عنه و ما فوقه إلى المعصوم.
و بعبارة أخرى: لو كان جميع الرواة مثل حمّاد كانت الرواية صحيحة، بمعنى أنّ هذه الرواية صحيحة بالنسبة إلى حمّاد، و أمّا بالنسبة إلى الراوي عنه و المرويّ عنه فصحّة الحديث موقوفة على كونهما مثل حمّاد، فالصحّة حينئذ هو الصحّة باصطلاح المتأخّرين بخلاف الأوّلين، فإنّ الصحّة عليهما هو الصحّة باصطلاح المتقدّمين و هو القطع بالصدور.
الرابع: أن يكون هذه العبارة كناية عن توثيق أصحاب الإجماع، سواء كانوا إماميّين أم لا، كما في ابن بكير، فإنّه قيل: إنّه واقفيّ أو فطحيّ، و هذا المعنى كالمعنى الثالث إلّا أنّه أعمّ من الثالث، فإنّ العبارة على المعنى الثالث كانت كناية عن أنّ أصحاب الإجماع إماميّون عادلون، و على المعنى الرابع يكون كناية عن أنّهم صادقون مطلقا.
و على كلّ واحد من المعنيين الأخيرين لا بدّ في تصحيح الرواية من تزكية ما فوق أصحاب الإجماع إلى الإمام و من تزكية ما تحته إلينا.
و كلّ واحد من المعاني الأربعة لا يخلو من حزازة.
أمّا الأوّل: فلأنّ معنى العبارة لو كان كذلك لما اختلفوا في العمل بمراسيل ابن أبي عمير، مع أنّه من أصحاب الإجماع، فإنّ القوم اختلفوا في مراسيله، فمنهم من عمل بها لأنّه لا يرسل إلّا عن ثقة و منهم من لم يعمل بها لكونها مرسلة.
و أمّا الثاني: فلأنّ تحقّق الإجماع على هذا القسم مستبعد جدّا، فإنّ الإجماع على هذا النحو إنّما يتصوّر تحقّقه إذا تفحّصت العصابة عن أحوال من يروي حمّاد عنه، فيرون أنّ كلّ من روى عنه كان ثقة و كان روايته صحيحة، بمعنى كونهم قاطعين بصدور الرواية عن المعصوم، و ذلك في غاية الاستبعاد؛ و على فرض تسليمه، يصير المروي عنه أيضا من أصحاب الإجماع، فلم لا يعدّون كلّ من روى حمّاد عنه من أصحاب الإجماع؟ مع أنّ استفادة هذا المعنى عن هذه العبارة مبنيّة على الإضمار؛
كما لا يخفى.
و أمّا الثالث: فمع تصوّر العبارة عن استفادة هذا المعنى منها، و مع أنّ توثيق أصحاب الإجماع على هذا الوجه ممّا لا يرتّب عليه فائدة معتدّ بها، يرد عليه أنّه لو كان مرادهم من هذه العبارة هذا المعنى، لكان عدّ سلمان و أبي ذر و نحوهما من أصحاب الإجماع أولى من غيرهم، مع كونهم مذكورين في كتب الرجال.
و أمّا الرابع: فمعنى ورود الإيرادات المذكورة على المعنى الثالث عليه، يرد عليه أنّ غرضهم من ذكر أنّهم من أصحاب الإجماع كان مدحهم بذلك، و لا يستفاد ذلك من أنّهم كانوا صادقين، فإنّ أكثر الرواة من هذا القبيل.
و كيف ما كان، فالمتبادر الظاهر من العبارة هو المعنى الأوّل، مع إمكان دفع الحزازة عنه بأنّ هذا الاختلافات في مراسيل ابن أبي عمير لا يضرّ بالإجماع، أو أنّ هذا الاختلاف نشأ من المتأخّرين.
و عليه نقول: يا أيّها الأخباري ما لك و الإجماع.
سلّمنا، لكن هذا الإجماع منقول من الكشّي فقط و من النجاشي نقلا منه، فلا يفيد إلّا الظنّ، و هو غير مفيد في المسألة الأصوليّة.
سلّمنا أنّ الإجماع محقّق، لكنّه غير كاشف عن رضاء الرئيس، لأنّ الكشف إنّما يتحقّق فيما إذا كان المجمع عليه من الأحكام و هنا ليس كذلك، بل من الموضوعات.
سلّمنا أنّه كاشف، لكن من أين ثبت أنّ الأصل الذي نقل الشيخ الرواية منه باعتقاد أنّه من حمّاد مثلا، كان من حمّاد؟ فلعلّه اشتبه في ذلك، فإنّ أمثال هذا الاشتباه من المؤلّفين غير عزيز، كما نشاهده في الناقلين، فإنّهم ربما ينقلون عن كتاب عالم و يظهر أنّه نقله من كتاب عالم آخر اشتباها، فإنّ الإنسان ليس بمعصوم.
سلّمنا عدم الاشتباه، لكن يحتمل السهو في الأصل، كأن يقال: لعلّ الناسخ سها في النقل من الأصل، أو لعلّ صاحب الأصل سها.
سلّمنا كلّ ذلك، لكن كلّ أحاديث الكتب الأربعة ليست رواية أصحاب
الإجماع، فما تصنع في الأحاديث المرويّة عن غيرهم؟
سلّمنا أنّ كلّ أحاديث الكتب الأربعة منقولة من أصول أصحاب الإجماع، لكن ما الحيلة في التعدي إلى العمل بغير الكتب الأربعة؟ كسائر كتب صدوق و غيره.
سلّمنا، لكن احتمال السهو في كلّ المؤلّفين قائم.
سلّمنا، لكن ما نصنع عند التعارض؟
هذا وجه الاحتياج إلى علم الرجال على المعنى الأوّل، و بهذا الوجه أيضا يظهر الاحتياج إليه على المعنى الثاني، و أمّا على المعنى الثالث و الرابع فوجه الاحتياج أوضح؛ ثمّ لا يخفى أنّ المتبادر من العبارة عرفا هو المعنى الثالث، و عرفت أنّ وجه الاحتياج عليه أوضح، و ما جعلناه من المعنى الأوّل متبادرا فإنّما هو للانتصار من الأخباريّين، بمعنى أنّا اخترنا المعنى الذي هو أنفع لهم حتّى يظهر فساد طريقتهم عن سائر المعاني.
تنبيه: السرّ في حدوث الاصطلاح الجديد في زمن علّامة(رحمه اللّه)أنّ المتقدّمين عليه لكون الأصول الأربعمائة عندهم و لعدم اختفاء القرائن عليهم، لم يكونوا محتاجين على هذا الاصطلاح، و لمّا اختلفت ذلك القرائن بعد ذلك، و لم يكن للمتأخّرين بدّا من العمل بالظنّ، لانسداد باب العلم بالنسبة إليهم، لاختفاء القرائن المفيدة له، أخذوا بالقدر المتيقّن، فسمّوا كلّ حديث كان جميع سلسلة رواته إماميّا عادلا ضابطا بالصحيح، و كلّ حديث كان كلّ رواته إماميّا عادلا غير ضابط بالحسن، و كلّ حديث كان راويه ثقة غير إماميّ بالموثّق، و ما عداها بالضعاف.
فربما يكون الصحيح ضعيفا عند المتقدّمين و بالعكس، مع أنّ المتأخّرين يعملون بكلّ خبر يكون عليه قرينة يصير بها صدوره من المعصوم مظنونا، كاعتضاده بالشهرة و نحوها، و لو لم يدوّنوها في الكتب الأربعة، و كانت الأصول بأيدينا، لكانت القرائن لنا أكثر من ذلك؛ و ربما يستفاد بعض القرائن من المراجعة إلى الرجال؛ و الأخباريّون لمّا غفلوا عن ذلك، طعنوا على الأصوليّين و آذوهم
باللسان و الأقلام، و قالوا في حقّهم ما قالوا.
فإن قلت: إنّ الأصحاب اختلفوا في العدالة، فقال بعضهم إنّها الملكة، و قال بعض إنّها حسن الظاهر، و قال آخر إنّها ظهور الإسلام مع عدم ظهور الفسق؛ و بعد ما اختلفوا فيها، فتعديل أرباب الرجال لا يفيد إلّا إذا علم توافقهم مع المجتهد في المعنى العدالة، أو علم أنّ العدالة المعتبرة في الراوي عندهم بمعناها الأعلى و هو الملكة، و من أين ذلك العلم؟ و بعد ما لم يعلم التوافق، فالمراجعة إلى الرجال لا يغني عن الحقّ شيئا.
قلت أوّلا: إنّ العدالة يطلق على المعاني الثلاثة، و إنّ من عرّفها بالمرتبة الدنيا و هي ظهور الإسلام، لم ينكر أنّ واجد المرتبة العليا ليس بعادل، و المطلق عند الإطلاق يتبادر منه الفرد الأكمل، فمتى وجدنا في قولهم «إنّ فلانا ثقة» تتبادر منه أنّ هذا الفلاني واجد الملكة، فإنّ الملكة هو الفرد الأكمل بالنسبة إلى معانيها، فإن كان العدالة عند من يحتاج إلى المراجعة إلى علم الرجال بمعناها الأدون، فلا يحتاج إلى أن يعرف مذهب المعدّل، و إن كانت عنده بالمعنى الأعلى فلا يحتاج أيضا، لتبادر الفرد الكامل.
و في هذا الجواب تأمّل، لأنّ الغرض من المراجعة أن يعرف ذلك المجتهد عدالة الرواة بمذهبه، ليترتّب عليها آثارها، و ما قلت من عدم الاحتياج إنّما يتمّ في القسم الأوّل، و أمّا إذا كانت عنده بالمعنى الأعلى، فالقدر المتيقّن من العدالة عند جهالة مذهب أرباب الرجال فيها هو معناها الأدنى، و لذلك لا يفيد لهذا الشخص.
و ثانيا: إنّ تبادر الفرد الأكمل من المطلق مسلّم إذا كان له غلبة الوجود أو غلبة الاستعمال، و كلتا الغلبتين ممنوعة بالنسبة إلى واجد الملكة، بل الغالب واجد ظهور الإسلام و عدم ظهور الفسق.
و ثانيا: إنّ أرباب الرجال كانوا علماء موصوفين بالورع و العدالة [و] الصلاح، و كتبوا هذا العلم لهداية المجتهدين عند ترجيح أحد الخبرين على الآخر، و كان هذا
الاختلاف في معنى العدالة في عصرهم أيضا، فلو كان العدالة عندهم هي المرتبة النازلة لقيّدوا بها، كأن يقولوا: فلان ثقة بهذا المعنى، و فلان ثقة بذاك المعنى؛ و لما أطلقوا مع الاختلاف، لأنّ ذلك مناف لغرضهم الداعي إلى تدوين هذا العلم؛ و القول بعدم الالتفات إلى الاختلاف مستبعد جدّا، كما أنّ القول بالالتفات و الإهمال أشدّ استبعادا منه لشدّة ورعهم.
و ثالثا: إنّه يعلم من سجيّتهم أنّهم لم يوثّقوا إلّا من كان واجد المرتبة العالية؛ فإنّ إبراهيم بن هاشم مع توصيفهم إيّاه، و مدحهم له بأنّه أوّل من نشر أخبار الكوفة في قم، مع أنّ القميّين كان شدّة صلاحهم إلى مرتبة كانوا يخرجون من بلدهم من يروي الأخبار النادرة الضعيفة مع وثاقته، حتّى أنّ بعضا عدّ قبول القميّين كاشفا عن العدالة و قرينة، لها لم يوثّقوه أرباب الرجال؛ و نظائره كثيرة؛ فعرفنا بهذه القرينة أنّ كلّ من وثّقوه هو واجد للمرتبة الأعلى.
و الحاصل: أنّ مآل الجوابين الأخيرين إلى أنّ العدالة عند أرباب الرجال بمعنى الملكة، و يدلّ على ذلك قرينتان: الأولى عدم التقييد، و الثانية عدم توثيق أمثال إبراهيم ابن هاشم.
ثمّ لا يخفى أنّ للأخباريّين في عدم الاحتياج إلى الرجال شكوكا آخر، يظهر جوابها ممّا سمعت، فلا نطيل الكلام؛ و كذا لهم شكوك في عدم الاحتياج إلى علم الأصول، و قد فضلوا أصحابنا(رضوان اللّه عليهم)أجوبتها و قلّبوها ظهر البطن.
و نقول مجملا: إنّ من شكوكهم أنّ علم الأصول بدعة؛ و الجواب عنه أنّ نصف الأصول مباحث الألفاظ، و يتوقّف فهم الأخبار عليهما إمّا تقليدا أو اجتهادا، و لا يمكن الفهم أبدا بدونها على أحد الطريقين؛ و نصفه الآخر في حجّيّة الكتاب و سائر الأدلّة، بمعنى أنّه يجب العمل بها أم لا؟ و هذه أحكام شرعيّة.
غاية الأمر: أنّ الأخباري لا يقول بحجّيّة بعض منها و حرمة العمل بها، و الأصولي يخالفه في بعض و يوافقه في بعض، و القول بعدم الحجّيّة من مسائل
الأصول، كما أنّ القول بالحجّيّة منها، فأيّ موضع من مواضع الأصول بدعة؟ هداهم اللّه إن دخلوا في عرصة الوجود.
ثمّ لا يخفى أنّ بعضهم ذكروا لتحقّق الاجتهاد شروطا آخر، كمعرفة الطبّ لمعرفة المرض المنتج للإفطار، و كذا معرفة الهيئة للوقت و القبلة، و معرفة الحساب لمعرفة تقسيم الإرث مثلا، و علم الهندسة لمعرفة ما لو باع مثلّثا وتر زاويته القائمة عشرون ذراعا مثلا؛ و من البيّن أنّها ليست من الشروط، بل بعضها من المكمّلات، فإنّ للفقيه أن يقول: يجب الصلاة بعد دخول الوقت، و أمّا معرفة الوقت فليست وظيفته؛ و هكذا، فقس.
المسألة الثالثة: اختلف الأصحاب في أنّ الجاهل بكيفيّة عمله معذور أم لا
، على أقوال ثلاثة.
فذهب المشهور إلى عدم معذوريّته مطلقا، لما اشتهر بينهم أنّ الناس صنفان، إمّا مجتهد و إمّا مقلّد، و عبادة غير الصنفين باطلة؛ و فصّل جمع منهم المقدّس الأردبيلي بين ما طابق للواقع فمعذور فيه، و ما لم يطابق له فغير معذور؛ و فصّل بعض متأخري المتأخّرين بين القاصر فمعذور، و المقصّر فغير معذور.
و كلامهم أخصّ من العنوان الذي ذكرنا، لأنّ خلافهم هذا في عبادة الجاهل دون معاملاته، و عنواننا حيث قلنا «الجاهل بكيفيّة عمله معذور أم لا» عام لكلا القسمين لشمول العمل للعبادة و المعاملة.
ثمّ لا يخفى أنّ كلامهم في هذه المسألة في علم الأصول متشتّت غير منضبطة، فالأحسن أن نذكر الاحتمالات المتصوّرة في المقام ثمّ لندخل في المسألة، فنقول:
إنّ الجاهل إمّا جاهل بالموضوع أو بالحكم، و على الثاني إمّا جاهل بالتكليفي منه أو الوضعي؛ مثال الأوّل كما لو جهل أنّ هذا الذي على ثوبه عذرة أو وجل مثلا؛ مثال الثاني كما لو جهل أنّ الصلاة مع هذا الثوب يجوز أو يحرم مثلا؛ مثال الثالث كما لو جهل أنّ الصلاة بهذا الثوب صحيح أو فاسد، و كذا يتصوّر هذه الصور الثلاث في
المعاملات أيضا.
ثمّ الجاهل إمّا جاهل بالجنس و الفصل، كما لو لم يدر أنّ هذا مطلوب أو مبغوض، مع الجهل بأنّه على كلا التقديرين متفصّل بفصل الوجوب و الحرمة أو الاستحباب و الكراهة؛ و إمّا جاهل بالجنس دون الفصل، كما لو علم أنّه لو كان مطلوبا لكان واجبا أو ندبا، أو لو كان مبغوضا لكان حراما أو مكروها؛ و إمّا جاهل بالفصل دون الجنس، كما لو علم أنّه مطلوب أو مبغوض مع الجهل بفصلي كلّ منهما.
ثمّ الجاهل إمّا قاصر، و المراد به هنا غير الملتفت إلى لزوم أخذ المسائل؛ و إمّا مقصّر و هو من لم يكن كذلك.
ثمّ الجاهل إمّا متمكّن من أخذ المسائل، كما لو فرضنا وجود من يؤخذ منه المسألة عند القاصر أو المقصّر، و إمّا غير متمكّن منه، و فرضه بالنسبة إلى القاصر واضح، و أمّا بالنسبة إلى المقصّر كما لو فرضنا أنّ أحدا التفت بلزوم أخذ المسائل و قصّر في الأخذ مع تمكّنه، إلى أن صار محبوسا و لم يتمكّن بعده، فإنّه يظهر الثمرة عند من قال بعدم منافاة الامتناع بالاختيار الاختيار؛ و من تقريرنا هذا ظهر الفرق بين المتمكّن و غيره و بين القاصر و المقصّر.
ثمّ الجاهل إمّا معتقد بخلاف الواقع، كما فرضنا أنّ الماء القليل ينجس بالملاقاة في الواقع و كان ذلك الجاهل معتقدا لعدم التنجّس، أو نقول: كما لو اعتقد كونه مستور العورة مثلا و كان في الواقع مكشوفها؛ و إمّا شاكّ في أنّ الحكم الواقعي هذا أو ذلك؛ أو أخذ المسائل ممّن ليس أهلا للأخذ منه كأبويه الفاسقين مثلا، مع مطابقة عمله للواقع.
ثمّ عمله إمّا مطابق للواقع أم لا، ثمّ جهله إمّا ابتدائي أي قبل العمل، أو أثنائي كما لو تعلّم المسألة قبل الدخول في العمل ثمّ بعد الدخول نسيها، فإنّ هذا الشخص صار جاهلا في الأثناء.
ثمّ التفاته بالجهل إمّا قبل حضور وقت الحاجة، كما لو دخل في الصلاة و في أثناء