بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 163

و كذا على مختارنا، فإنّ الجمع فيما نحن فيه فاموريّ، لكون الصلاة واجبا موسّعا و التحصيل واجبا مضيّقا، و كان ممكنا لهذا المكلّف أن يؤخّر الصلاة عن أوّل الوقت و يشتغل بالتحصيل، لكن بسوء اختياره أتى بالصلاة و ترك التحصيل في ضمنها، فلا محذور في كون الصلاة واجبا و ترك التحصيل حراما مع تلازمهما في الوجود.

لا يقال: كان التحصيل مأمورا به و الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضدّه، فالصلاة لكونها ضدّا للتحصيل منهيّ عنها، فهي فاسدة.

لأنّا نقول أوّلا: هذا رجوع عن الاستدلال على فساد الصلاة بعدم جواز الاختلاف.

و ثانيا: إنّ اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضدّه الخاصّ ممنوع.

نعم، يشكل الأمر علينا في ضيق الوقت، لكن نقول: إنّ تأخير الصلاة و التحصيل إلى ضيق الوقت إمّا مسبّب عن عدم التفاته، أو عن تقصيره؛ إن كان الأوّل، فلا نقول فيه باختلاف المتلازمين في الحكم، للزوم التكليف بما لا يطاق، لكون الجمع أمريّا على هذا الفرض، بل نقول: إمّا حرمة ترك التحصيل مرتفعة عنه، و إمّا وجوب الصلاة.

و إن كان الثاني، فإن قلنا بأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، على ما اختاره الفاضل القميّ(رحمه اللّه)، فالأمر سهل أيضا، لأنّ هذا الجمع إنّما كان بسوء اختياره، كمن دخل باختياره في الدار المغصوبة فيتنبّه عن فعله، لا ضير في القول بكون خروجه منهيّا عنه و مأمورا به، مع كون الخروج حينئذ متلازما في الوجود مع الغصب، و إن قلنا بمنافاة الامتناع بالاختيار للاختيار خطابا لا عتابا، كما عليه المشهور و هو المؤيّد المنصور، فنقول حينئذ: إنّ أحد الأمرين من الحرام أو الواجب مرتفع عنه لئلّا يلزم المفسدة.

و أمّا الأمر الخامس: فالجواب عنه، أمّا أوّلا: فبأنّ دليلك أخصّ من المدّعى، لأنّ المدّعى عدم تمكّن مطابقة عبادة الجاهل مطلقا، سواء كان واجبا أو مندوبا، و


صفحه 164

الواجب أعمّ من أن يكون قطعه حراما أم لا، و الدليل على فرض تماميّته، إنّما دلّ على لزوم التكليف بأمرين متضادّين في آن واحد على فرض صحّة دخوله في العبادة، و هذا إنّما يتمّ فيما كان العبادة واجبة و قطعه حراما، كما في الصلاة المفروضة؛ و أمّا في المندوبات و الواجب الذي لم يحرم قطعه كالوضوء، فالأمر بالتحصيل حينئذ موجود و ليس مأمورا بالإتمام بالأمر الفوري.

نعم، يتمّ الكلام في هذين القسمين من فساد العمل لو قلنا: إنّ الأمر بالشي‌ء و هو التحصيل يقتضي النهي عن ضدّه و هو إتمام العمل، فبعد ما كان الإتمام منهيّا عنه فيكون العبادة فاسدة، و ثبت المطلوب من عدم إمكان مطابقة عمل الجاهل للواقع، لكن بعد ما عرفت أنّ بناءنا على أنّ الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن ضدّه، لا يبقى لهذا الكلام مساق.

و ثانيا: فنقول: سلّمنا تماميّة الدليل في جميع الأقسام الثلاثة، لكن في المقام بعد دخول الجاهل في العبادة أوامر أربعة:

أحدها: الأمر بالصلاة مثلا، و هذا الأمر موسّع.

و الثاني: الأمر الفوري بالإتمام المستفاد من قوله تعالى‌لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‌.

و الثالث: الأمر بالتحصيل، و هو مطلق.

و الرابع: الأمر الفوري بالتحصيل.

و لا تضادّ بين واحد منها و بين الآخر إلّا بين أمرين، أحدهما الأمر الفوري بالإتمام و الثاني الأمر الفوري بالتحصيل، و استراح الفاضل القمي(رحمه اللّه)عن هذا الإشكال من لزوم التكليف بما لا يطاق حينئذ، بالقول بأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار؛ و أمّا على مختارنا من منافاته له فيشكل الأمر ظاهرا، لكن نقول:

إنّ الدليلين الدالّين على هذين الأمرين المتنافيين على الأمرين الفوريّين المضادّين، إمّا قطعيّان و إمّا ظنّيان و إمّا مختلفان، فهذه صور أربعة، لا يلزم فساد العبادة باعتبار لزوم التكليف بما لا يطاق في واحدة منها.


صفحه 165

أمّا إن كانا قطعيّين، فأوّلا نقول: هذا غير ممكن، لاستحالة تعارض القطعيّين.

و ثانيا: سلّمنا وقوعه من باب فرض وقوع المحال، لكن بعد ما تعارضا يتساقطان، لعدم المرجّح في البين، و يبقى الأمر المطلق بالصلاة، و كذا الأمر المطلق بالتحصيل، فيصيران واجبين موسّعين، و لا مفسدة في تقديم أحد الواجبين الموسّعين على الآخر.

و أمّا إن كانا ظنّيّين، فلا يخلو إمّا الدالّ على أحدهما راجح على الدليل الآخر، و إمّا متساويان؛ و على الأخير يصير الحكم كالأوّل في التعارض و التساقط؛ و إن كان الدليل الدالّ على وجوب الإتمام راجحا، فلكونه مقدّما على دليل وجوب التحصيل فورا نحكم بعدم فوريّة وجوب التحصيل، فلا يتوجّه عليه حينئذ إلّا أمر واحد فوريّ و لا محذور؛ و إن كان بالعكس، يصير وجوب التحصيل فوريّا، لتقدّم دليله، و يرتفع وجوب الإتمام حينئذ ضدّا خاصّا للتحصيل.

فلو كان بنائنا على اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضدّه الخاص، لكان الصلاة فاسدة، و يثبت مطلوب الخصم، لكن قد عرفت أنّ بنائنا على عدم الاقتضاء، فيكون الصلاة صحيحة للأمر المطلق بها، و يكون إثما على ترك فوريّة التحصيل، كما في الصلاة في سعة الوقت و ترك إزالة النجاسة عن المسجد.

و أمّا إن كان دليل الفوريّة أحدهما قطعيّا و الآخر ظنّيا، فإن كان القطعي دليل الإتمام، فحكمه كحكم ما إذا كان دليله ظنّيا راجحا؛ و إن كان القطعي دليل التحصيل، فحكمه كحكم ما إذا كان دليل الإتمام ظنّيا مرجوحا، فعلى كلّ صورة من الصور الستّة، ليس على فساد الصلاة دليل، و الأمر بها موجود، و لا يلزم التكليف بما لا يطاق أيضا.

فإن قلت: غاية الأمر رفع الموانع من صحّة الصلاة و لا يلزم من محض رفع المانع وجود الصحّة، بل لا بدّ في وجودها من وجود المقتضي أيضا و هو في المقام مفقود، لأنّ الجاهل الآخذ مسائل دينه عمّن لا اعتماد به، لم يثبت كونه مأمورا بالصلاة بهذه‌


صفحه 166

الكيفيّة، فإنّ الظنّ الذي ثبت حجّيّته هو ظنّ المجتهد لنفسه و لمقلّده، و هذا الآخذ مسائل دينه عن الفاسق أو المجهول الحال ليس مأمورا بذلك، و المقتضي لصحّة العبادة هو الأمر بها، بل مع العمومات الناهية عن العمل بالظنّ، هذا الجاهل منهي عن الأخذ على هذه الكيفيّة بالأدلّة الخاصّة كمنطوق آية النبأ، و بعد ما لم يثبت المقتضي بل ثبت عدمه، كيف نحكم بصحّة عمل الجاهل بمحض المطابقة للواقع؟

قلت: معنى العمومات و آية النبأ عدم حجّيّة قول الفاسق، لا أنّه إن عمل به و كان مطابقا للواقع ليس صحيحا، نظيره كما لو أخبر فاسق إنّ هذا الماء ماء مطلق، فغسل به الثوب النجس، فمقتضى ما قلت عدم تطهير الثوب لكون المخبر فاسقا، و خلافه من البديهيّات.

و ما قلت من عدم وجود المقتضي فاسد، لأنّ المقتضي هو الأمر بالصلاة و هو موجود في حقّه، و ما يتخيّل من ارتفاعه فاسد، لما تقرّر في المقدّمة الثانية من أنّ العلم و الجهل لا يغيّران الحكم؛ و كذا ثبت في المقدّمة الثالثة أنّ احتمال مدخليّة التعلّم في صحّة العمل مدفوع بالأصل، بل إنّما هو من المقدّمات العلميّة فقط؛ و بعد ما ثبت وجود المقتضي و هو الأمر بالصلاة، و رفع الموانع التي تخيّلها الخصم في إثبات عدم إمكان مطابقة عمل الجاهل للواقع، و حصول العلم بالمطابقة، كما هو المفروض، لا يبقى للقول بفساد العمل مساق.

فتلخّص ممّا ذكر في المقدّمات الثلاث: أنّ عبادة الجاهل يمكن مطابقتها للواقع، و أنّ مقتضى الأصل فيما طابق الواقع الصحّة، قاصرا كان أم مقصّرا، لما ذكر في المقدّمة الثالثة من أنّ الحقّ من حيث الأصل: أنّ تعلّم المسائل وجوبه غيريّ و من المقدّمات العلميّة لا الوجوديّة، و أنّ مقتضى الأصل فيما لم يطابق الفساد، و لزوم الإعادة قاصرا كان أو مقصّرا، لما ذكر في المقدّمة الثانية من وجود المقتضي بالأصل، و رفع المانع عند العلم بعدم المطابقة و عدم تغيّر الحكم الواقعي بالعلم بالجهل.


صفحه 167

فإن قلت: فعلى هذا، لو أتى مقصّران بالصلاتين مثلا، أحدهما مطابق للواقع و الأخرى غير مطابق له، لكان من لم يطابق عمله له آثما و معاقبا، و من طابق عمله له مثابا و مأجورا، مع كونهما مساويان في الأفعال الاختياريّة، و ذلك ظلم و الظلم غير موافق لقواعد العدليّة.

توضيح هذا الإجمال: أنّ هذين المقصّرين المفروضين إمّا مستحقّان للعقاب أو غير مستحقّين له، أو المستحقّ من خالف عمله و غير المستحق من طابق عمله، أو بالعكس؛ و الأخير فاسد جدّا باتّفاق مني و منك، و الثاني لا قائل به على أنّه عليه يلزم خروج الواجب عن كونه واجبا، فإنّ الواجب ما يستحقّ تاركه العقاب، و المقصّر الذي لم يطابق عمله للواقع تارك للواجب باتّفاق منّي و منك، أيضا و إن كان الأوّل ثبت المطلوب من عدم معذوريّة المقصّر مطلقا.

و إن كان الثالث، فنقول: إنّ لهذين المقصّرين فعلين اختياريّين و هما الصلاتين، و فعلين قهريّين و هما مطابقة أحدهما للواقع و مخالفة الآخر، و هما متساويان بالفعل الاختياري الذي هو مناط الثواب و العقاب، لأنّهما إنّما يترتّبان على الامتثال بما كلّف به و العصيان فيه، و التكليف إنّما هو على الأمر الاختياري لا الاضطراري؛ و أمّا الفعلين القهريّين فإنّما هما من باب البخت و الاتّفاق و لا مدخليّة لفعلهما الاختياري فيهما، فحكمك بأنّ أحدهما معاقب و الآخر مثاب، إن كان على الفعل الاختياري فيلزم الظلم لتساويهما فيه، و إن كان على الفعل الاضطراري يلزم الجبر، لأنّه ليس باختيارهما، و كلاهما مخالف لمذهب الإماميّة.

و الظاهر أنّ هذا الاعتراض من الفاضل السبزواري(رحمه اللّه)و تلقاه الفاضل القمي(رحمه اللّه)بالقبول.

قلت أوّلا: إنّ بناء الفاضل القمي(رحمه اللّه)في مقدّمة الواجب على عدم وجوبها بأقسامها، بل الواجب إنّما هو ذو المقدّمة فقط، و لازمه أنّ المكلّف بإتيان الصلاة إلى الجهات الأربع، لو صلّى صلاة واحدة إلى جهة فقط، و صادقت جهة القبلة لكان‌


صفحه 168

ممتثلا، لأنّ الصلاة إلى جميع الجهات إنّما كانت من المقدّمات العلميّة، و قد حصل ذو المقدّمة بالجهة الأولى و لم يكن المقدّمة واجبة عنده.

فلازم كلامه هذا أنّا لو فرضنا مكلّفين اشتبهت عليهما جهة القبلة، و صلّى كلّ واحد منهما صلاة واحدة إلى جهة غير الجهة التي صلّى الآخر إليها، و تركا الصلاة إلى سائر الجهات، ثمّ انكشف مصادفة أحدهما القبلة و مخالفة الأخرى، لكان من صادف صلاته مثابا و من خالف صلاته معاقبا، فكيف لا يلزم مخالفة قواعد العدليّة ثمّة، و يلزم هناك؟

و أمّا على مختارنا في المقدّمة الواجب، و كونه معاقبا على ترك ذي المقدّمة و لو حكما عند ترك المقدّمة، فنقول في المثال: إنّ من صادف القبلة ممتثل بالمأمور له، لكنّه معاقب على ترك المقدّمة و هي الصلاة إلى جميع الجهات الأربع، لإفضائه إلى ترك ذي المقدّمة حكما؛ و من لم يصادفها لم يمتثل بالمأمور به، و معاقب على ترك المقدّمة أي عند تركها، لإفضائه إلى ترك ذي المقدّمة حقيقة، و كذا فيما نحن فيه طابق النعل بالنعل، فإنّه قد عرفت أنّ التعلّم من المقدّمات العلميّة للامتثال.

فإن قلت: إنّ الفاضل القمي(رحمه اللّه)لعلّ بنائه على عدم وجوب المقدّمة إنّما هو فيما كانت من الأمور الخارجة عن ذي المقدّمة، و أمّا فيما كان من الأمور الداخلة، كما في هذا المثال، فبناؤه على وجوب المقدّمة.

قلت: قد صرّح في مسألة مقدّمة الواجب على عدم وجوبها في هذا المثال أيضا.

و ثانيا: إنّ المطابقة أمر اختياري، و ما هو قهري إنّما هو التطابق لا المطابقة، فإنّ هذا المقصّر إمّا قادر على إتيان الصلاة مع التعلّم، و إمّا غير قادر عليهما، و إمّا قادر على أحدهما دون الآخر؛ و الثلاثة الأخير فخارجة عن محلّ الفرض، إنّما الكلام في القسم الأوّل، و بعد ما كان قادرا على الصلاة مع التعلّم، فيمكنه أن يأتي بها بحيث يصير عالما بمطابقتها للواقع، و هو أن يأتي بها مع التعلّم.

و بعبارة أخرى: هنا أشياء ثلاثة، أحدها الصلاة و الثاني مطابقة الصلاة للواقع و


صفحه 169

الثالث التطابق، فبعد ما كان المطابقة من الأمور الاختياريّة، فأيّ مفسدة يرد علينا لو قلنا بأنّ من طابق للواقع مثاب و من لم يطابق معاقب، بمعنى أنّ الأوّل مثاب على صيرورة عمله مطابقا للواقع و معاقب على ترك التعلّم لافضائه إلى ترك المطابقة حكما، و الثاني معاقب على ترك المقدّمة لافضائه إلى ترك ذي المقدّمة حكما و على ترك ذي المقدّمة حقيقة؛ فتأمّل.

و ثالثا: سلّمنا أنّ لكلّ واحد منهما فعلين أحدهما اختياري و الآخر قهريّ، لكن قولك إنّهما مساويان في الفعل الاختياري ممنوع، فإنّ أحدهما صلّى باختياره في الوقت أو صلّى الظهر باختياره مثلا أربع ركعات، و الآخر صلّى في خارج الوقت أو صلّى الظهر ثلاث ركعات مثلا باختياره، فلم يكونا في الفعل الاختياري متساويان.

و بعد عدم تساويهما، لا ينافي عدّ أحدهما ممتثلا و الآخر غير ممتثل قواعد العدليّة، فإنّ المولى لو قال لعبديه: آتياني أيّها العبدان كلّ واحد ببطّيخ، و قصّرا في تحصيل البطّيخ و معرفته، ثمّ جاءا على العميا بشيئين اتّفق كون أحدهما بطّيخا و الآخر شيئا آخر، لعدّ من جاء بالبطّيخ ممتثلا و الآخر عاصيا، على أنّه لو قال المولى:

من أتاني بالشي‌ء الفلاني فهو مثاب و من تركه فهو معاقب، لكون هذا الشي‌ء مطلوبي و ليس غرضي إتيان المقدّمات أبدا، و لم تتعلّق بها مطلوبيّة لا يلزم على المولى قبح، ثمّ لو جاء به أحد على أيّ وجه كان، لكان مثابا، و كذا لو تركه لكان معاقبا.

و هذا المثال هو المثال الذي أتى الفاضل القمي(رحمه اللّه)به في آخر مسألة اقتضاء الأمر بالشي‌ء النهي عن ضدّه، و قال: إنّ من أتى بالمطلوب على أيّ وجه كان، فقد امتثل و سقط الأمر، فما الفارق بين المقامين؟

رابعا: سلّمنا، لكن عدم الإثابة و العقاب على الأمر القهري ممنوع، فإنّ المأمور به كان في نفسه واجدا للمصلحة التي اقتضت وجوبها، و كذا المنهي عنه، و الثواب و العقاب أثران يترتّبان على وجدان المصلحة و فقدانها، فمع تسليمنا أنّ المطابقة أمر


صفحه 170

قهريّ نقول: يترتّب على المطابق الحور و القصور و على غير المطابق النار و الحرور، كما لو شرب رجلان كلّ واحد منهما قدحا مملوّا مع الجهل به لرفع العطش و كان سما و الآخر ماء معينا، فيترتّب عليهما ما يترتّب.

و كيف ما كان، إدّعاء كون استحقاق أحد المقصّرين العقاب و الآخر الثواب منافيا لطريقة العدل، ممّا لا معنى له ظاهرا.

المقدّمة الخامسة: في تحرير محلّ النزاع، و فيه جهتان:

الجهة الأولى: في أنّ محل النزاع في قولهم «الجاهل معذور أم لا» هل هو الحكم التكليفي من الإثم و عدمه، أو الحكم الوضعي من الصحة و الفساد و لزوم الإعادة و القضاء، أو أعمّ منهما؟

الحقّ: أنّ محلّ النزاع هي الحكم الوضعي فقط، و يشهد عليه وجوه:

الأوّل: إنّ بعضهم جعلوا العنوان هكذا «عبادة الجاهل صحيح أم فاسد» و هو ظاهر في أنّ النزاع في الحكم الوضعي.

فإن قلت: عنوان بعضهم «الجاهل معذور أم لا» ظاهر في الحكم التكليفي.

قلت: العنوان الأوّل ظهوره في الحكم الوضعي أكثر من ظهور العنوان الثاني في الحكم التكليفي.

فإن قلت: لعلّ في المسألة كلام في الحكم التكلفي و كلام في الحكم الوضعي، فجعل بعضهم عنوان الكلام في الأوّل و البعض الآخر في الثاني.

قلت: هذه السجيّة غير متعارفة منهم، فليحمل هذا على السجيّة المتعارفة.

الثاني: إنّهم اتّفقوا في أنّ معاملة الجاهل لو طابقت الواقع صحيحة و إن لم يطابق فاسدة، بمعنى أنّهم اتّفقوا في معذوريّة الجاهل في المعاملات إن طابقت الواقع، فلو كان نزاعهم في الحكم التكليفي لجرى الأقوال الثلاثة في المعاملات أيضا، فإنّ المعاملات أيضا من متعلّقات التكاليف، و الكلّ متّفقون على لزوم أخذ المسائل و معرفتها مطلقا، فالاختلاف في العبادات و الاتّفاق في المعاملات كاشف عن كون‌