و ثالثا: سلّمنا ثبوت التلازم من الطرفين، بمعنى أنّ فعل الصلاة متلازم لترك الزنا و ترك الزنا متلازم لفعل الصلاة، لكن لا يستلزم التلازم بين الشيئين أن يكون أحدهما مقدّمة للآخر، فإنّ بين التلازم في الوجود و المقدميّة عموم و خصوص من وجه؛ مادّة الاجتماع كما في العلّة و المعلول، و بعبارة أخرى كما في السبب و المسبّب؛ مادّة افتراق المقدّميّة كما في الشرط، فإنّه مقدّمة للمشروط و غير ملازم له في الوجود؛ مادّة افتراق التلازم كما في معلولي علّة واحدة مثلا، فإنّهما متلازمان في الوجود، لكن ليس وجود أحدهما مقدّمة لوجود الآخر، بل وجود العلّة مقدّمة لوجودهما.
سلّمنا ثبوت التلازم بين فعل الضدّ و ترك ضدّه، و أنّه لو كان ترك الضدّ مقدّمة لكان الفعل أولى بالمقدّميّة، لكن ما قلت من أنّ هذا مستلزم للدور مدفوع باختلاف جهتي الدور، فإنّ فعل الصلاة موقوف على ترك الزنا و أمّا ترك الزنا فلا يتوقّف على فعل الصلاة، بل يمكن أن يتحقّق في ضمن فعل آخر، و بهذا القول من اختلاف جهتي الدور يسقط الجواب الثالث عن الكعبي بلزوم الدور و تبقى لنا الردّان الأوّلان.
لكن هذا الجواب مخدوش، لأنّ بعد تسليم التوقّف الدور لازم و يمكن بيانه بتقريرين:
أحدهما على وجه الدور المضمر، بأنّ فعل الصلاة موقوف على ترك الزنا، و ترك الزنا موقوف على فعل ضدّ ما للزنا، و فعل ضدّ ما موقوف على فعل الصلاة، لأنّ الفرد مقدّمة وجود الطبيعة.
و الثاني على وجه الدور المصرّح، بأنّ فعل الصلاة موقوف على ترك جميع الأضداد، و ترك جميع الأضداد موقوف على فعل الصلاة، فالدور لازم؛ لكن نكتفي بالجواب الثالث من منع التوقّف من الطرفين و لا يرد دور.
نعم، هذا الدور وارد على الكعبي القائل بالتوقّف من الطرفين، و نحن لمّا قلنا أنّ
ترك الضدّ يتحقّق بالصارف لا بفعل الضدّ، في راحة من لزوم الدور.
نعم، نرد علينا لزوم الدور فيما لو فرض أنّ شخصا تهيّأ له أسباب الزنا، و لم يبق له صارف من خشية اللّه تعالى و نحوها، و كان تركه للزنا موقوفا على الفرار من المكان الذي يقع فيه الزنا مثلا، فإنّ الفرار حينئذ واجب عليه مع أنّ ترك الزنا حينئذ موقوف على الفرار، و الفرار موقوف على ترك الزنا.
لكن يمكن أن نقول: إنّ هذا الدور أيضا غير لازم علينا، لأنّ ترك الزنا فيما بعد متوقّف على الفرار الآن، و لكن الفرار الآن ليس متوقّفا على ترك الزنا فيما بعد، بل هو موقوف على وجود الصارف الآن، و إن لم يكن الصارف موجودا يستحيل منه ترك الزنا، لوجود العلّة التامّة للزنا، و هو وجود جميع المقتضيات و فقد المانع، فليس الفرار حينئذ ممكنا حتّى يكون واجبا.
فبعد ما ثبت عدم أولويّة كون فعل الضدّ مقدّمة لترك ضدّه، يثبت أنّ القول بكون الترك مقدّمة للفعل غير مستلزم للدور، فسقط ما تمسّك به السلطان(رحمه اللّه).
و بعد ما تقرّر ما ذكرنا من قولنا أنّ فعل الصلاة و تحصيل المسائل ضدّان إلى هنا، نجيب عن الأمر الثاني:
أوّلا: بأنّ كون فعل الصلاة مقدّمة لترك التحصيل ممنوع، و السند ما زبرنا.
و ثانيا: سلّمنا كونه مقدّمة، لكن بنائنا في مقدّمة الواجب و الحرام أنّ النهي يتعلّق بترك المكلّف به عند ترك المقدّمة لا بنفس المقدّمة، بمعنى أنّا نقول: إنّ العقاب يتوجّه على تارك ذي المقدّمة حقيقة أو حكما.
أمّا القسم الأوّل فواضح؛ و أمّا القسم الثاني، فكما لو تأخّر الذهاب إلى الحجّ مع الرفقة و تيقّن عدم تمكّنه من الذهاب بعدهم، فإنّا قد قرّرنا في محلّه أنّه معاقب على ترك الحجّ حكما عند عدم الخروج، لا لأنّ الخروج كان واجبا و تركه، بل لكونه تاركا لذي المقدّمة حكما عند ترك المقدّمة، فلم يتعلّق بالمقدّمة أمر أبدا.
و كذا نقول فيما نحن فيه: إنّ الإتيان بالصلاة مقدّمة لترك التحصيل، و النهي إنّما
تعلّق بترك التحصيل الذي هو ذو المقدّمة لا بالصلاة، مع قولنا بأنّه معاقب على ترك لتحصيل عند الإتيان بالصلاة و بعد ما لم يكن الصلاة منهيّا عنها، يكون صلاة الجاهل مطابقة للواقع، فثبت الصغرى.
و ثالثا: سلّمنا أنّ الصلاة مقدّمة و النهي متعلّق بها، لكن نقول: النهي فى العبادات يقتضي فسادها إذا تعلّق بنفسها أو بجزئها أو بأمر لازم لها، و إن تعلّق بوصف خارج عارض لها، فاقتضاؤه الفساد ممنوع.
و ما نحن من قبيل القسم الأخير، لأنّ متعلّق النهي طبيعة الذي هو ضدّ للتحصيل و مفوّت له، و إنّما اتّفق وجوده في ضمن الصلاة من باب المقارنات الاتّفاقيّة، فالصلاة مأمورا بها في نفسها، و المنهيّ عنه هو طبيعة الضدّ الذي ليس عين الصلاة و لا جزئها و لا خارجها اللازم لها، فإنّ وجود الضدّ لا يلازم وجود الصلاة، بل هي خارجة عن الصلاة و اتّفقت وجودها في ضمنها، نظير ذلك كما في أداء الدين، فإنّه واجب و الصلاة مقدّمة لتركه، و مع ذلك لا يحكم بفساد الصلاة لما ذكرنا.
و أمّا الأمر الثالث: فلو كان المختار مختار السلطان(رحمه اللّه)، لأجبنا عنه بالأجوبة الثلاثة من منع كون الترك مقدّمة أوّلا، و من عدم تعلّق النهي بالمقدّمة ثانيا، و من تعلّقه بالأمر الخارج عنها ثالثا، لكن بعد ما اخترنا من أنّ ترك الضدّ مقدّمة لفعل ضدّه، ينقطع يدانا عن الجواب الأوّل و نجيب عنه بالجوابين الباقيين، فلا يصلح هذا المانع من عدم إمكان مطابقة عبادة الجاهل للواقع، لتعلّق النهي بها من باب المقدّمة أيضا، لكونه مانعا.
و أمّا الأمر الرابع: فالجواب مبنيّ على تحقيق أنّ المتلازمين في الوجود، هل يجوز اختلافهما في الحكم أم لا؟ فنقول أوّلا: إنّ المتلازمين في الوجود إمّا أحدهما علّة لوجود الآخر؛ و إمّا كلاهما معلول لعلّة واحدة، و منشأ التلازم إنّما هو محض وحدة العلّة؛ و إمّا كلا الأمرين منتف فيهما، و التلازم إنّما نشأ من باب الاتّفاق فقط؛ و يعبّر عن التلازم في القسم الأوّل بالتلازم الذاتي، و في القسمين الآخرين بالتلازم
العرضي.
ثمّ إنّ الحكمين المختلفين المتعلّقين بالمتلازمين إمّا يمكن الامتثال بهما معا، كالوجوب مع الندب و الإباحة، و كالندب مع الإباحة، و كالحرمة مع الكراهة و الإباحة، و كالكراهة مع الإباحة؛ و إمّا لا يمكن الامتثال بهما، كالوجوب مع الحرمة و الكراهة، و كالندب معهما.
فالأقسام الممكنة الامتثال ستّة، و غير الممكنة أربعة.
ثمّ إنّ جمع الحكمين المختلفين في المتلازمين إمّا من الآمر، كأن يأمر بالصلاة و ينهى عن الكون، فإنّ الكون المطلق متلازم للصلاة أبدا، و بعد ما يأمر بأحد المتلازمين الذين لا ينفكّ أبدا أحدهما عن الآخر و ينهى عن الآخر، يكون الجمع من قبل الآمر بداهة، و إمّا من المأمور كأن يأمر الآمر بالصلاة و ينهى عن الغصب، فيأتى المأمور بالصلاة في المكان المغصوب، فإنّ الجمع حينئذ إنّما نشأ من قبل المأمور و من سوء اختياره.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الأقوال في المسألة ثلاثة:
قول بجواز الاختلاف مطلقا، و هو ظاهر الفاضل القمي و من يحذو حذوه.
و قول بعدم الجواز مطلقا، و هو المنتسب إلى الكعبي؛ و لازم هذا القول عدم جواز اجتماع الأمر و النهي، كما في الصلاة في الدار المغصوبة، فإنّ الصلاة و الغصب حينئذ متلازمان في الوجود، و لا يمكن على مذاقه أن يكون الصلاة مأمورا بها واجبا و الغصب منهيّا عنه حراما.
و أيضا لازمه القول بأنّ النهي في العبادات يقتضي الفساد، كما لو قال(عليه السلام): صلّ و لا تصلّ في المكان المغصوب؛ و أتى بالصلاة فيه، فإنّ الصلاة و الغصب حينئذ متلازمان؛ و بعد ما لم يجز اختلافهما في الحكم، فإمّا الصلاة حرام و إمّا الغصب واجب، لكن الغصب حرام بالاتّفاق في جميع الأحوال، فليكن الصلاة أيضا حراما، و بعد ما صارت حراما صارت فاسدة.
و أيضا لازمه أن يكون قتل المسلم واجبا أو قتل الكافر حراما، فيما لو قتلهما أحدا بضرب واحد، فإنّ القتلين حينئذ متلازمان في الوجود.
و أيضا لازمه أن يكون فعل الزنا واجبا أو ترك قتل المسلم حراما، فيما لو ترك القتل في ضمن الزنا، فإنّ ترك القتل و فعل الزنا متلازمان حينئذ أيضا.
و قول بعدم جواز الاختلاف إن كان أحد المتلازمان علّة لآخر أو كانا معلولين لعلّة واحدة، و بجوازه إن لم يكن كذلك؛ و هو المنتسب إلى صاحب المعالم، و يلزم عليه اللوازم المذكورة إلّا الأخير.
أمّا مثال القتل، فلكون القتلين معلولي علّة واحدة هي الضرب مثلا؛ و أمّا الأوّلان، فلأنّ الفردين المتلازمين في الوجود من الصلاة و الغصب لا يخلو إمّا أحدهما علّة للآخر، أو كلاهما معلول لعلّة واحدة هي إيجاد المكلّف، سواء قلنا إنّ متعلّق الأحكام هو الأفراد أو الطبائع الكلّيّة، و الفرد مقدّمة لوجودها.
و أمّا عدم لزوم الأخير، فلأنّ فعل الضدّين ليس علّة لترك الضدّ الآخر، بل علّة الترك هو الصارف، و كذا ترك أحدهما ليس علّة لفعل الآخر و إلّا لزم وجود الزنا بمجرّد ترك القتل، بل علّته إرادته و ترك جميع أضداده مثلا، و كذا ليسا معلولا علّة واحدة كما لا يخفى، و كلّ هذه الأقوال الثلاثة مردودة لما قرّر في محلّه.
و مختارنا في المسألة: أنّ اختلاف المتلازمين في الصور الستّ التي يمكن الامتثال بكلا الحكمين فيها جائز، و في الأربعة الباقية أيضا جائز، إن كان الجمع ناشيا من سوء اختيار المكلّف و إن كان الجمع من قبل الآمر، فالاختلاف غير جائز للزوم التكليف بما لا يطاق، تعالى اللّه عن ذلك.
إذا تمهّد هذا، فنقول: إنّ فعل الصلاة و ترك تحصيل المسائل، و إن كانا متلازمين في الوجود، لكن يجوز اختلافهما في الحكم؛ أمّا إن بنينا على مذاق الفاضل القمي(رحمه اللّه)فظاهر، و كذا إن بنينا على مذهب صاحب المعالم، لانتفاء الأمرين الذين نشأ حكمه بعدم الجواز منهما.
و كذا على مختارنا، فإنّ الجمع فيما نحن فيه فاموريّ، لكون الصلاة واجبا موسّعا و التحصيل واجبا مضيّقا، و كان ممكنا لهذا المكلّف أن يؤخّر الصلاة عن أوّل الوقت و يشتغل بالتحصيل، لكن بسوء اختياره أتى بالصلاة و ترك التحصيل في ضمنها، فلا محذور في كون الصلاة واجبا و ترك التحصيل حراما مع تلازمهما في الوجود.
لا يقال: كان التحصيل مأمورا به و الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، فالصلاة لكونها ضدّا للتحصيل منهيّ عنها، فهي فاسدة.
لأنّا نقول أوّلا: هذا رجوع عن الاستدلال على فساد الصلاة بعدم جواز الاختلاف.
و ثانيا: إنّ اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاصّ ممنوع.
نعم، يشكل الأمر علينا في ضيق الوقت، لكن نقول: إنّ تأخير الصلاة و التحصيل إلى ضيق الوقت إمّا مسبّب عن عدم التفاته، أو عن تقصيره؛ إن كان الأوّل، فلا نقول فيه باختلاف المتلازمين في الحكم، للزوم التكليف بما لا يطاق، لكون الجمع أمريّا على هذا الفرض، بل نقول: إمّا حرمة ترك التحصيل مرتفعة عنه، و إمّا وجوب الصلاة.
و إن كان الثاني، فإن قلنا بأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، على ما اختاره الفاضل القميّ(رحمه اللّه)، فالأمر سهل أيضا، لأنّ هذا الجمع إنّما كان بسوء اختياره، كمن دخل باختياره في الدار المغصوبة فيتنبّه عن فعله، لا ضير في القول بكون خروجه منهيّا عنه و مأمورا به، مع كون الخروج حينئذ متلازما في الوجود مع الغصب، و إن قلنا بمنافاة الامتناع بالاختيار للاختيار خطابا لا عتابا، كما عليه المشهور و هو المؤيّد المنصور، فنقول حينئذ: إنّ أحد الأمرين من الحرام أو الواجب مرتفع عنه لئلّا يلزم المفسدة.
و أمّا الأمر الخامس: فالجواب عنه، أمّا أوّلا: فبأنّ دليلك أخصّ من المدّعى، لأنّ المدّعى عدم تمكّن مطابقة عبادة الجاهل مطلقا، سواء كان واجبا أو مندوبا، و
الواجب أعمّ من أن يكون قطعه حراما أم لا، و الدليل على فرض تماميّته، إنّما دلّ على لزوم التكليف بأمرين متضادّين في آن واحد على فرض صحّة دخوله في العبادة، و هذا إنّما يتمّ فيما كان العبادة واجبة و قطعه حراما، كما في الصلاة المفروضة؛ و أمّا في المندوبات و الواجب الذي لم يحرم قطعه كالوضوء، فالأمر بالتحصيل حينئذ موجود و ليس مأمورا بالإتمام بالأمر الفوري.
نعم، يتمّ الكلام في هذين القسمين من فساد العمل لو قلنا: إنّ الأمر بالشيء و هو التحصيل يقتضي النهي عن ضدّه و هو إتمام العمل، فبعد ما كان الإتمام منهيّا عنه فيكون العبادة فاسدة، و ثبت المطلوب من عدم إمكان مطابقة عمل الجاهل للواقع، لكن بعد ما عرفت أنّ بناءنا على أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، لا يبقى لهذا الكلام مساق.
و ثانيا: فنقول: سلّمنا تماميّة الدليل في جميع الأقسام الثلاثة، لكن في المقام بعد دخول الجاهل في العبادة أوامر أربعة:
أحدها: الأمر بالصلاة مثلا، و هذا الأمر موسّع.
و الثاني: الأمر الفوري بالإتمام المستفاد من قوله تعالىلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ.
و الثالث: الأمر بالتحصيل، و هو مطلق.
و الرابع: الأمر الفوري بالتحصيل.
و لا تضادّ بين واحد منها و بين الآخر إلّا بين أمرين، أحدهما الأمر الفوري بالإتمام و الثاني الأمر الفوري بالتحصيل، و استراح الفاضل القمي(رحمه اللّه)عن هذا الإشكال من لزوم التكليف بما لا يطاق حينئذ، بالقول بأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار؛ و أمّا على مختارنا من منافاته له فيشكل الأمر ظاهرا، لكن نقول:
إنّ الدليلين الدالّين على هذين الأمرين المتنافيين على الأمرين الفوريّين المضادّين، إمّا قطعيّان و إمّا ظنّيان و إمّا مختلفان، فهذه صور أربعة، لا يلزم فساد العبادة باعتبار لزوم التكليف بما لا يطاق في واحدة منها.
أمّا إن كانا قطعيّين، فأوّلا نقول: هذا غير ممكن، لاستحالة تعارض القطعيّين.
و ثانيا: سلّمنا وقوعه من باب فرض وقوع المحال، لكن بعد ما تعارضا يتساقطان، لعدم المرجّح في البين، و يبقى الأمر المطلق بالصلاة، و كذا الأمر المطلق بالتحصيل، فيصيران واجبين موسّعين، و لا مفسدة في تقديم أحد الواجبين الموسّعين على الآخر.
و أمّا إن كانا ظنّيّين، فلا يخلو إمّا الدالّ على أحدهما راجح على الدليل الآخر، و إمّا متساويان؛ و على الأخير يصير الحكم كالأوّل في التعارض و التساقط؛ و إن كان الدليل الدالّ على وجوب الإتمام راجحا، فلكونه مقدّما على دليل وجوب التحصيل فورا نحكم بعدم فوريّة وجوب التحصيل، فلا يتوجّه عليه حينئذ إلّا أمر واحد فوريّ و لا محذور؛ و إن كان بالعكس، يصير وجوب التحصيل فوريّا، لتقدّم دليله، و يرتفع وجوب الإتمام حينئذ ضدّا خاصّا للتحصيل.
فلو كان بنائنا على اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاص، لكان الصلاة فاسدة، و يثبت مطلوب الخصم، لكن قد عرفت أنّ بنائنا على عدم الاقتضاء، فيكون الصلاة صحيحة للأمر المطلق بها، و يكون إثما على ترك فوريّة التحصيل، كما في الصلاة في سعة الوقت و ترك إزالة النجاسة عن المسجد.
و أمّا إن كان دليل الفوريّة أحدهما قطعيّا و الآخر ظنّيا، فإن كان القطعي دليل الإتمام، فحكمه كحكم ما إذا كان دليله ظنّيا راجحا؛ و إن كان القطعي دليل التحصيل، فحكمه كحكم ما إذا كان دليل الإتمام ظنّيا مرجوحا، فعلى كلّ صورة من الصور الستّة، ليس على فساد الصلاة دليل، و الأمر بها موجود، و لا يلزم التكليف بما لا يطاق أيضا.
فإن قلت: غاية الأمر رفع الموانع من صحّة الصلاة و لا يلزم من محض رفع المانع وجود الصحّة، بل لا بدّ في وجودها من وجود المقتضي أيضا و هو في المقام مفقود، لأنّ الجاهل الآخذ مسائل دينه عمّن لا اعتماد به، لم يثبت كونه مأمورا بالصلاة بهذه