليس بحجّة، لاشتراط وحدة الموضوع.
و بعبارة أخرى: هذا الإجماع ليس كاشفا.
سلّمنا أنّ الجهة تعليليّة، لكن من أين ثبت أنّ هذه الأخبار هي الأخبار التي أجمعوا على صحّتها؟ لاحتمال السهو و التحريف فيها.
سلّمنا، ما تصنع عند التعارض؟
فإن قلت: إنّ المحمّدين الثلاثة و غيرهم شهدوا بصحّة الأخبار و بعدالة الرواة،
فلو لم يجز لنا قبول شهادتهم في صحّة أحاديث كتبهم و ثبوتها و نقلها من الأصول الصحيحة و الكتب المعتمدة و قيام القرائن على ثبوتها، لما جاز لنا قبول شهادتهم في مدح الرواة و توثيقهم، فلا يبقى حديث صحيح و لا حسن و لا موثّق، بل تبقى جميع أحاديث كتب الشيعة ضعيفة؛ و اللازم باطل فكذا الملزوم، و الملازمة ظاهرة، و كذا بطلان اللازم؛ و بعد ما ثبت قبول شهادتهم في صحّة أحاديث الكتب، لسنا محتاجين إلى معرفة الرجال.
و الحاصل: أنّك إمّا تفكّك الشهادتين أم لا، و التفكيك باطل بداهة، فتعيّن الثاني، و يلزم منه عدم الاحتياج.
قلت: هذا الدليل عمدة أدلّتهم، و ذكر الشيخ حرّ على عدم الاحتياج اثنين و عشرين دليلا في الفائدة التاسعة من الفوائد التي ذيل بها آخر مجلّد السابع من الوسائل، و جعل هذا الدليل الخامس عشر منها، و قال في آخره: هذا إلزام لا مفرّ لهم عنه عند الإنصاف.
و لكن اسمع الجواب أيّها الشيخ، و هو أوّلا: إنّا لا نعمل بالشهادتين كلتيهما لا بهذه و لا بتلك من حيث الشهادة، لكون كلتيهما شهادة فرع أو شهادة علميّة، بل نعمل بقولهم لكونه مفيدا للوصف، فإنّ قولهم هذا الخبر صحيح يحصل الظنّ منه، و كذا قولهم إنّ هذا الراوي عدل، و احتياجنا إلى الرجال حينئذ إنّما هو لعلاج التعارض.
و ثانيا: سلّمنا أنّ شهادتهم مقبولة في كلا المقامين، قولك «و يلزم منه عدم الاحتياج» باطل، لأنّ أكثر الأخبار متعارض، و لا بدّ من الرجوع إلى الرجال للعلاج.
و حاصل الجوابين: أنّا لا نفكّك بين الشهادتين، و حينئذ دعوى عدم الاحتياج مكابرة.
و ثالثا: أنّه يمكن التفكيك بين الشهادتين، إمّا بأن يقال: إنّ مراد المشايخ
بالصحيحة في الأخبار هو وجوب العمل و الحجّيّة، فيكون الشهادة حينئذ شهادة على الحكم الشرعي، و يكون شهادتهم على تزكية الراوي شهادة على الموضوع الخارجي، فلا يلزم من كون الشهادة في الثاني مقبولة مقبوليّتها في الأوّل.
أو بأن يقال: إنّ مرادهم بالصحّة في الأخبار هو قطعيّة الصدور، و هذه و إن كانت من الموضوعات الخارجة، لكن الشهادة فيها غير معتبرة، لكونها شهادة فرع أو علميّة و العمل بقولهم في التزكية من باب الظنّ، و ذلك لأنّ القوم اختلفوا في أنّ العمل بقول المزكّي هل هو من باب الشهادة، أو من باب الإخبار، أو من باب حصول الظنّ؟ فلعلّ أحدا يقول: إنّ العمل بقول المزكّي عندي من باب الظنّ، و الدليل القاطع قام على حجّيّة الظنّ في الرواة، فلا يلزم من قبول قولهم في التزكية قبول قولهم في الشهادة على صحّة الأخبار.
فإن قلت: العمل بقواعد الرجاليّة كأن نعرف بها أنّ هذا الحديث صحيح أو موثّق أو حسن أو ضعيف أمر حادث، و كلّ حادث بدعة، و كلّ بدعة ضلالة، و كلّ ضلالة سبيلها إلى النار؛ أمّا الصغرى، فلأنّه من البيّن أنّ هذه الاصطلاحات لم يكن في عصر الأئمّة(عليهم السلام)، فلم يكن بناء أصحابهم(عليهم السلام)على العمل بهذه القواعد، بل صار هذا الاصطلاح مستحدثا في زمن العلّامة أو شيخه أحمد بن طاوس، و الأصوليّين أيضا معترفون به.
و أمّا الكبرى، فللأخبار البالغة حدّ التواتر الواردة في أنّ كلّ بدعة حرام.
قلت: المراد بالبدعة إن كان كلّ أمر حادث لم يكن في عصرهم(عليهم السلام)، فقولك «كلّ بدعة ضلالة» ممنوع، و إلّا لكان الأغذية و الأكسبة المستحدثة كلّها حراما، و لا يقول به أخباريّ فضلا عن غيره، و إن كان المراد بالبدعة إدخال ما ليس من الدين فيه بقصد أنّه منه، أو إدخال ما لا يعلم أنّه من الدين فيه بقصد أنّه منه، فنقول:
أوّلا: إنّ قولك «كلّ حادث بدعة» ممنوع؛ نعم، إدخال الحادث الذي علم أنّه ليس من الدين أو لا يعلم ذلك في الدين بدعة، لكن العمل بالقواعد الرجاليّة من
الدين، لقوله(عليه السلام)«خذ بأعدلهما و أفقههما»، فإنّ الأمر بأخذ قول الأعدل كاشف عن أنّ معرفة الأعدل من الدين، و ذلك لا يحصل إلّا بعلم الرجال.
و لقوله تعالىإِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواوجه الدلالة: أنّ منطوق الآية الشريفة حرمة العمل بقول الفاسق، و حينئذ نقول: إنّ رواة الأخبار المودّعة في الكتب الأربعة إن لم نقل إنّ بعضهم معلوم الفسق، فلا أقلّ من كونهم مجهول الحال قبل الرجوع إلى علم الرجال، و بعد ما حكم الآية بعدم قبول نبأ الفاسق، لا يجوز العمل بخبر مجهول الحال أيضا من باب المقدّمة، فإنّه في الواقع إمّا عادل و إمّا فاسق، فلا بدّ من الاحتراز من خبره، لاحتمال أن يكون فاسقا، و عدم قبول جميع الأخبار باطل، فلا بدّ من التبيّن حتّى يعلم أنّ الراوي فاسق أو عادل، فتبيّن أنّ هذه القواعد من الدين.
و ثانيا: إنّ المختار أنّ البدعة إدخال ما ليس من الدين فيه، فلئن سلّمنا إنّا لا نعلم أنّ العمل أنّه ليس من الدين، فيدور أمره بين أن يكون بدعة فيكون حراما و أن يكون مباحا، و بعد دوران الأمر بين الإباحة و الحرمة، فإنّ الحكم الإباحة، كما ثبت في مقامه.
و ثالثا: سلّمنا أنّه بدعة و حرام، و لكن إذا تعارض خبران و دار الأمر بين الوجوب و الحرمة، و علمنا إجمالا أنّ رواة أحد الخبرين عدول و الآخرين فسّاق، و علمنا أنّا إذا رجعنا إلى علم الرجال مع فرض حرمته نرجّح أحد الخبرين على الآخر، فحينئذ إن عملنا بالخبر الدالّ على الوجوب، فهذا العمل حرام، لمخالفة آية النبأ، و كذا العمل بقاعدة الرجال أيضا حرام، فيدور الأمر بين محرّمات ثلاث:
العمل بهذا و العمل بذلك و الرجوع إلى الرجال.
لكن العمل بكلّ واحد من الخبرين مستلزم لارتكاب محرّمين، أحدهما مخالفة الآية و الآخر ترجّح أحد السنّتين على الآخر مع العلم الإجمالي بترجيح أحدهما؛ و العمل بالرجال مستلزم لارتكاب محرّم واحد، و هو العمل بالبدعة، لكن يكون
محصّلا لواجبين، فإنّ الأخذ بالراجح واجب و ترك المرجوح أيضا واجب، و بعد المراجعة إلى الرجال كان تبيين الراجح من المرجوح، فهي و إن كانت محرّمة بالفرض لكن ثمرتها تحصيل واجبين، و العمل بكلّ واحد من الخبرين مستلزم لحرامين كما عرفت، فالترجيح من جانب العمل بالرجال، فلئن سلّمنا عدم ترجيح أحد المحرّمات على الآخر فلا أقلّ من التخيير، فيثبت جواز العمل بالقواعد مع فرض كونه بدعة، فثبت المطلوب.
و بعبارة أخرى: ما دلّ على حرمة البدعة إنّما تدلّ على حرمتها بالذات، و أمّا عند مسيس الحاجة إليهما، كما في المفروض، فلم يدلّ الدليل على حرمتها.
و الحاصل: أنّ الحقّ في الجواب هو الجواب الأوّل، و الثاني و الثالث لا طائل تحتهما.
فإن قلت: العمل بالقاعدة الجديدة مستلزم لطرح أكثر الأخبار، فإنّ الأكثر على هذا الاصطلاح ضعاف، مع العلم الإجمالي بأنّ أكثر هذه الضعاف أو نصفها أو عشرها مثلا واردة من المعصوم، فيلزم من العمل بالاصطلاح الجديد المخالفة القطعيّة، و الخصم غير راض بذلك.
قلت: نحن لا نطرح كلّ الضعاف، بل نعمل بالضعاف المنجبرة بالشهرة، و بالمعتضدة بالإجماع المنقول، و بالضعيف المطابق لظاهر الكتاب، و المطابق للأصل و الاستصحاب، و بهذا يصير جلّ الضعاف معمولا بها، و لا يبقى إلّا أقلّ قليل منها، و العلم الإجمالي بكون واحد ممّا بقي صادرا من المعصوم مفقود، ففي الطرح له لا يلزم مخالفة قطعيّة.
و يمكن أن يجاب ثانيا بأنّ الضعاف إن طرحناها أجمع يلزم المخالفة القطعيّة، و إن عملنا بها أجمع يلزم العمل بقول الفاسق أو المجهول الحال، مع كونه منهيّ عنه بآية النبأ، فما الحيلة إلّا أن يقال من جانب الأخباري: إنّ آية النبأ مجملة منطوقا و مفهوما، و عليه يسقط بعض الاعتراضات الواردة عليهم بالتمسّك بهذه الآية؛
فتأمّل.
فإن قلت: إنّ كتاب الكافي عرض على صاحب العصر(عجّل اللّه فرجه)، فقال(عليه السلام): هذا كاف لشيعتنا؛ فلو كان فيه أخبار غير صادرة عنهم لردع عن العمل بها، فتقريره(عليه السلام)و قوله(عليه السلام)هذا كاف يكشفان عن صحّة جميع أحاديثه، فلا نحتاج إلى الرجال.
قلت أوّلا: إنّ هذا الخبر على فرض تسليم صدوره عنه(عليه السلام)خبر واحد لا يفيد إلّا الظنّ، فأين لك من إثبات الصحّة؟
و ثانيا: سلّمنا أنّها قطعيّ، لكن كفايته للشيعة غير مستلزم لعدم الاحتياج إلى الرجال، بل الحكم بالكفاية بالنسبة إلى الاحتياج وارد مورد حكم آخر، بمعنى أنّه(عليه السلام): قال هذا كاف و لم يقل لا احتياج إلى الرجال، فإنّ الكفاية و الاحتياج إلى الرجال يجتمعان، كما أنّ الكفاية يجتمع مع الاحتياج إلى سائر المقدّمات من معرفة علوم العربيّة و نظائرها، على أنّ حكمه بالكفاية مع وجود الأحاديث المتعارضة في الكافي كاشف عن الاحتياج بالرجال.
فإن قلت: هذه الاخبار منقولة من أصول أصحاب الإجماع، الذين أجمعوا الأصحاب على تصحيح ما يصحّ عنهم؛ و بعد ما كان صاحب الأصل من أصحاب الإجماع فأحاديثه معتبرة، و المحمّدين الثلاثة نقلوا الأخبار من هذه الأصول، و إنّما ذكروا الرواة المتوسّطة بينهم و بين صاحب الأصل للتبرّك باتّصال السلسلة إلى صاحب الأصل، لا لأنّ الحديث لقاه الراوي من زرارة مثلا، و كذا يدا بيد إلى أن وصل بالمشائخ، و ربما كان الواسطة بين المشايخ و صاحب الأصل كلّهم صحاح عادلين، و اكتفوا عن الواسطة العدول بذكر الضعاف لمجرّد اتّصال السلسلة فقط، و مع ذلك ما الداعي إلى معرفة الرجال؟
قلت: جواب هذا الاعتراض مبنيّ على معرفة أصحاب الإجماع، و على معرفة معنى هذه العبارة و هي «قولهم أجمعت الصحابة على تصحيح ما يصحّ منهم».
فنقول: أصحاب الإجماع تسعة عشر رجلا منهم زرارة بن أعين و محمّد بن مسلم و ليث المرادي، و يسمّى هذه الثلاثة مع واحد آخر بالأوتاد الأربعة، و منهم ابن أبي عمير، فإنّه قيل: إنّ مراسيله كالمسانيد، و ابن بكير و غيرهم ممّا اشتمل كتب الرجال على تفاصيلهم، و قيل: إنّهم أحد و عشرون، و أمّا قولهم «هؤلاء أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم» فيحتمل معان أربعة:
الأوّل: إنّ حمّادا مثلا اجتمعت العصابة على تصحيح حديث يصحّ عنه، بمعنى أنّ ما رواه حمّاد أجمع الأصحاب على أنّه من المعصوم.
و بعبارة أخرى: أجمعوا على أنّ حمّادا لا ينقل إلّا ما ثبت عنده أنّه من المعصوم، فما رواه حمّاد صحيح، سواء كان بواسطة بينه و بين المعصوم كلّهم ثقات أم لا، و على هذا يكون قولهم يصحّ عنهم مجازا عن يروونه.
الثاني: إنّ حمّادا أجمعت العصابة على تصحيح حديث راو يصحّ هذا الحديث عن حمّاد، كإن روى حمّاد عن عبد اللّه مثلا، و أجمعت العصابة على أنّ حمّادا لا يروي إلّا عمّن صحّ حديثه، فرواية حمّاد عن عبد اللّه في حديث يكشف عن أنّ عبد اللّه ثقة، و الحديث الذي رواه صحيح، سواء نقل حمّاد الحديث منه أم لا.
و بعبارة أخرى: بعد رواية حمّاد عن عبد اللّه حديثا واحدا، أجمعت العصابة على أنّ كلّ حديث يرويه عبد اللّه صحيح، سواء كان الواسطة بينه و بين المعصوم ثقة أم لا؛ و هذا المعنى أعمّ من المعنى الأوّل، فإنّه على الأوّل كان كلّ رواية حمّاد صحيحا، و على الثاني كان كلّ رواية من روى حمّاد عنه و لو حديثا واحدا صحيحا، و على هذا يكون «يصحّ عنهم» بمعنى: يصحّ حديث المروي عنه بواسطة رواية أصحاب الإجماع عنه.
الثالث: إنّ حمّادا أجمعت العصابة على تصحيح حديث يصدر عنه صحيحا، و جعلوا هذه العبارة كناية عن أنّ حمّادا نفسه إماميّ عادل ضابط، فما يرويه عن راو فهو صادق في هذه الرواية؛ و أمّا تصحيح الحديث فهو موقوف على تزكية من روى
عنه و ما فوقه إلى المعصوم.
و بعبارة أخرى: لو كان جميع الرواة مثل حمّاد كانت الرواية صحيحة، بمعنى أنّ هذه الرواية صحيحة بالنسبة إلى حمّاد، و أمّا بالنسبة إلى الراوي عنه و المرويّ عنه فصحّة الحديث موقوفة على كونهما مثل حمّاد، فالصحّة حينئذ هو الصحّة باصطلاح المتأخّرين بخلاف الأوّلين، فإنّ الصحّة عليهما هو الصحّة باصطلاح المتقدّمين و هو القطع بالصدور.
الرابع: أن يكون هذه العبارة كناية عن توثيق أصحاب الإجماع، سواء كانوا إماميّين أم لا، كما في ابن بكير، فإنّه قيل: إنّه واقفيّ أو فطحيّ، و هذا المعنى كالمعنى الثالث إلّا أنّه أعمّ من الثالث، فإنّ العبارة على المعنى الثالث كانت كناية عن أنّ أصحاب الإجماع إماميّون عادلون، و على المعنى الرابع يكون كناية عن أنّهم صادقون مطلقا.
و على كلّ واحد من المعنيين الأخيرين لا بدّ في تصحيح الرواية من تزكية ما فوق أصحاب الإجماع إلى الإمام و من تزكية ما تحته إلينا.
و كلّ واحد من المعاني الأربعة لا يخلو من حزازة.
أمّا الأوّل: فلأنّ معنى العبارة لو كان كذلك لما اختلفوا في العمل بمراسيل ابن أبي عمير، مع أنّه من أصحاب الإجماع، فإنّ القوم اختلفوا في مراسيله، فمنهم من عمل بها لأنّه لا يرسل إلّا عن ثقة و منهم من لم يعمل بها لكونها مرسلة.
و أمّا الثاني: فلأنّ تحقّق الإجماع على هذا القسم مستبعد جدّا، فإنّ الإجماع على هذا النحو إنّما يتصوّر تحقّقه إذا تفحّصت العصابة عن أحوال من يروي حمّاد عنه، فيرون أنّ كلّ من روى عنه كان ثقة و كان روايته صحيحة، بمعنى كونهم قاطعين بصدور الرواية عن المعصوم، و ذلك في غاية الاستبعاد؛ و على فرض تسليمه، يصير المروي عنه أيضا من أصحاب الإجماع، فلم لا يعدّون كلّ من روى حمّاد عنه من أصحاب الإجماع؟ مع أنّ استفادة هذا المعنى عن هذه العبارة مبنيّة على الإضمار؛